الحراك اللبناني في العيون التونسية: إلى هذا الحد تتطابق المطالب


2019-10-24    |   


فرضت الروزنامة الانتخابية ومارطون التصريح بنتائجها أن يكون التونسي طيلة أكتوبر منشغلا بشأنه المحلي منجذبا لحديث التغييرات في المشهد السياسي. تناقل في هذا الحيز الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي أخبار انتفاضة لبنان. فكان الحدث في منطلقه غريبا وعصيا عن الفهم زيادة عن كونه خارج مجال الاهتمام ولكنه انتهى سريعا ليكون عنوانا لحلم وهواجس مشتركة.

لا يستعمل التونسيون في غالبيتهم “التطبيقات” في مكالماتهم الهاتفية بما كان معه الحديث عن انتفاضة شعبية سببها اعتزام فرض ضريبة على استعمال الواتساب حديثا غريبا عنهم خصوصا وأن تاريخهم علمهم أن من ينتفض يطلب حق الحياة لا متطلبات الرفاه. إستحال الاستغراب غربة بعد تداول صور ومقاطع مصورة لسيدات تم تصويرهن وكأنهن يستعرضن جمالهن في الساحات وتم التسويق لكونهن “الحراك اللبناني”. كادت عند هذا الحد الصورة النمطية أن تحيل الحديث عن ساحات لبنان لمجال المتفرقات والنوادر في الأخبار اليومية وهو أمر لم يدم بفعل الشعارات التي ترددت فذكرت بثورة تونس في مسارها ومطالبها.

كشف ما نشره من كانوا في الساحات على صفحات التواصل الاجتماعي وما تناقلته وسائل الإعلام العالمية من رصد لتحركهم عن كون ما يطلبه المحتجون إصلاحا سياسيا يطيح بالفساد ويفرض الاعتراف بالشعب صاحب السلطة. كما بينت أن من عمّروا الساحات كان الشعب اللبناني بكل فئاته وبعيدا عن كل محاولات التصنيف الطائفي التي فرضت عليه. ذكرت صور شباب لبنان هذه متابعيها بتونس بأحداث الثورة وبروحية أيامها الأولى.

كان حديث من اجتمعوا طلبا لحق المواطنة متطابقا في مضمونه مع حديث من حرروا  شارع بورقيبة يوم 14-01-2011. وكانت خيمات الساحات التي عمرها لبنانيون، لم يعرف لهم زعيم يوالونه ولا لون سياسي يحسبون عليه، تستنسخ لحد بعيد صورة خيمات معتصمي القصبة بتونس وهم يتداولون في مستقبل الانتقال الديمقراطي ويحددون سقف آمالهم فيه ولا يقطعهم عن حلمهم إلا أغانيهم التي يهدونها للوطن. تصلح هنا الثورة التونسية بفعل أسبقيتها الزمنية أن تكون جوابا عن كل سؤال يراد منه إحباط أمل لبنان في صناعة ديمقراطيتها.

يجد التونسي فيما تم تداوله من ترديد لشعارات كان هو من ابتدعها في ساحات لبنان سببا لفخر بثورته التي بات يأمل بفعل حراك الجزائر والسودان ولبنان ألا تبقى استثناء في محيطها العربي. كما يجد في البعد الآخر من المشهد في “شعارات” الحراك اللبناني التي تتعلق بالنضال ضد فساد الساسة وظلم الجباية والحقوق الاجتماعية مطالب تخصه وتفرض عليه أن يشارك اللبناني حلمه وأمله.

تذكر ضريبة “الواتساب” في طرافتها  بمقترحات الضرائب التي ترد كل سنة في الموازنة العامة للدولة التونسية. وتستنسخ منهجية الحكومة اللبنانية في تجربتها تلك تجارب الحكومات التونسية المتعاقبة التي عوّلت في بحثها عن توازنات الموازنة العامة المثقلة بالتداين الخارجي على إجراءات تزيد في الضغط الجبائي على الأجراء ممن كانوا يشكلون ما يصطلح على تسميته بالطبقة الوسطى بما يدفعهم بنسق متسارع نحو التفقير.

لم يكتف اللبناني برفض المنوال الذي تريد السلطة فرضه عليه ومضى نحو المطالبة باسترداد أمواله التي نهبت ثم هربت خارج حدوده، ومحاربة التهرب الضريبي، وفرض جباية عادلة.

فكانت مطالبه ذات مطالب الثورة التونسية تلك المطالب التي لم تتحقق ولا زال للتونسي أمل في أن يصل لتحقيقها وقد تكون ساحات لبنان هنا محفزا له على ذلك فتتجاوز بفعل هذا الأمل انتفاضة شعب لبنان نطاق جغرافية بلدهم لتكون تعبيرا عن مطالب اجتماعية واقتصادية وسياسية تشترك فيها دول المنطقة ومنها تونس ولتعكس في المشروع الذي تبشر به منوالا تنمويا بديلا لشعوب ودول طلبته منذ أمد وعجز ساستها عن تحقيقه لها فخرجت للشارع لتكتبه وكلها أمل.

انشر المقال

متوفر من خلال:

تونس ، حراكات اجتماعية ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *