الحقّ في الغذاء وميثاق غذاء وطني للبنان


2021-02-04    |   

الحقّ في الغذاء وميثاق غذاء وطني للبنان
جانب من أحد المتاجر الكبرى مع تهافت الزبائن على شراء السلع المدعومة

حينما أطلق رجلٌ على نفسه النار في شارع الحمرا في 3 تموز/يوليو 2020، ترك علماً لبنانياً صغيراً على صدره يغطي نسخة من سجّله العدليّ “لا حكم عليه” وعبارة نصّها “أنا مش كافر (أنا لست كافراً)”، في إشارة على الأرجح إلى أغنية لزياد الرحباني مستهلّها: “أنا مش كافر، بس الجوع كافر.. بس المرض كافر، بس الفقر كافر والذلّ كافر”.

تظهر عبارة علي الهقّ تلك، أنّه كان رجلاً بريئاً وأنّه لم يمت شهيداً في سبيل قضيّة، بل كان شخصاً يواجه ذلّ الجوع وقهره. وهو يذكّرنا أنّه حينما تتغلّب على الشخص قوى قاهرة، فهو رغم ذلك يحافظ على السّيطرة على كرامته المتأصّلة باعتبارها الشكل الأتمّ للمقاومة ضد الاضطهاد. فبمطالبته بكرامته، أكّد الهقّ سلطته كإنسان يتّهم الحكومة اللبنانية بدفع كل شخص في البلاد إلى الجوع والألم والموت.

تجمّع الناس في وقت لاحق من بعد ظهر ذلك اليوم في شارع الحمرا للحداد والاحتجاج. وقد صبّوا جام غضبهم على ثالوث الأوليغارشية، والمصرف المركزي، والقطاع المصرفي الخاص المسؤولين عن الانهيار الاقتصادي والمالي للبلد الذي دفع بملايين الناس إلى البؤس قبل تفشّي جائحة فيروس كورونا (كوفيد-19). حملت امرأة لافتة كتب عليها “ما كان هذا انتحاراً، لقد كان قتلاً بدم بارد”، عاكسة المشاعر الشعبية تجاه وفاة الهقّ. وقالت في مقابلة تلفزيونية لاحقاً “أين هي السلطات الآن؟ فنحن لا يمكننا دفع ثمن الطعام. الناس يتضوّرون جوعاً. إنّهم يموتون. أين هم هؤلاء؟”.

وبعد وقت قصير من وفاة الهِق، هزّ في 4 آب 2020 انفجار مرفأ بيروت زاهقاً الأرواح وقاضياً على سبل العيش، فأغرق البلد بأكمله في مزيد من اليأس وكشَف نقطة ضعف أساسية في نظام الغذاء اللبناني إذ انّه جرى قبل الانفجار استيراد 85% من المواد الغذائية في لبنان، وتعامل مرفأ بيروت مع ما قاربت نسبته 70% من هذه الواردات.

وللإشارة، فإنّ أزمة الجوع في لبنان لم تنجم عن حادث، ولا عن جائحة كوفيد-19 بل هي نتيجة حسابات مالية باردة. فلا خطط صندوق النقد الدولي أو البنك الدولي الخاصة بلبنان لتغطية ديونه، ولا خطط القادة المحليّين الذين يحاولون بيع الأصول اللبنانية إلى المصالح الأميركية أو الفرنسية أو السعودية أو الصينية، تعالج هشاشة نظام الغذاء اللبناني المستديمة.

فالناس لا يحتاجون فقط إلى خطّة لدرء الجوع، بل إلى خطة تمكنّهم من أن يأكلوا ويعيشوا حياتهم اليومية بكرامة.

ما الذي ينبغي فعله؟

تطوير ميثاق غذاء وطني قائم على مبادئ حقوق الإنسان

تعتبَر إعادة بناء النظام الغذائي بمثابة إعادة بناء البلد. ومن شأن مبادئ حقوق الإنسان أن تتيح تطوير ميثاق غذاء وطني يمكنه أن يغيّر علاقة الناس بالمؤسسات العامة والوزارات، كما يتيح تغيير علاقتهم  ببعضهم البعض إذ سيتعيّن عليهم الإتفاق على كيفيّة مشاركة الموارد البيئية والاقتصادية اللازمة للعيش معاً.

وعلى وجه التحديد، فإنّ الحق في الغذاء يمكن أن يديم روح انتفاضة تشرين وأن يقدّم للناس في لبنان البنية التحتية الاجتماعية والنظريّة والمالية للحوارات الاجتماعية كي يقود إلى ميثاق غذاء وطني. ولا بدّ من الإشارة هنا، إلى أنّ الحق في الغذاء هذا متجذّر في مفهوم كرامة الإنسان، وهو ليس بعبارات ضيّقة يماثل الحجج التقنية في التقاضي. والأهم من ذلك كلّه، أنّ هذا الحق ليس بمعونة أو صدقة. فالصدقة تعتمد على رحمة وإملاءات ذوي السلطة واليُسر. ولطالما شكّلت المؤسّسات الخيرية وسيلة حاول من خلالها أصحاب السلطة السيطرة على الناس، سواء أكان الزعيم المحليّ يوزّع الخبز المجاني أو هيئة دوليّة تقدّم المساعدة والخبرة.      في بعض الأحيان، يتم تأطير السياسة الغذائية كمسألة تتعلق بالأمن القومي. غير أنّ هذا النهج الضيّق يركّز فقط على ضمان حصول الناس على الكمية الكافية من الغذاء الذي يحتاجونه للعيش والبقاء على قيد الحياة.

أما النهج القائم على الحق في الغذاء فلا يقوم على الكفاف فقط بل أيضاً على التغذية. فالغذاء لا يجعل الناس أقوى جسدياً بحسب بل سياسياً وثقافياً. وفي هذا الصدّد، يثير الحق في الغذاء أسئلة أساسية بشأن الطريقة التي يصنع فيها الناس الغذاء ويتشاركونه ويتناولونه، لا يستطيع التكنوقراط والخبراء وحدهم الإجابة عنها.

في الواقع، إذا كان لبنان قبل انفجار مرفأ بيروت يعتمد على ميناء واحد وعلى التجارة الدّولية، فهو الآن بات يعتمد أكثر من أي وقت مضى على المساعدات الدولية. لذلك، فإنّ من شأن ميثاق الغذاء الوطني أن يضع التجارة والزراعة واستخدام الأراضي والسياسة الغذائية في أيدي الشعب مما يعزّز اعتماد لبنان على نفسه وسيادته. والجدير ذكره أنّ المزارعين والصيادين والرّعيان في لبنان لا يستطيعون إنتاج ما يكفي من الغذاء للجميع، غير أنّه يمكن للناس أن يستهلكوا كل ما يجري إنتاجه محلياً، ممّا يعمّق الارتباط بين الشعب والأرض والأنهار والبحر.

في الوقت الراهن، يدعم المصرف المركزي المواد الغذائية من خلال تزويد المورّدين بدولارات أميركية “مدعومة” (أي بأسعار صرف مخفّضة). وللأسف، فقد اختارت الحكومة آليّة دعم لا تفيد الفقراء أكثر من غيرهم وتشجّع على التهريب، عدا عن أنّها تمنح النفوذ والثروة لعدد قليل من الموردين. وفيما تسعى وزارة الاقتصاد والتجارة حالياً لإنهاء كافة أشكال الدعم، يخشى الناس من أن تحلّق أسعار المواد الغذائية. فاللعنة مصبوبة على الناس سواء تحت ظل النظام الحالي أو من دونه.

في ظل غياب حكومة خاضعة للمساءلة، لا أمل في إرساء أيّة سياسة مالية فعّالة وعادلة بغض النظر عمّا إذا كانت على شكل دعمٍ جيّد التصميم أو على شكل برنامج للحماية الاجتماعية. وبالتالي، يجب التركيز بدلاً من ذلك على إنشاء علاقات جديدة. وعليه، فإن الإعتماد على إطار عمل متمحور حول مبادئ حقوق الإنسان من شأنه أن يجعل الأسواق المحلية تربط منتجي الأغذية المحليين بالسكان بطريقة أفضل. وباستقراء الوضع في البرازيل، على سبيل المثال، يتبيّن أنّه بإمكان مؤسّسات الرعاية – المدارس والجامعات والمستشفيات ودور رعاية المسنّين – شراء نسبة من غذائها من المنتجين المحليين والإقليميين الملتزمين بالتنوّع البيولوجي وبممارسات عمل عادلة. وجرى تطبيق هذا الترتيب في البرازيل عبر كافة المدارس الرسمية مما ضمِن تحرّر كلّ الأطفال من الجوع. كما أمّن الدعم الرسمي لمنتجي الأغذية المحليين وشجّعهم           على اعتماد الممارسات التي تعزز النظام البيئي وصحة الناس- وهو ما فعله العديد من الفلاحين في لبنان ماضياً وبات معروفاً دولياً بالزراعة الإيكولوجيّة أو البيئية Agroecology. وبهذه الطريقة، يصبح منتجو الأغذية المحلّيون هم رعاة الأرض وا     لشعب.

ومن أجل أن تنشئ مثل هذه الترتيبات علاقات مستقرّة بين الناس والمنتجين، فلا بدّ أن يجري اعتمادها      على مستوى جماعي وليس من خلال عقود فردية. وفي ظلّ عدم رغبة البرلمان في تحمل مسؤولياته،      فإنّ من شأن ميثاق الغذاء الوطني أن يوجّه الهيئات البلدية الملتزمة بحقوق الإنسان للعمل جنباً إلى جنب ووضع نظام للمشتريات العامة. ويمكن للميثاق أيضاً أن يوفّر للمؤسّسات في قطاع معيّن (جميع المستشفيات أو الجامعات في البلد على سبيل المثال) قاعدة نموذجيّة لإنشاء اتفاقية مشتريات عامّة تخدم الجميع.

وتجدر الإشارة إلى ضرورة أن يُستمَد ميثاق الغذاء الوطني من الخطوط التوجيهية المعترف بها دولياً؛ “الخطوط التوجيهية الطوعية بشأن الحوكمة المسؤولة لحيازة الأراضي ومصايد الأسماك والغابات في سياق الأمن الغذائي الوطني“، إذ تحظى هذه المبادئ التوجيهية بدعم قوي من الحكومات والحركات الاجتماعية والمنظمات الدولية والشركات في العالم وترتكز على حقوق الإنسان. وهي مصمّمة لضمان إدارة الأراضي ومصايد الأسماك والغابات بطريقة تخدم الناس. ولا تنشِئ المبادئ التوجيهية المذكورة أيّة التزامات قانونية، لكنّها تستند إلى القانون الدولي وهي مفصَّلة بشكل كافٍ لتكون جاهزة للاستخدام. وتتناول قضايا رئيسية مثل: الإصلاح الزراعي، وحقوق المرأة، ومشاركة المجتمعات في عمليات صنع القرار، ورؤية شاملة للأراضي ومصايد الأسماك والغابات، والحكم الذاتي المجتمعي، والمضاربة العقارية وتركيز الأراضي، والنزاعات المسلّحة والاحتلال، والتغيير المناخي والكوارث الطبيعية. وقد أعدّت حركة السيادة الغذائية العالمية دليلاً شائعاً للناس ليستخدموا المبادئ التوجيهية المذكورة في كفاحاتهم ضدّ الظلم الاجتماعي.

من سيقود؟

الحركات الاجتماعية

في الواقع، إذا قرّرنا أن نستخدم روح انتفاضة أكتوبر لتفعيل الحق في الغذاء، ينبغي أن يكون ميثاق الغذاء الوطني قابلاً للتفاوض الصريح بين كافّة الفئات الاجتماعية المحلية ليحدّد كيف وماذا يأكل الناس في لبنان.

وهذا يعني أنه من أجل إعادة بناء لبنان، يتعيّن على الشعب تنظيم نفسه وإنشاء حركة اجتماعية قويّة تتكوّن من جمعيات تعاونيّة ونقابات وروابط مستقلة. وعلى الرغم من أنّ ذلك سيتطلب عملاً شاقاً، إلا أنّه قابل للتحقّق في ظل الظروف السياسية الراهنة، إذ لا يتعيّن على أحد منها انتظار إصلاح من الحكومة من أجل التنظيم الذاتي وبناء التضامن فيما بينها.

فالتعاونيات المستقلّة أو روابط المزارعين والصيادين والرعيان، ونقابات عمال الأغذية من كافة جوانب سلسلة التوريد، والجمعيات التعاونية الاستهلاكية، والمجموعات الشبابية، والمجموعات النسائية، جميعها يجب أن تجتمع وتخوض سلسلة من الحوارات لتصبّ تركيزها على تطوير ميثاق غذاء وطني قائم على مبادئ حقوق الإنسان. وستكون تلك الحوارات بمثابة عمليّة يطالب خلالها الناس بشكل جماعي بكرامتهم ويثبتون سلطتهم رغماً عن السياسيين والمصرفيين الفاسدين، وستشكّل الحيّز الذي يضع فيه الناس عبر النظام الغذائي شروط تضامنهم مع بعضهم البعض، كما ستولّد الأفكار العامة والعملية السياسية التي من شأنها أن تؤدي إلى مفاوضات نهائية بين الحركات الاجتماعية يتمخّض عنها ميثاق الغذاء الوطني.

وعلى قدر الصعوبة التي تنطوي عليها مثل هذه السلسلة من الحوارات الوطنية البنّاءة، لا تزال هناك مشكلة أساسيّة وهي أنّ العديد من الجمعيات التعاونية والنقابات والمنظمات المعنية بالمزارعين مرتبطة ارتباطاً وثيقاً ببعض الأحزاب السياسية أو تخضع للسيطرة الشخصية من قبَل الزعماء المحليين. إلا أنه من شأن الحملة من أجل الحصول على الحق في الغذاء أن تحفّز الناس على تنظيم أنفسهم بشكل مستقلّ أكثر. ولكي يكون النظام الغذائي الجديد عادلاً، يجب أن تكون العضوية في هذه المنظمات مفتوحة أمام جميع الأشخاص وفقاً لموقعهم في النظام الغذائي وليس بالاعتماد على أوضاعهم القانونية أو الشخصية.

يُذكر أنّ بعض مراكز البحوث والجامعات مؤهّلة بالفعل لاستضافة مثل هذه الحوارات الوطنية. ولا بدّ لهذه العملية أن تكون مستنيرة بفهم مشترك للكيفية التي كان فيها النظام الغذائي الحالي في لبنان نتاجاً عن عدم المساواة على المستويين الوطني والدولي. فإ نّ إعادة بناء النظام الغذائي في لبنان، يعني كذلك إمكانية إنشاء قوّة ضغط ضد الظلم الدولي.

ويمكن لهذه الحوارات أن تحظى بدعم الجمعيات التعاونية والنقابات الزراعية في المنطقة والعالم. ولن يكون هذا حدثاً آخراً تديره المنظمات غير الحكومية وترعاه المساعدات الأجنبية، بل ستكون هذه المبادرة عبارة عن حوارات بين الشعوب على أساس شبكات التضامن الدولي الموجودة. وتمثّل الشبكة العربية للسيادة على الغذاء صغار منتجي الأغذية ومجموعات المستهلكين في المنطقة، وهي باستطاعتها أن تقدّم الأفكار والأمثلة المستمَدة من تجاربهم الخاصة في المنطقة وفي جميع أرجاء العالم. ولهذه الشبكة وجود فعليّ في لبنان وبإمكانها أن توسّع عملها فيه. أمّا الاتحاد الدولي للأغذية والزراعة والفنادق والمطاعم والسياحة والتبغ ورابطات العمال المتحالفين معه “آي يو إف” IUF فهو يمثّل العمال في كافّة جوانب النظام الغذائي ويشكّل أكبر اتحاد للنقابات من نوعه في العالم. وحالياً، فإنّ العضوين اللبنانيين الوحيدين فيه هما: اتحاد نقابات موظفي وعمال الفنادق والمطاعم والتغذية واللهو في لبنان، والاتحاد الوطني لعمال التبغ. ويمكن للـ”آي يو إف” أن يضمّ المزيد من الاتحادات، ويكون الداعية باسم الناس، ويقدّم البحوث السياسية والاقتصادية، ويساعد الناس على تنظيم مزيد من الاتحادات المستقلّة.

كيف يُستخدم الحق في الغذاء كإطار عمل؟

يمكن للحق في الغذاء أن يوفّر طريقة لتأطير الحوارات من خلال اللغة المشتركة. فمن الناحية المبدئية، يعني الحق في الغذاء حقّ الشخص في الحصول على غذاء مناسب ومتوفّر ومتاح بصورة دائمة.

و”مناسب” تعني أن يحدد الناس لأنفسهم ما هو الغذاء الملائم لهم ثقافياً وتغذوياً واجتماعياً وإيكولوجياً، استناداً إلى ظروفهم الخاصّة. وهذا ما يعني أنّ الناس هم من يقررون ما هو “الغذاء الجيّد” لهم.

أمّا “متوفّر” فيعني أنّه يجب أن يكون لدى النّاس مصدر موثوق للغذاء سواء كان من خلال تغذية أنفسهم عبر العمل مباشرة في الأرض أو أن يكون لديهم إمكانية الوصول إلى الموارد الطبيعية، أو من خلال الأغذية المتوافرة للبيع في الأسواق والمحلات التجارية. ويجب على الدول أن تكفل أن يكون وصول الناس إلى سائر الموارد الطبيعية منصفاً والأسواق عادلة ومستقرّة. ويتطلّب النظام الغذائي المستقرّ التعامل مع عمّال الغذاء – في الحقول والمصانع والمطابخ والأسواق – على أنّهم أساسيّون ولا يمكن الاستغناء عنهم.

أما “متاح” فيعني أن يكون الناس دوماً قادرين على الوصول إلى  مطبخ من أجل الحصول على وجبة جيّدة. وعلى الحكومات أن توفّر البنية التحتية اللازمة لضمان أن تكون كافّة الأطعمة التي تدخل أيّ مطبخ نظيفة، مسهّلةً على الناس إطعام مجتمعاتهم المحليّة وعلى البائعين بيع الغذاء الجيّد لزبائنهم. ويعني الحق في الغذاء حقّ الناس في نظام اجتماعي يضمن لهم الوقت والموارد اللازمة لطهو الطعام في المنزل وإطعام مجتمعاتهم المحليّة من دون الاعتماد على العمالة المستغَلة. كذلك يجب أن يكون من الممكن بدنياً الحصول على الغذاء وهذا يعني أنه يجب على الحكومات ضمان أن تكون جميع النظم والمؤسّسات الغذائية شاملة للجميع، بغض النظر عن القدرات البدنية للشخص أو حالته الصحيّة أو القانونية أو ظروف سكنه.

كيف يُنفَّذ ميثاق الغذاء الوطني؟

عبر المؤسسات المحلية والوطنية والدولية

إنّ الحكومة الوطنية، في نهاية المطاف، ملزمة بإنفاذ حقوق الإنسان. فالغذاء مسألة عابرة لجميع القطاعات فهو لا يخصّ وزارة الزراعة وحدها، بل يؤثر على وزارات البيئة والتعليم والاقتصاد والعمل (على سبيل المثال وليس الحصر)، فيما تعتبَر المستويات الحكومية والمؤسّسات العامة جميعها موكلة بالوفاء بهذه الالتزامات. ونظراً لأنّ السياسة الغذائية هي من المسائل الحياتية اليومية، فيمكن بالتالي تطويرها بشكل فعّال عن طريق الهيئات المحلية والبلديات.

وتظهِر أمثلة من بلدان أخرى إمكانية أن تعمَل الحركات الاجتماعية والبلديات معاً لتشكيل مجالس غذائية محلية مهمّتها تنفيذ ميثاق الغذاء الوطني بطريقة تلبي الاحتياجات المحلية. ويكون لتلك المجالس النفوذ على أجزاء معيّنة من الريف بما في ذلك المدن والبلدات والقرى الملحقة به، ويمكنها إبرام اتفاقات المشتريات العامة. كما ويمكن لهذه المجالس أن تنقل علناً إلى الحكومة الوطنية ما تحتاجه كل منطقة من أجل الوفاء بحق كل فرد في الغذاء، وأن تخضِع الوزارات الوطنية المعنيّة للمساءلة.

لا مفرّ من أن يتلقّى لبنان بعض الدعم الخارجي للانطلاق في إعادة بناء نظامه الغذائي. إلا أنه، ولسوء الحظ، فإنّ معظم المساعدات المقدّمة إلى لبنان تعتمد على خطط من منظمات دولية غير مسؤولة أمام الشعب اللبناني. من خلال ميثاق للغذاء الوطني، يمكن للناس تجنّب مهانة التبعيّة الدولية، ويمكنهم كذلك تمكين أنفسهم للحصول على الموارد الدولية كاستحقاق لا كمساعدة أو كعمل خيري، وبالنتيجة توجيه وكالات الأمم المتحدة لاتّباع خطّة صنعَت في لبنان، على أن تشمل الحق في تطوير آليات تضمن عمل هذه المؤسسات الدولية بشفافية وتخضِعها للمساءلة.

وعلى المدى القريب، مع قيام برنامج الأغذية العالمي بتوسيع عمليّاته في لبنان، سيرغب الناس في ضمان أن يجري توزيع النقد والغذاء والخدمات على نطاق واسع ومنصِف. ويعمل برنامج الأغذية العالمي حالياً على تطوير طريقة ليخضِع نفسه للمساءلة أمام الأشخاص الذين يخدمهم، لكنه لم يكملها بعد. إلا أنه      لا يتعيّن على المجتمعات المحليّة في لبنان الانتظار، حيث      يمكنها تنظيم الحملات وبناء الآليات على أساس المبادئ الدولية لنقل المطالب المحلية إلى برنامج الأغذية العالمي ومساءلته.

أمّا الصندوق الدولي للتنمية الزراعية IFAD، وهو أحد أكبر المؤسّسات المالية الدولية العامّة، فعلى عكس صندوق النقد الدولي، هو مخصّص فقط للزراعة. لذلك يمكنه، بالاعتماد على ميثاق الغذاء الوطني، أن يساعد في تأسيس بنك زراعي إنمائي وطني لخدمة المزارعين اللبنانيين الذين يبيعون منتجاتهم للأسواق المحلية. كما ينبغي للصندوق أن يساعد في إنشاء مخزونات طويلة الأجل لتوفير الأغذية الأساسية للناس مجاناً أو بأسعار مدعومة. وعلى نطاق أضيق، يمكنه أن يموّل مشاريع الزراعة الإيكولوجية.

وفي ما يخصّ منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) فهي وكالة تنموية يمكنها بالتالي إعادة توجيه وتعزيز برامجها الموجودة أساساً في لبنان بطريقة تخدم ميثاق الغذاء الوطني وتساعد المزارعين والصيادين والرعيان في لبنان على الانتقال إلى الزراعة الإيكولوجية وتعزيز وصولهم إلى الأسواق المحلية والإقليمية. كما أنّ منظمة الفاو على استعداد لمساعدة الناس والحكومات لاعتماد المبادئ التوجيهية الآنفة الذكر واستخدامها بطريقة مناسبة محلياً.

خلاصة

 إنّ المخزي في الجوع هو إمكانية تجنبّه دائماً. فعلى مرّ التاريخ إلى اليوم، كان الجوع والمجاعة وما زالا نتاج الفشل السياسي – “البؤس المخطَّط له” – وليسا نتاج نقص موضوعي في الإمدادات أو نتيجة كارثة طبيعية. وقد خرج الناس، خلال انتفاضة أكتوبر، إلى الشوارع في لحظة نادرة ملؤها الشجاعة، يدفعهم العوَز واليأس. ومن شأن ميثاق الغذاء الوطني ألّا يغيّر النظام الغذائي في لبنان فحسب، بل أن يشكّل مصدر إلهام للآخرين ليتمتّعوا بالشجاعة لأنّه سيكون قائماً على أساس حقوق الإنسان.  

انشر المقال

متوفر من خلال:

اقتصاد وصناعة وزراعة ، البرلمان ، الحق في الصحة ، الحق في الصحة والتعليم ، جائحة كورونا ، حركات اجتماعية ، قطاع خاص ، لبنان ، مؤسسات عامة ، مجلة ، مجلة لبنان ، مقالات ، منظمات دولية ، نقابات



لتعليقاتكم