الحق بالتمرد: نظرية قديمة بلبوس جديد


2013-07-08    |   

الحق بالتمرد: نظرية قديمة بلبوس جديد

هل يجوز التمرد على السلطة الحاكمة؟ سؤال بسيط جدا لا بل هو فطري يطرحه كل انسان على نفسه ليس فقط على مستوى الدولة بل أيضا في حياته الخاصة. والحقيقة أن هذا السؤال هو جوهر الفلسفة السياسية لا بل هو المحك الذي تحاول كل النظريات الإجابة عليه إما سلبا أو ايجابا. ولا يقتصر الأمر على الفلسفة بل هو يدخل أيضا في اللاهوت السياسي والايديولوجيات المختلفة. فمسوغ الخضوع للسلطة قد يبدأ باعتبارات دينية وينتهي بشرح حول الحتمية التاريخية، إذ ان المعضلة الأساسية التي ما فتئت تطرح نفسها بإلحاح حتى اليوم تتعلق بالدوافع التي تجعل من إنسان ما يرضى بسلطة إنسان آخر، على الرغم من أنهما يمتلكان الطبيعة عينها ولا يوجد في نهاية المطاف معيار موضوعي يسمح بقسمة البشر بين حكام ومحكومين. والأحداث التي عصفت بمصر في الأيام الأخيرة وما رافقها من عزل لرئيس جرى انتخابه حسب قواعد اللعبة الديمقراطية تقودنا من جديد إلى مأزق أشد صعوبة: فإذا كانت الثورة ضد الاستبداد مقبولة من حيث المبدأ، هل يمكن للمواطن التمرد على سلطة أتت إلى الحكم عبر صناديق الاقتراع؟
جراء ما تقدم يتبين لنا أن الثورة على الحاكم قضية تدخل في صميم جدلية الشرعية (légitimité) والقانونية (légalité). فكل ثورة هي رفض لسلطة سياسية قائمة تستمد صلاحياتها من دستور نافذ ومن منظومة قانونية فعالة. لكن الثورات تحدث باسم مجموعة من المبادئ كالحرية والعدالة إلى ما هنالك من أفكار غريبة عن حقل القوانين الوضعية. فالسلطة القانونية قد تكون سلطة غير شرعية والعكس صحيح أيضا لأن السلطة القانونية هي تلك التي تحترم القوانين الوضعية بينما السلطة الشرعية هي تلك التي يقبل بها الشعب ويعتقد أن وجودها أمر طبيعي وعادي. هذا الأمر لا يعني بأي حال من الأحوال أن السلطة الشرعية هي تلك التي أتت الى الحكم عبر الطرق الديموقراطية. فالملكيات القديمة حيث الملك يتمتع بسلطة مطلقة كانت تعتبر شرعية لأن الشعب اعتقد حينها أن السيطرة التي يمارسها الحاكم تستند إلى مجموعة من التقاليد والاعراف المتوارثة عبر الأجيال. بالتالي، نستطيع أن نقول بأن الشرعية هي هذا الاحساس الداخلي الذي يدفع بالفرد الى الخضوع طواعية لسلطة الحاكم ويقوده الى التسليم بمشروعية السلطة الحاكمة.
يتبين لنا إذا ان مسألة الشرعية لا تحددها النصوص القانونية ولا رجال القانون. فتحديد السلطة الشرعية هو أمر يحتاج الى دراسة معمقة للمجتمع وفهم قيمه وتقاليده السياسية والدينية وتطوره التاريخي. وهذا الأمر يعود إلى الفيلسوف عالم السياسة والاجتماع الذين لا يقتصرون في أبحاثهم على بعض النصوص بل يحاولون أن يصلوا إلى المبادئ الأساسية التي يقوم عليها البناء السياسي في دولة ما. فالشرعية هي إشكالية أخطر من أن تترك لقانونيين لا يقاربون المسألة الا من زاوية حقوقية جامدة لا علاقة لها بالواقع.
وقد تتبنى الدساتير مبدأ حق التمرد وتكرسه بنصوص صريحة.  فالمادة 33 من الاعلان الثاني لحقوق الانسان الذي تم ادراجه كمقدمة لدستور الجمهورية الأولى في فرنسا (1793) تنص بشكل واضح على أن مقاومة الاستبداد مبدأ يمكن استنتاجه من حقوق الانسان. ومن ثم تعلن المادة 35 من الاعلان نفسه بشكل لا يقبل الالتباس التالي:
‘‘Quand le gouvernement viole les droits dupeuple, l'insurrection est, pour le peuple et pour chaqueportion du peuple, le plus sacré des droits et le plusindispensable des devoirs’’.
والغريب أن تكريس حق العصيان في نص دستوري ينطوي على شيء من التناقض. فالثورة عمل غير قانوني بامتياز وليس إذا من المنطق تكريسها في نصوص وضعية. والحقيقة أن المواد الدستورية التي تتكلم عن حق الثورة لا تتمتع بقيمة انشائية بل فقط بقيمة اعلانية إذ ان الثورة تحدث باسم شرعية لا تحتاج إلى مرتكز قانوني كي تبررها. فلو افترضنا مثلا أن السلطة التي تتمتع بصلاحية تعديل الدستور قامت بإلغاء المادة المتعلقة بحق التمرد، هل يؤدي هذا الأمر إلى منع المواطنين من العصيان؟ قطعا لا، فالنظرة التي كونها المتمرد لكيفية ممارسة الحكم تحركها أفكار لا قانونية (ajuridique) وهي تبعا لذلك تدخل في حقل الشرعية التي تتبدل حسب تقاليد البلاد والظروف التاريخية.
ولما كانت الشرعية على هذا القدر من الذاتية فهي شديدة الارتباط بالسياسة ولا يمكن لها أن تتماهى دائما مع القانون خاصة في الظروف الاستثنائية. لذلك، لا يمكن لنا أن نركن "للشرعية القانونية" العزيزة على قلب عالم الاجتماع الكبير ماكس فيبير بل يتوجب علينا الفصل بين الشرعية والقانونية بغية فهم كيف يمكن رفض سلطة منتخبة ديمقراطيا.
وانعدام الشرعية الذي يبرر الثورة يمكن أن يصيب السلطة بأشكال متعددة لذلك كان لا بد من التمييز بين الطرق التالية:
·طريقة الوصول إلى السلطة.
·طريقة ممارسة السلطة.
·طريقة نقل السلطة.
والشرعية تدخل في كافة هذه الطرق لا بل هي تحكمها لكن وفقا لمنهجية مختلفة. فالطريقة الأولى والثالثة شكليتان بينما الثانية مادية بامتياز. فالفساد الذي يلحق بالطرق الشكلية يعرف باغتصاب السلطة (usurpation) بينما الفساد الذي يطال الطريقة المادية يعرف بالطغيان ((tyrannie. ففي بلد تقوم شرعيته السياسية على الديمقراطية مثلا يجب على الحاكم أن يصل إلى السلطة من خلال انتخابات حرة ونزيهة أو وفقا لأحكام الدستور (طريقة شكلية). لكن هذا الشرط غير كاف إذ من المفترض أن تمارس السلطة بعدالة ومن دون استبداد أو ظلم. الشرطان متكاملان إذا ولا يمكن اعتبار السلطة القائمة شرعية إذا ما فقدت أحدهما.
لم تميز الفلسفة السياسية القديمة بشكل واضح بين الاعتبارات الشكلية والمادية فاهتمت بشكل أساسي بالأخيرة. فأرسطو مثلا، في معرض تعداده لأنواع "الدساتير"، يتخذ من المصلحة العامة (معيار مادي) فيصلا للتفرقة بين النظام السياسي الصالح والنظام الفاسد:
‘La tyrannie est une monarchie qui a pour objet l’intérêt du monarque ; l’oligarchie a pour objet l’intérêt des riches ; la démocratie, celui des pauvres ; mais aucun de ces gouvernements ne vise à servir l’intérêt commun’[1].
كان لا بد من انتظار الفلسفة المدرسية للعصر الوسيط من أجل بلورة هذه المفاهيم وتوضيحها. واشتهر المفكر الفلورنسي "سالوتاتي" في كتابه "De tyranno" بقسمة معبرة بين طغيان الإغتصاب (tyrannus ex defectu tituli) الذي يلحق بمنصب الحاكم وطغيان الاستبداد (tyrannus ex parte exercitti) الذي ينتج عن كيفية ممارسة السلطة.
ومن تداعيات هذه القسمة اعتبر الفلاسفة أن الأفراد يملكون تفويضا غير مباشر بقتل مغتصب السلطة بينما الأمر يحتاج إلى الصبر والروية في حال الاستبداد. ويشرح القديس توما الأكويني هذه الفكرة بأسلوبه البليغ فيكتب:
‘Le régime tyrannique n’est pas juste parce qu’il n’est pas ordonné au bien commun, mais au bien privé de celui qui détient le pouvoir, comme le montre Aristote.C’est pourquoi le renversement de ce régime n’est pas une sédition ; si ce n’est peut-être dans le cas où le régime tyrannique serait renversé d’une manière si désordonnée que le peuple qui lui est soumis éprouverait un plus grand dommage du trouble qui s’ensuivrait que du régime tyrannique’[2].
التمرد على الظالم مشروع شريطة ألا يستتبع هذا الأمر نتائج أكثر ضررا من بقائه. وفي مكان آخر من العالم وفي زمن مختلف أيضا كان الأمام الجويني يوافق القديس توما الأكويني عندما ناقش مسألة جواز خلع الحاكم.
فالخلع، حسب الجويني، ليس أول حل يجب اللجوء إليه، بل على الرعية أن تصبر على الإمام، لعله يتوب ويعود إلى الصراط المستقيم. لكن، إذا استمر الإمام على ظلمه وجوره كان لا بد من استدراك الأمر لأن "ترك الناس سدى ملتطمين مقتحمين لا جامع لهم على الحق والباطل أجدى عليهم من تقريرهم اتباع من هو عون الظالمين وملاذ الغاشين وموئل الهاجمين ومعتصم المارقين"[3]. وهنا يذهب الجويني بعيدا في تحليله، فيقول ان رفض سلطة الإمام الجائر أفضل من السكوت على الظلم والضيم. لكن الثورة لا تكون بشكل فوضوي بل يتوجب على الرعية أن تختار قائدا يحارب الحاكم الظالم ويخلعه من منصبه:
" إن تيسر نصب إمام مستجمع للخصال المرضية والخلال المعتبر في رعاية الرعية، تعين البدار إلى اختياره فإذا انعقدت له الإمامة واتسقت له الطاعة على الاستقامة، فهو إذا ذاك يدرأ من كان، وقد بان الآن أن تقديم درئه من مهمات أموره، فإن أذعن، فذاك، وإن تأبى عامله معاملة الطغاة وقابله مقابلة البغاة"[4]. فالإمام الظالم إما أن يستقيل طوعا وإما أن يقاتله الإمام الجديد، فيعزله رغما عنه. ويستدرك الجويني في نهاية المطاف ويوافق القديس توما الأكويني: فإذا "كان خلع الإمام يجلب من الضرر على الأمة أكثر من النفع، وجب الركون إلى السكينة وعدم خلعه، وتفويض الأمر إلى الله. وفي حال لم يجد أهل الحل والعقد من يحلّ مكان الإمام الفاسق أو الجائر وجب أيضا عدم الخروج عليه بغية تجنب المحن الإضافية"[5].
لقد وافق الجويني ولو ضمن شروط على رفض الاستبداد ومنح الافراد نظريا حرية اختيار حاكم بديل. لكن حتى هذا القدر المحدود من الحريات لم يتم تقبله من قبل العلماء الذين شددوا على ضرورة اطاعة الحاكم الظالم وعدم شرعية الخروج عليه لا بل وصل الأمر إلى حد التخلي عن أي حس نقدي والقبول بأي سلطة قائمة. وقد عبر ابن جماعة خير تعبير عن هذا التوجه عندما تكلم عن الإمامة القهرية فقال:
الإمامة القهرية هي " قهر صاحب الشوكة، فإذا خلا الوقت عن إمام فتصدى لها من هو من أهلها، وقهر الناس بشوكته وجنوده بغير بيعة أو استخلاف، انعقدت بيعته، ولزمت طاعته، لينتظم شمل المسلمين وتجتمع كلمتهم. ولا يقدح في ذلك كونه جاهلا أو فاسقا في الأصح. وإذا انعقدت الإمامة بالشوكة والغلبة لواحد ثم قام آخر فقهر الأول بشوكته وجنوده، انعزل الأول وصار الثاني إماما، لما قدمناه من مصلحة المسلمين وجمع كلمتهم، ولذلك قال ابن عمر في أيام الحرة: نحن مع من غلب"[6].
وانسجاما مع هذه الرؤية ينقل أبو يعلى عن أحمد بن حنبل رأيه إذا خرج على الإمام "من يطلب الملك فيفتتن الناس، فيكون مع هذا قوم، ومع هذا قوم، مع من تكون الجماعة؟ قال: مع من غلب"[7].
والتناقض هنا يبلغ درجة خطيرة: فالثورة ممنوعة لكن إذا تمكن سلطان من خلع الحاكم يجب طاعته مهما بلغ طغيانه واستبداده. لا يمكن نقد صاحب السلطة بل يتحتم على الرعية الخضوع الأعمى وتقديم فروض الطاعة له. القبول بالأمر الواقع بات يتحكم بالأدبيات السياسية التي سيطرت على العالم العربي خلال قرون طويلة. فلا العدالة تنفع كمسوغ للتمرد (معيار مادي) ولا اغتصاب السلطة (معيار شكلي) يبرر الخروج على الحاكم.
بعد أن استعرضنا هذه النظريات السياسية المختلفة يمكننا أن نستخلص بعض النقاط المهمة. التمرد هو محاولة لاستبدال شرعية قائمة بشرعية جديدة. فالسلطة القائمة لديها شرعية تناسبها بينما الثورة تعتقد بشرعية خاصة بها. وخطورة الديمقراطية انها تعطي للحاكم شرعية قوية جدا قد تسمح له بقمع المخالفين بذريعة انه يمثل إرادة الشعب. كيف يحق لنا إذا أن نرفض من فوضه هذا الأخير مقاليد السلطة. والجواب يكمن في الدمج بين الشرعية الشكلية والشرعية المادية كما أسلفنا. فمن يصل إلى الحكم بطريقة ديمقراطية يفقد شرعيته إذا ما مارس صلاحياته بشكل لا يتوافق مع التصور الذي كونه الأفراد لكيفية إدارة الدولة. هذا مع العلم أننا ننطلق من مسلمة مفادها أن الحكم الشرعي هو اليوم ذاك الذي يحترم حقوق الانسان ويتبنى المعايير الديمقراطية في السياسة.
لكن هذه المسلمة قد تتبدل مع الأيام. فما الذي يضمن لنا ألا نعود إلى شرعية تريد فرض تعاليم دين ما أو ايديولوجية لا تقر بحقوق الانسان؟ الجواب لا يكمن في تنظير فلسفي بل هو رهن بوعي الشعوب ومساهمة المثقفين الذين يتخذون العقل نبراسا لهم ويجعلون من العدالة هدفهم. فكل تمرد يصدر عن العقل هو حرية وكل سلطة تريد أن تحجر على العقل باسم صندوق الاقتراع هي ردة وتخلف. ديمقراطية دون عقل هي ارادة جامحة لا لجام لها قد تجلب من الوبال ما لا حد له: فلنتمرد باسم العقل وليس عليه. 



[1]Aristote, Politique, Tel gallimard, Paris, 2007, p. 87.
[2]Saint Thomas d’Aquin, Somme théologique, IIa-IIae, question 42, article 2, édition numérique : www.docteurangelique.free.fr(œuvres complètes de Saint Thomas d’Aquin).
[3] غياث الأمم في التياث الظلم لأبي المعالي الجويني، دار الكتب العلمية، بيروت، 2003، ص. 54.
[4] غياث الأمم في التياث الظلم لأبي المعالي الجويني، دار الكتب العلمية، بيروت، 2003، ص 55.
[5] وسام اللحام، الخلافة بحث في مؤسسة الأمامة لدى السنة، دار الكتب العلمية، بيروت، 2010، ص. 68.
[6] بدر الدين ابن جماعة، تحرير الأحكام في تدبير أهل الاسلام، دار الكتب العلمية، بيروت، 2003، ص. 17.
[7] أبي يعلى محمد بن الحسين الفراء، الأحكام السلطانية، دار الكتب العلمية، بيروت، 2006، ص. 22.
انشر المقال

متوفر من خلال:

لبنان ، مقالات ، حراكات اجتماعية ، حريات عامة والوصول الى المعلومات



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية