الحراك العمّالي من وردة بطرس إلى اتّحاد “إكرامه دفنه”


2021-05-11    |   

الحراك العمّالي من وردة بطرس إلى اتّحاد “إكرامه دفنه”
من فيلم شعور أكبر من الحب (2017) لـ ماري جرمانوس سابا

عاشت الحركة النقابية في لبنان تاريخاً نضالياً عريقاً، بدأ في عشرينيات القرن الماضي وخطّته دماء شهداء وجرحى سقطوا في مواجهات مع أصحاب العمل والسلطة الجائرة. وصنعه قادة واعون نجحوا في تنطيم فئة كبيرة من العمال من أطياف مختلفة. ويبقى الدور الأبرز في صناعة التاريخ لجنود تلك الحقبة من العمال الذين لم يتوانوا عن النضال لتحقيق مطالبهم، وانتزاع حقوقهم المنتهكة.

كان النبض القوي للحركة النقابية يؤتي ثماره في أغلب الأحيان، حتى في خضمّ الحرب الأهلية، وبمجرد التهديد بالإضراب أحياناً. بعد سلسلة من الاعتصامات والتظاهرات والإضرابات حقّق العمال العديد من مطالبهم، ولو منقوصة. ولعلّ أهم مكسبين أحرزتهما الحركة صدور قانون العمل في 23 أيلول 1946، وقانون الضمان الاجتماعي في 16 نيسان 1963. وكان نشاط الحراك النقابي ومكاسبه كافيين لتضعه السّلطة في بالها وتعمل على ضربه وهو ما بدأ مع الحرب الأهلية وتوّج في بداية التسعينيّات مع بعثرة العمل النقابي وتحويل الاتحاد العمّالي العام إلى جثة هامدة إكرامها يكون بدفنها.

وردة بطرس أولى شهداء الحراك النقابي

صدور قانون العمل كلّف وردة بطرس إبراهيم حياتها. ولدت وردة في أوائل عشرينيات القرن الماضي، في كنف عائلة كادحة تعمل في زراعة التبغ. منذ نعومة أظفارها، تعلّمت أنّ الحياة ليست طوع إرادتها، وأنّه لا بدّ من أن تكافح لقاء لقمة العيش. انتقلت وردة، مع عائلتها، من بلدتها المحيدثة – بكفيا إلى بيروت حيث بدأت وردة العمل في شركة إدارة التبغ والتنباك اللبنانية – الريجي وفي هي في السادسة عشر من عمرها. كانت تكدح منذ ساعات الصباح الأولى حتى المساء مقابل أجر زهيد عندما تعرّفت على الاتحاد العام لنقابات العمال في لبنان التي تأسست عام 1944 وانخرطت في صفوفها وراحت تحضر الاجتماعات، وتناقش كيفية تطوير العمل النقابي.

“سمعتُ كثيراً من رئيس اتحاد النقابات الراحل مصطفى العريس ومن النقابيين الراحلين الياس البواري والياس الهبر عن بسالة وردة وحماستها للحركة العمالية”، تقول رئيسة جمعية “مساواة- وردة بطرس”، ماري الدبس. وهذا ما دفع وردة “للعب دور أساسي ومهم” في تشكيل لجنة عمالية مع عمال وعاملات آخرين في الشركة عام 1946. وكان ذلك في بداية حراك نقابي وحملة إضرابات عمّالية توّجتا في ذلك العام بإقرار قانون العمل.

وصلت إلى مسامع وردة وزملائها وزميلاتها أخبار الحكم لصالح العامل في شركة كهرباء بيروت حسن الدرزي في 3 أيار 1946 بزيادة راتبه وبدء عمال الشركة إضراباً لتعميم الحكم عليهم[1]، فرفعوا إلى إدارة الشركة في 19 أيار من العام 1946 بجملة من المطالب، من بينها: زيادة الرواتب والتثبيت في الوظيفة. وبعد مضي أكثر شهر من الإضراب قامت خلالها الشركة بنقل وطرد عمال وعاملات من الناشطين في الحراك العمّالي، اقتحم العمال معمل الريجي ومستودعاته المركزية في منطقتي مار مخايل وفرن الشباك ومنعوا شاحنات الشركة من تحميل علب السجائر المعدة للتوزيع في الأسواق المحلية. في 29 حزيران 1946 أمر وزير الداخلية آنذاك صائب سلام الشرطة اللبنانية بفتح مستودعات الشركة بالقوّة. و”كانت وردة في الصفوف الأمامية”، كما تقول الدبس، إذ افترشت الطريق مع بعض من زملائها وزميلاتها أمام عجلات الشاحنة لمنعها من الدخول إلى مستودع الشركة في فرن الشباك. “لن تمرّ الشاحنة إلا على أجسادنا”، صاحوا. ولكن لتفريقهم، عمد رجال الشرطة إلى إطلاق النار من كل حدب وصوب. وكانت وردة في تلك اللحظات، وتحت أزيز الرصاص الذي انهمر عليها “على أهبة الاستعداد للمواجهة حتى النهاية”. وما لبثت أن حلّت ساعة النهاية، إذ أصابت إحدى الرصاصات رأس وردة وأودت بحياتها على الفور.

دفنت وردة في مقبرة في منطقة السوديكو. وأحدث مقتل هذه الشابة المناضلة هزة شعبية. إذ جرى إضراب عام استنكارا “للمجزرة” التي حصلت. استطاع عمال الريجي بعدها أن يحصلوا على عدد من مطالبهم كالزيادة في المعاش، وإعادة كلّ العمال الذين نقلوا تعسفياً من مراكزهم إلى وظائفهم السابقة، والإفراج عن كل المعتقلين. كما فجّر مقتل وردة تأييداً شعبياً ضخماً للمطلب الأساس للحركة العمالية آنذاك، وهو إقرار قانون للعمل. وبالفعل صدر القانون في 23 أيلول 1946، بعد فترة وجيزة من مقتل وردة.

يوسف العطار شهيد حراك عمّال غندور

لم يقبل العمال بقانون العمل “على علّاته”. استمرّت نضالاتهم واستطاعوا تعديل المادة 50 منه التي تسمح بأنّ يطرد ربّ العمل العامل ساعة يشاء. “وما كان كلّ العمّال في لبنان ليحصلوا على تعديل المادة 50 لولا إضراب معمل غندور ووفاة العامل يوسف العطار شاهداً على ظلم العمّال”، بحسب مسؤول تجمّع اللجان العمّالية السابق والعامل السابق في معمل غندور أحمد الديراني.

عند بوابة معمل غندور للبسكويت والحلويات في الشياح، عام 1972، قتل العامل يوسف العطار، بينما كان يناضل لانتزاع حقوقه التي انتهكها ربّ العمل آنذاك. لم يعلم ابن بلدة شعث البقاعية أن نزوحه من الريف إلى المدينة سيكلّفه حياته. سكن يوسف في “الرمل العالي” في منطقة برج البراجنة، أكثر أحزمة بيروت بؤساً وفقراً. وكانت ظروف عمله في معمل غندور قاسية ومؤلمة جداً. “فرضوا علينا أربع ساعات عمل إضافية إجبارية أنهكتنا، ولم يحترموا أيّاً من العمّال، وبخاصة العاملات. كثيراً ما تعرّضنا للشتائم والتوبيخ والإهانات. لكن الأشد قساوة كان تفتيشنا في طوابير عند مغادرتنا للمعمل للتأكّد من أنّنا لم نسرق شيئاً”، كما يقول الديراني. ظروف العمل هذه قابلتها أجور متدنّية “لا تسدّ رمق العيش”.. وهذا ما دفع يوسف للانضمام إلى تجمّع اللجان العمّالية في منظمة العمل الشيوعي.

كان يوسف كالنحلة النشيطة في الحركة العمّالية. شارك في توزيع البيانات التي تحضّرها اللجان على العمال، وفي اجتماعات اللجان ونشاطاتها. ورغم تهديد أصحاب معمل غندور بصرف العمّال الذين يشاركون في تحرّكات ضدهم، “وهذا ما حصل عام 1967 عندما صرف سبعة وثلاثون عاملاً على خلفيّة تحرّكهم المطلبي”، وفق الديراني، ظلّ يوسف على مدار سنتين يتابع نشاطات الحركة العمالية سرّاً. وبقي على هذه الحال إلى أن خرجت هذه الحركة إلى النور في أوائل تشرين الثاني 1972. وكان رفض إدارة معمل غندور تسديد زيادة الـ 5% في الأجور لغلاء المعيشة التي أقرّتها “الدولة” حينها الدافع للعمال إلى تشكيل لجنة للمطالبة بعدد من الحقوق، من بينها تصحيح الأجور، المعاملة المحترمة للعمال، ووضع حد للصرف التعسفي. عندما فشلت المفاوضات بين الطرفين في تحسين الوضع، أعلنت اللجنة ممثلة برئيسها أحمد الشعلان الإضراب في 3 تشرين الثاني عام 1972.

بعد مرور أسبوعين على الإضراب، لم تجد إدارة معمل غندور في حوزتها غير استخدام العنف “لكسر صمود العمال الذين تجمّعوا أمام فرع المعمل في الشياح”. في 11 تشرين الثاني تدخّلت قوّة من الدرك لتفرقتهم. طوّقت المعمل. وأطلقت الرصاص على المعتصمين. ظلّ يوسف في هذه الأثناء، تحت أزيز الرصاص “شجاعا وصلبا”، كما يصفه الديراني، إلى أن أصيب برصاصة في رأسه أدّت إلى مقتله. في الوقت نفسه قتلت فاطمة الخواجة برصاصة طائشة وهي على شرفة منزلها المجاور لساحة الصدام واعتبرت شهيدة الحراك العمّالي آنذاك.

لم يمرّ مقتل حسن وفاطمة مرور الكرام بل أحدث تضامناً واسعاً لعمّال من معامل أخرى وتحرّكات أبرزها اعتصام عمّال الريجي في النبطية في المبنى ثلاثة أيام والتظاهرة الحاشدة التي تلت ذلك وضمّت عمّال ومزارعين من قرى الجنوب قبل أن تفرّقها القوى الأمنية بالقوّة أيضاً ويسقط فيها المزارعان نعمة درويش وحسن الحايك شهيدين[2]. ومع أنّ عمال غندور ربحوا بعضاً من مطالبهم، كالزيادة في الرواتب والتوقف عن تفتيشهم، لكن الحركة العمالية أصيبت “بنكسة”، على حدّ قول الديراني. فبعد فك الإضراب وعودة العمال إلى عملهم تفاجأوا بصرف عدد من العمال وأعضاء اللجنة على رأسهم رئيسها أحمد الشعلان.

الاتحاد العمالي: “قائد الأوركسترا”

إلى جانب المطالبة بحقوق العمال، كان للحركة النقابية معارك لمكافحة الغلاء والاحتكار، وتحسين الأوضاع الاقتصادية والمعيشية. فلم تمرّ زيادة أسعار المحروقات من دون أن يأخذ الاتحاد العمالي العام موقفاً منها[3]. “ويذكر أن الاتحاد تأسس عام 1958، لكنه لم يكسب فعاليته حتى العام 1970، عندما انتسبت جميع الاتحادات النقابية إليه”، وفق أمين عام اتحاد نقابات الطباعة والإعلام أديب أبو حبيب.

صار الاتحاد العمالي العام “قائد الأوركسترا في الساحة اللبنانية يقود مطالب شعب بأكمله”، كما يصفه أبو حبيب. فالناس آمنوا بقدرة الاتحاد في ذلك الوقت، ما دفعهم لتلبية دعواته للتظاهر دفاعاً عن القضايا الحقوقية والاقتصادية والاجتماعية والمعيشية. “ولعل أبرزها التظاهرة الشهيرة التي انطلقت من منطقة المتحف بدعوة من المؤتمر النقابي الوطني عام 1987. قدّر عدد المشاركين فيها بـ300 ألف متظاهر، رغم تهديد الميليشيات بإطلاق النار عليهم. وكان شعار المتظاهرين موحّداً: وقف الحرب، تحرير الجنوب والبقاع الغربي من الاحتلال الاسرائيلي، بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها، والدفاع عن قضايا العمال ومطالبهم”.

الوحدة العمالية

ظلّت صورة الحركة العمالية التي “لا تُكسر” قائمة رغم قمع السلطات السياسية المتعاقبة لها. لم تتوانَ الأخيرة عن ترهيب الحركة واستخدام العنف، وتنفيذ مداهمات لمكاتب النقابات وأخذ الدفاتر والسجلات والوثائق، واعتقال ناشطين في الحركة، وحجب التراخيص عن النقابات التقدّمية، وحملات تسريح للعمال على نحو واسع وبخاصة النقابيين منهم. كل هذه الأعمال لم تثبط من عزيمة الحركة.

الوحدة العمالية كانت العمود الفقري للحركة النقابية وأساس نجاحات نضالاتها. “لم تكن الانتماءات الطائفية والمذهبية حاضرة في علاقاتنا الاجتماعية. وحدها المواطنة كانت تجمعنا، والشعور بالظلم أمام عجز الدولة عن إيجاد حلول لمشاكلنا الاقتصادية والمعيشية”، كما يقول الديراني. ظلّت هذه الحركة موحّدة حتى في خضم الانقسام الطائفي الحاد والاقتتال الشعبي خلال الأحداث الدموية في الحرب الأهلية. يقول أبو حبيب: “بصفتنا نقابيين اتفقنا: شيوعيون اشتراكييون، كتائب… كلّ الأطراف أن نُبقي خلافاتنا السياسية خارج الاتحاد العمالي العام، وندخل لبحث قضايانا العمالية في الداخل”. ويؤكد أبو حبيب فعالية الاتحاد في أوج الحرب الأهلية ضارباً مثلاً على ذلك: “تصحيح الأجور عشر مرات خلال الحرب، ومرتين في السنة الواحدة في بعض الأحيان”.

“بداية النهاية”

كانت فترة ما بعد الطائف 1989 بداية النهاية للحركة العمالية الناشطة. “طرحوا في الحرب ضرب الحركة النقابية، ونجحوا في ذلك”، تقول ماري الدبس. ويذهب أبو حبيب أبعد من ذلك ليعيد اندلاع الحرب الأهلية إلى خوف الأنظمة العربية من النمو الديمقراطي وحرية الرأي والتعبير التي سادت في المجتمع اللبناني. “لم يرد للبنان أن يكون أنموذجاً للمنطقة، وليس من قبيل الصدف أن تستهدف هذه الحرب بالدرجة الأولى الجامعة اللبنانية والمؤسسات النقابية، وعلى رأسها الاتحاد”.

حاول الاتحاد العمالي العام جاهداً أن يواصل مسيرته النضالية. لكنه لم يصمد كثيراً. وتحوّل من جسم متكامل ينضح بالعزيمة والصلابة إلى جثة مهترئة تفوح منها رائحة الطائفية والمذهبية والمناطقية. يشرح أبو حبيب تفاصيل إضعاف الاتحاد وتفكيكه: “قامت السلطة بضرب الاتحاد في الأساس عن طريق هيكلية نقابية ست وثلاثون مادة من موادها الست وتسعين تعطي الصلاحية بالتدخّل في شؤون النقابات. ولأنّ هذا ينافي ما نصّت عليه الاتفاقيات الدولية لجهة حرية التنظيم النقابي وعدم تدخّل الدولة في شؤون النقابات، رفضنا هذه الهيكلية. لكن وزير العمل آنذاك (1992) عبد الله الأمين قال حرفياً: سأخلق نقابات واتحادات لكلّ الطوائف والأحزاب”. وفعلاً بدأ “تفقيس” نقابات إلى أن “وصل عددها إلى 625 نقابة بعد أن كان 250 وسط الحرب. كذلك ازداد عدد الاتحادات النقابية من 23 إلى 62″، وفق أبو حبيب. استمرّت قوى السلطة في سياسة بعثرة العمل النقابي، “فعمدت، خلافاً للقوانين، إلى منح تراخيص لاتحادات نقابية وهمية للإمساك بالقرار النقابي واستبعاد القوى العمّالية الفاعلة، ونجحت في تفريغ النقابات وإفقاد الاتحاد القدرة على قيادة الحركة المطلبية”.

إكرام الاتحاد دفنه

الاتحاد العمالي العام اليوم ضعيف التمثيل للعمّال وذو تركيبة حزبية ومذهبية تفتقر إلى أبسط شروط الديمقراطية والاستقلالية، وفعاليته شبه معدومة بما يتعلّق بالتأثير في السياسات العامّة الاقتصادية والاجتماعية.

وإلى جانب تجاهله قضايا العمال، صار الاتحاد مؤذياً إلى حدّ التحالف مع أصحاب العمل في وجه العمال. والجدير بالذكر “وقوفه ضد وزير العمل السابق شربل نحاس عام 2011 عندما طرح تصحيح الأجور، وتحديد حد أدنى للأجور أدنى من الاقتراح الذي حاول نحاس تمريره”، بحسب الديراني.

لذلك فإنّ “إكرام الاتحاد دفنه”، بحسب الديراني. وهذا ما سيطرحه المرصد اللبناني لحقوق العمال والموظفين من خلال مشروع “سحب الشرعية عن الاتحاد والدعوة إلى تأسيس نقابات فعّالة بديلة”، بحسب الديراني الذي هو المدير التنفيذي للمرصد والذي يسأل، أمام واقع الاتحاد هذا: “ما الذي يمنع العمال من النضال المطلبي من دون وجود نقابة تحرّكهم؟ ألا يمكن للعمّال أن يجمعوا على مطالب محدّدة وينظموا بعضهم بعضاً ويقوموا بالتحرّك في وجه أصحاب العمل؟”. من المؤسف أن تكون الانتماءات الطائفية والسياسية هي التي تقيّد العمّال وتمنع قيام أي تحرّك مطلبي يجمعهم.

العمال اليوم أمام تحديات بنيوية لاستعادة تاريخم النضالي، خصوصاً في ظلّ أزمة اقتصادية غير مسبوقة يرزح تحتها لبنان سحقت حقوق العمال بالدرجة الأولى. فالمؤسّسات الاقتصادية بعضها أغلقت أبوابها وصرفت عمالها، وبعضها الآخر على شفير الانهيار توقفت عن تسديد معاشات موظفيها أو اقتطعت منها. وانتشر وباء كورونا ما أعطى ذريعة لأصحاب العمال لصرف العمال أو اقتطاع رواتبهم في فترة الحجر المنزلي. وتفشت البطالة بشكل مخيف في معظم القطاعات. وفقدت الأجور قيمتها بعد أن سحقها سعر الصرف مقابل الدولار الأميركي وتضخم الأسعار.

قانون العمل: “ملغوم”

صحيح أنّ قانون العمل هو مرجعية العمّال للمطالبة بحقوقهم، لكنّه “كان ولا يزال ملغوماً”، بحسب الدبس التي تسلّط الضوء على حقوق المرأة التي كان قد أغفلها هذا القانون حين إقراره، كمنع صرف المرأة الحامل من عملها، إعطائها إجازة الأمومة، ومساواتها بالرجل في الأجر. “ومع أنّه تم تعديل القانون [لاحقاً] بما يمنحها بعض الحقوق المذكورة، بعد تحرّكات عدّة للمرأة العاملة…”، يبقى أن هناك أمور عديدة لا تزال بحاجة إلى تعديل أو تحديث في القانون لحماية الأجيرة بشكل فعّال (كإدراج مواد خاصة بالتحرّش داخل مكان العمل على ضوء قانون التحرّش الجديد، وضع آلية لضمان تطبيق المسواة في الأجر بين الرجل والمرأة، إلغاء المادة 7 منه التي تستثني العاملات في الخدمة المنزلية من أحكامه إلخ.).

فضلاً عن ذلك، فهناك عقبة أساسية وضعها قانون العمل في وجه إنشاء نقابات عمّالية مستقلة وهي وجوب نيل ترخيص من وزير العمل لإنشاء نقابة في لبنان. “فوجوب الحصول على ترخيص من وزير أو وزيرة العمل لإنشاء نقابة يعيق بنيوياً مفهوم النقابة العمّالية المستقلة. فهذه الآلية قد تؤدي (وأدت عملياً في الماضي) إلى ربط إنشاء أي نقابة بإرادة واستنسابية شخص الوزير، فإما يُرفض إعطاء الترخيص دون وجوب إعطاء مبررات قانونية وإمّا – وهذا ما حصل في بعض الحالات – يتم تسريب أسماء المؤسسين إلى صاحب العمل، فيذهب هذا الأخير لي صرف هؤلاء قبل حصولهم على الصفة النقابية وتالياً الحماية القانونية في هذا الإطار”، بحسب المحامي كريم نمّور من “المفكرة القانونية”. المطلوب إذاً اليوم هو “إلغاء شرط الترخيص المسبق ووضع آلية لإنشاء النقابات على أساس علم وخبر أسوة بإنشاء الجمعيات في لبنان، وهذا ما نصت عليه اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 87، والتي لم يوقع لبنان عليها حتى الساعة”.

كثيرة هي الثغرات في قانون العمل[4] التي تحتاج إلى معالجة لحماية العمال في زمن الانهيار الاقتصادي. يذكر نمّور من بينها إشكالية تطبيق المادة 50 منه في ما يخص الدعاوى المتعلقة بالصرف التعسّفي التي تحدّد مهلة ضيقة جداً على الأجير للذهاب إلى مجلس العمل التحكيمي المختص في حال صرفه من العمل (شهر واحد)، وتضع سقوف للتعويضات التي يحق للأجير المطالبة بها (12 شهراً) إلخ. “يجب تمديد مهلة الشهر المتاحة للأجير المصروف ليقدم دعوى أمام مجالس العمل التحكيمية. كما يجب إعادة النظر في المادة 50 الفقرة “واو” التي تجيز الصرف لأسباب اقتصادية وتطويرها بشكل تفرض على أصحاب العمل إبراز المستندات اللازمة للتأكد من أنهم في حالة عسر تبرر الصرف، وتالياً توسيع دور وزارة العمل في هذا الإطار وفرض توفّر تصديقها على الصرف ومصداقية مزاعم صاحب العمل قبل بدء عملية تنفيذ الصرف”.

اليوم أمام أزمة اقتصادية خانقة، لا نستطيع التعويل فقط على وزارة العمل وعلى المحاكم لحماية العمال، “فطاقات وزارة العمل و مجالس العمل التحكيمية محدودة جدا”، وفق نمّور. “بل يقتضي على الدولة – بكافة أجهزتها – أن تتحرّك لوضع خطة طوارئ في هذا المجال، وعلى المشرّع أن يتحرّك لتطوير قوانين العمل لتكييفها مع حجم الكارثة الإجتماعية – فضلاً عن التفكير في زيادة عدد مجالس العمل التحكيمية مثلاً أو ربما إلغائها ونقل صلاحيتها إلى القضاة المنفردين المدنين نظراً للعدد الأكبر وتوزيعهم الجغرافي على كافة الأراضي اللبنانيةعلى صعيد الأقضية وليس المحافظات، عكس مجالس العمل التحكيمية”. فقد أثبتت دراسة[5] “للمفكرة القانونية” عام 2019 عن أحكام مجالس العمل التحكيمية لعام 2018 أن شحّ عدد هذه المجالس وزيادة الضغط عليها يؤديان إلى تحقيق عدالة بطيئة. ويضيف نمّور: “لا بد أيضاً من تدخل الدولة لدعم وزارة العمل بما يسمح لها بتأدية واجباتها، كما وتفعيل المؤسسة الوطنية للاستخدام التي ترقد في غيبوبة لخلق فرص عمل جديدة…

 

  1. لمى كرامة، النقابات والقضاء في معركة قانون العمل 1946 حين بدا القانون سلاحا في ايادي القوى العاملة، المفكرة القانونية، 26-1-2012.
  2. شهادة ميدانية للسيد هاني فحص عن انتفاضة التبغ في خريف 1972 نشرت في النهار في 31-8-2018.
  3. البواري، الياس. تاريخ الحركة العمالية والنقابية في لبنان؛ 1971 – 1980. الجزء الثالث. بيروت: دار الفارابي، 1987؛ ص. 515
  4. أين ربيع العمّال في زمن الانهيار؟، كريم نمّور، المفكرة القانونية، 1-5-2020.
  5. نشاط مجالس العمل التحكيمية في محافظتي بيروت وجبل لبنان 2018 (7): كيف قاربت المجالس تبرير أصحاب العمل للصرف؟ أحكام رائدة حول ضوابط الصرف لأسباب اقتصادية، ميريم مهنّا وحلا نجّار، المفكرة القانونية، 27-8-2019.
انشر المقال

متوفر من خلال:

اقتصاد وصناعة وزراعة ، انتفاضة 17 تشرين ، تحقيقات ، حركات اجتماعية ، حقوق العمال والنقابات ، عمل ونقابات ، فئات مهمشة ، لبنان