الجنوبيون في رأس السنة: لا عيد خارج الدار وغزة منكوبة


2024-01-03    |   

الجنوبيون في رأس السنة: لا عيد خارج الدار وغزة منكوبة

عادة ما كان الجنوبيون يبدأون إحياء ليلة رأس السنة مع هبوط ليلهم. يخرج الأطفال والمراهقون إلى شوارع قراهم وبلداتهم وتبدأ أصوات المفرقعات وأضواؤها ترتفع نحو السماء معلنة أوان البهجة السنوية المعتادة، فيما ينشغل الأهالي في تحضير الموائد. فرأس السنة مناسبة عائلية مقدّسة تجتمع فيها الأسر، تعود بالمغتربين والنازحين إلى الحضن الأساس ليجتمعوا حول الأهل، الجذر، يودّعون عامًا ويستقبلون آخر بالتمنّيات والعناق. 

لكن عيد رأس هذا العام لم يحلّ عاديًا على أهل الشريط الحدودي ولا حتى على سائر الجنوب المتاخم لفلسطين المنكوبة هذا العام بحرب الإبادة الجماعية والتطهير العرقي التي تشنها إسرائيل على غزة منذ 7 تشرين الأول ومعها الضفة وجزء كبير من جنوب لبنان. كانت أصوات القصف وأخبار غزة ومشاهد الإجرام المستمر حاضرة وطاغية على ما عداها، فكيف للأطفال أن يطلقوا مفرقعاتهم؟ 

بقيت القرى التي شهدت نزوح عشرات الآلاف من أهلها في انتظار فرج غزة وعودة عيدها، هي التي أبت إلّا أن تشاركها المصاب، بينما حاولت بعض العائلات النازحة تعويض أطفالها بما تيسّر من بهجة عيد غلب حزنه فرحه.   

وفي الجنوب اللبناني، حيث تتوالى الغارات فتُنعى الأرواح ويُشيّع الشهداء، لم يعلن الناس عيدًا في الميلاد ورأس السنة، بينما كانت عقارب الساعة تتقدّم ببطء نحو منتصف الليل، ليعيش الناس المناسبة كلّ كما يشأ. فلا الفرح محرّم، ولا الحداد مُعلن، لكن شبح الحرب المخيّم فوق المدن والقرى جعل الهواء ثقيلًا مسمومًا، محمّلا بطنين طائرات الاستطلاع والمسيّرات الإسرائيلية التي لم تغادر، ليلة أخرى، سماء الجنوب.

والعيد في الجنوب اللبناني، وتحديدًا رأس السنة، لطالما كان عيدًا بتقاليد خاصّة. يروي كبار السن في عين بعال (قضاء صور) مثلًا أنّهم، ومنذ طفولتهم، كانوا يقيمون للمناسبة وزنًا استثنائيًا، فتجتمع الأسر حول عشاء عائلي كبير، يرتدي فيه الجنوبيون الملون من ملابسهم والمزركش، تليه سهرات سمر وضحك داخل البيوت وفي الساحات. وإذا ما انتصف الليل، يعلو التصفيق وتبادل الصغار والكبار التهاني والتمنّيات لعام جديد. فيما كان كثيرون من الشبان والشابات يقيمون حفلات رقص وغناء ودبكة على الأسطح وفي الشوارع مما يحبونه من تراثهم ومن بعض الرائج. وكما في عين بعال، كانت سائر قرى الجنوب تحتفل برأس السنة بأساليب تتشابه وتتفاوت، وهي احتفالات تطوّرت وتبدّلت لكنها ظلّت تقام كلّ عام. “المفكرة القانونية” أمضت هذه الليلة مع الجنوبيين في مراكز النزوح وفي بعض القرى على تخوم معاناة ظنّوا أنّهم نسوها منذ أن دحروا المحتل الإسرائيلي في العام 2000 واستعادوا كلّ أعيادهم وأرضهم وحياتهم، لكن أحدًا منهم لم يتوقع أن يطيح العدوان الإسرائيلي بفرحة استقبال عام جديد، كما حصل في هذا العيد.

أطفال ينتظرون بابا نويل لم يأت

في مهنيّة صور الرسميّة أحد مراكز استقبال النازحين، ليلًا، تصلك الإجابة على سؤال العيد حتى قبل أن تطرحه: “لا أعياد للنازحين هنا”. تحت شجرة في ساحة المهنيّة، أمّ وطفلها، ونار كلّما خمدت دُعّمت ببعض الأغصان المتروكة، يستجديان عبرها دفئًا يغيب عن غرف نزوحهم في هذه الليالي الباردة. فلا تدفئة في الغرف ولا حتى سجّادة تقيهم صقيع البلاط. وحدها بعض الفرش الإسفنجية بسماكة لا تتجاوز 5 سنتيمترات، عليها أن تواجه أبرد مرحلة صقيع الشتاء.  يأتيك حسن (9 سنوات) ليخبرك أنّه ينتظر بابا نويل الذي لم يأت بعد، رغم وعود متكررة منذ ليلة الميلاد بأنّ رمز الميلاد لن يغيب عنهم كما اعتادوا في بيوتهم. وعود يصدقها الأطفال لكنها لم تَصدُق معهم. وحسن متحمّس لرأس السنة: “ما رح فوت ع أوضتي قبل ما تصير الساعة 12:00”. تسأله عن السبب، ليجيب: “لأن رح نصير بـ 2024، ومنرجع ع بيتنا وع المدرسة وع ألعابنا”، أمل بناه حسن وبات يصرّ عليه اليوم، فيما العودة معلّقة على وقف نيران العدوان. 

داخل المهنيّة، تجمّع بعض النازحين حول “صوبا حطب”، كما يسمّي أهالي القرى المدفأة، رُكّبت حديثًا في موقف السيارات الخلفي للمدرسة. أسر وأفراد، يتحلّقون حولها ويستغلّون نارها لشيّ بعض قطع الدجاج المعدودة، عبرها يحاولون تعويض موائد رأس السنة في بيوتهم وقراهم. والأطفال هنا سعيدون بـ “الجَمعة” فيركض طفل إلى داخل المدرسة مناديًا أهله للانضمام إلى “سهرة العيد”، فيبتسم النازحون لبراءته، فيما تقول حاجّة “أيّ عيد يا ابني، فش عيد برا بلادنا، ونحن عم نزفّ شهداء”. و”بلدنا” تعني بلغة أهل الجنوب القرية. تسكت الحاجّة قليلًا ثم تقول “يا ويلي على غزة ويا ويلي علينا”.

  “كان عنا رأس السنة ومولد النبي ومولد الإمام علي نحتفل فيهن متل العيد الصغير والكبير (عيدا الفطر والأضحى)” ، تقول فاطمة خليل بينما تصرّ على دعوتنا إلى غرفة عائلتها “لنقوم بالواجب”. وهي تنهمك في تلقيم القهوة تحاول أن تعتذر عن عدم استقبالنا بما يليق بالعيد بطريقة غير مباشرة: “ب راميا (قريتها) نحن منذبح خواريف ومنمدّ طاولة هاك الطول (موائد كبيرة)”، ثم تستفيض في ذكر أصناف الطعام الشهي الذي تعمر به هذه الموائد، ثم تكمل: “وبعد العشاء منجيب كذا قالب كاتو ومنشوي كستناء”.

 تحنّ فاطمة إلى راميا وسهراتها، فيما تدخل جارتها نوال على الخط، لتخبر عن “جمال عيتا الشعب وحياة عيتا ليلة العيد”. تؤكد نوال أنّ عيتا الشعب، بصفتها بلدة كبيرة وسوق كل المنطقة حتى أنها تخطف من بنت جبيل عاصمة القضاء الزبائن، كانت محجّة أهالي القرى المجاورة للتبضّع وجلب الطعام والحلوى “فتضج الضيعة بالزوار وتنبض بالناس”. تنتبه السيّدتان إلى انزلاقهما العفوي نحو المقارنة بين القرى، فتضحكان، لتدخل الحاجّة زينب بلطافة حضورها، وحكمة سنينها: “كل بلادنا خير وعز وبركة”.

قرى الجنوب تدخل العام بخجل

في العيد، كان وجه القرى الحدودية غير وجهها المعتاد وهي تستقبل العام الجديد، حيث أنّ نحو 70 إلى 100 ألف من أهلها، من الناقورة إلى العرقوب، نازحون، تغيب مؤسّسات الدولة ليس عن إحصاء أعدادهم بدقة فحسب بل عن نجدتهم في محنتهم. وهناك تلاشى بهجة السهرات وضحكاتها ليعلو رعد القذائف، من رأس الناقورة غربًا، مرورًا بعلما الشعب ومروحين وعيتا الشعب ورامية ومارون الراس، وصولًا إلى عيترون. خلت المنازل إلّا من بعض الأسر على طول الطريق من عيترون نحو بليدا وميس الجبل وحولا ومركبا والعديسة، وصولًا إلى كفركلا حيث بوابة فاطمة التي قصفها المحتل الإسرائيلي المتمركز على تخومها يوم العيد. وينسحب النزوح أيضًا على الغجر وشبعا في أقصى الشرق، قرى حدودية تعاني اليوم من ثقل وطأة الاستهداف الإسرائيلي، بمختلف أنواع الأسلحة الثقيلة من دون تمييز، حيث تتوالى جرائم الحرب من استهداف المدنيين وأرزاقهم، كما الأرض بكلّ مقدّراتها الحيوية والمنازل. 

وفي عين إبل، حيث تعتبر نسبة الأهالي الذين لم يغادروها أقل من جاراتها القرى الأخرى، فـ “الفرح لم يدخل القلوب” كما تقول جويل اللوس، التي تحكي عن ليالي قلق تقضيها الأسر مع صوت القصف وهدير الطائرات. تسأل جويل وهي تحدث جارتها: “أي عيد وصور المجازر تملأ صفحاتنا من الجنوب إلى غزة”. ولمناسبة العيد، عادت أسر عدة من بيروت ومناطق نزوح أخرى إلى رميش وعين إبل خلال فترة الميلاد، لتقضي الليلة ذات الخصوصية الدينية قرب كنائسها وبيوتها، وبعضها لا يزال هناك، فيما غادر آخرون مع بزوغ شمس أول أيام العام الجديد.

وإذ غادر معظم السكان قراهم المواجهة للمواقع العسكرية الإسرائيلية على الحدود مباشرة، فيما تتفاوت نسب النزوح في القرى التي تقع خلفها، أو ما يعرف بقرى الخط الثاني، تبقى أي محاولة للعودة رهينة مدى وحشية القصف الإسرائيلي، واقترابه من التجمّعات السكنية. وهذا الأمر ينسحب على قرى الخط الثالث مثل ياطر وزبقين وكفرا على الطريق العام من صور إلى بنت جبيل التي تعرّضت للعدوان قبل العيد بثلاثة أيام واستشهد ثلاثة من أبنائها، وهي كانت بمنأى عنه حتى تلك اللحظة. 

في جبال البطم، عادت أسرة روان مهنا إلى القرية يوم 31 كانون الأول، مع هدوء نسبي شهدته وكان قد سبقه أسبوع ملتهب بالغارات. فضّلت الأسرة أن تستقبل العام الجديد في منزلها. تمكّنت روان، ابنة العائلة، أن تتمشى في شوارع قريتها، التي عادت إليها الكثير من الأسر الأخرى، سواء النازحة، أو التي تقيم أصلًا في بيروت. “جو القرية يوحي بالاحتفال بالمناسبة”، تقول، “لكن كفرا القريبة كانت صامتة مثلًا، ومعظم بيوتها فارغة، لأنّ القصف هناك لم يهدأ” تضيف ببعض الغصّة. لهذه العودة رمزية نظرًا لتاريخ دوام استهداف إسرائيل لجبال البطم، سواء في هذا العدوان أو في كلّ اعتداءاتها السابقة، فهي من المناطق المصنّفة حمراء في مسيرة العدوان.

وفي بنت جبيل، التي استهدفتها إسرائيل بعدوانها مع أحيائها السكنية مؤخرًا، وسقط فيها شهداء وجرحى في منازلهم، تتواصل حركة النزوح. هناك يسأل رضوان شامي عن “منطقية” الاحتفال أو حتى إحياء العادات السنوية فيما لا تزال أسرته ترتّب أغراضها في منزل نزوحها الجديد، بعد 3 أشهر من الصمود في المدينة، مركز القضاء. وصلت أسرة شامي يوم 30 كانون الأول إلى قرية عين بعال، بعد أن اقتربت الغارات كثيرًا من منزلها في بنت جبيل، فيما رفضت فاطمة شامي مع زوجها المغادرة وقد حرمتها التطورات العسكرية فرحة اجتماع العائلة التي تشتت بين بيوت النزوح إلى مناطق عدة. نزوح جعل من أحياء في بنت جبيل موحشة ليلة العيد: “عشاء رأس السنة غائب هذه الليلة، بسبب تشتت الأسر، ونحن أصلًا محزونون على استشهاد ابن أخي قبل أيام”، تخبرنا الحاجّة، ثم تردف وهي تحاول رفع صوتها كي يطغى على صوت القصف المتقطع على المدينة الحدودية: “قد يفضل البعض التوجّه إلى بيت أخي لمواساته، لكن لا عيد ونحن بهالأحوال”. وفي الجنوب مئات الأسر التي فُجعت بفرد منها منذ بدء العدوان، وهي جميعها لم تحتفل ببداية عام جديد، منهمكة بتوديع الراحلين. 

وفي صور، أكثر مدن الجنوب صخبًا في العادة، ألغيت الاحتفالات، وجمّدت المطاعم والمقاهي برامجها السنوية. وإلى كورنيشها الجنوبي، حضر كثيرون من أبناء القرى المجاورة، ومعهم نازحون، ومغتربون أرادوا أن يقضوا فرصة الأعياد مع أهاليهم. في الشارع شبان من أبناء مخيّمات صور المجاورة، لاسيما البص والرشيدية، اجتمعوا كلهم هنا، فكانت زحمة ناس ولكن من دون أعياد. بين الفينة والأخرى تجد من يقف قبالة البحر، ويشير نحو الناقورة، وبعض ما قد تراه العين من فلسطين، يراقبون سقوط قنبلة مضيئة، أو يحاولون تتبّع صدى غارة سُمع صوتها من بعيد. ولكن ما أن حلّ منتصف الليل حتى انفضّ الجمع، وتفرّق الناس، في صورة تختصرها أسيل فرّان: “عجقة عيد بلا عيد، ومع كلّ المجازر، العالم مشتاقة تحسّ بشي، أي شي”.

عن افتقاد البيت والأرض في أيام الاحتفالات

على درب النزوح، يتلاشى الاحتفال ليس بسبب سقوط شهداء وجرحى ومنازل، بل كذلك لفقداء دفء المنازل وتعطُّل حياة ناسها، حيث فُرِضَ على الناس ترك مساحاتهم العزيزة على قلوبهم والتكيّف مع واقعٍ جديد، صعب ومرّ. يُفتقد البيت الذي كان يمثل محور الترابط الاجتماعي والثقافي، ويبقى بيت النزوح بيتًا مؤقتًا، يتصارع الإنسان مع صقيع الطقس وصقيع الاغتراب فيه، بدل أن يكون مصدر دفئه وسكينته. ومع تشتّت الأسر في بيوت عدة، وتجمّع أسر عدة في بيت واحد، يضيع التماسك الاجتماعي ويتحوّل الاحتفال إلى عبء يُثقل أكتاف النازحين. بيت القرية الأصلي هنا لم يعد يمثل فقط مأوىً جسديًا، بل يشير إلى مصدر للاستقرار النفسي والجسدي له تاريخ وهوية.

وللجنوبيين حكايا خاصة مع بيوتهم. ريّاسة، مثلًا، التي نزحت من بيت ليف إلى تبنين، حرصت، وهي تغادر منزلها مع أمها على التقاط صور لكلّ زاوية منه، ثم صورة أخيرة للمنزل من السيارة حين المغادرة. صمدت أسرة ريّاسة شهرين في بيتها، مع نزوح متقطّع كانت تليه في كلّ مرة عودة، قبل أن يجبرها استهداف الأحياء الداخلية للقرى على النزوح نهائيًا نحو تبنين. تقول ريّاسة: “كل ما نضهر من البيت ماما بتصوّره وبتصور كل التفاصيل، عشان بحال اتدمّر بيتنا نضلّ نتذكر كيف كان”. وتضيف: “كنا نوقف بغرفنا نتأمل أغراضنا والزرّيعة وحتى المصطبة”. وفي البيت، ورغم القصف القريب، والخطر المحدق، احتفلت أسرة ريّاسة بعيد ميلاد شقيقتها بما تيسّر: “ماما عملتلها كيك بالبيت”، أمر كان ممكنًا لأنّ الأسرة في منزلها، فيما تعزف اليوم عن الاحتفال، فيكون اليوم الأول من العام الجديد، هو مجرّد يوم آخر في أيام النزوح القسري ومعه العدوان.

بالمثل، تقول الحاجة فاطمة كوراني، التي نزحت إلى بيت ابنها في منطقة الحوش، إنّها لا تعرف الاحتفال ولا تعرف حتى الأكل والشرب بعيدًا عن دارها، والحاجّة الجنوبية التي اعتادت أن تأكل ممّا تزرع، حاولت الوقوف أمام المجلى لتحضير صحن تبولة تأكله مع زوجها في منزل النزوح: “رائحة الخضار مختلفة هنا، لا تشبه رائحة الخضرا بجنينتي، وما كبست نفسي عليه، فعزفت عن المشروع”. وكانت موائد رأس السنة في بيت الحاجّة أم حسين في ياطر، تزدان باللحوم والسلطات، وكلّها بلدية، وبهذا المعنى، فإنّ حتى الطعام يصبح خارج دارها وأرضها “غير بلدي، بلا طعم ولا رائحة”. بالمثل تقول الحاجة أم محمد النازحة من الضهيرة إن لحم موائد الضهيرة من مزارعها، أما اللحم في مدينة صور، فهو “غير لحم، نأكله لنسدّ الجوع، لكنه غير مناسب للجمعات العائلية، لأنّ طعمه بالتمّ مختلف، ما نكذب على حالنا”.

بدورها تشرح زينب، المعلمة التي تبكي تلاميذًا سابقين لها قضوا في الغارة الإسرائيلية على بنت جبيل، هم العروسان إبراهيم وشروق بزي، وعلي شقيق إبراهيم، أنّها من منزل نزوحها، لم تستطع الخروج ورؤية أضواء العيد: “فالاحتفال هو أن تنهض في منزلك، أن تفتح خزانتك وأن تنتقي من خزانتك ملابس تتأنق بها، وأن تغادر منزلك فتمر على جنينتك وتتصور قرب وردة زرعتها بنفسك، وخارج هذا الفضاء المادي، لا عيد ولا احتفال”. 

وأمنيات للنازحين في العام الجديد

في مهنيّة صور، وحول الصوبا نفسها، تقترب الساعة من الـ12:00 ليلًا، تنقطع الكهرباء عن النازحين في مراكز الإيواء، الذين تردّت أحوالهم منذ التحقيق الأخير لـ “المفكرة”. فلم تعد تزورهم الكهرباء أكثر من 6 ساعات في اليوم، تكون بعد الـ5:00 مساء، مع الإهمال الفاضح لشؤونهم من قبل مؤسسات الدولة وحكومتها، إذ تغيب التقديمات وتُترك أمورهم للجمعيات غير الحكومية. هناك يقترب الأولاد  من أمهاتهم، يستجدون دفئًا من أحضانهنّ، فيما تزداد صرخة الحاجة نوال سرور غضبًا، لتسأل باستنكار: “وين الدولة عن هالأولاد وعنا، مش أولاد هالبلد وأولاد لبنان نحن؟!”. 

يدخل الأهالي هنا العام الجديد، نازحين حزانى على من فقدوا وعلى بيوتهم وأرزاقهم. وهم، وإن غابت مظاهر الاحتفال، وتراجعت الفرحة حياءً أمام الحداد الكبير من غزة حتى تلال الجنوب وقراه، كان لهم أمنيات. فتضع زهراء، ابنة عيتا الشعب ذات السنوات الـ14، أمنيات ثلاثة للعام الجديد: “تنتصر غزة، نرجع ع بيتنا، ويصير أمان لكل العالم”، بدورها تقول نوال سرور: “أمنيتنا نرجع ع بلادنا، نرجع عزيزين ومنصورين”، وتعريف العودة العزيزة هنا لا يحتاج إلى مدارس عسكرية، فهو للحاجة الجنوبية: “أن تنكفئ إسرائيل عنّا وأن تبقى أرضنا عليها محرمة”.

انشر المقال

متوفر من خلال:

تحقيقات ، الحق في الحياة ، لبنان ، مقالات



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية