الجديد في قضية ناشطي نسوية ضد نديم الجميل: لا وساطة ولا تسوية ولا للقضاء الفاسد وحملة لاسترجاع قصور العدل


2013-07-01    |   

الجديد في قضية ناشطي نسوية ضد نديم الجميل: لا وساطة ولا تسوية ولا للقضاء الفاسد وحملة لاسترجاع قصور العدل

قد يتساءل المراقبون عن الجديد في قضية نسوية ضد نديم الجميل: فبالطبع، ليس جديدا أن ينتهك مرافقو نائب القانون وأن يقلبوا بعد فعلتهم الحقائق، فيتحول المعتدى عليه الى معتد والعكس صحيح. وليس جديدا أن تنحاز النيابة العامة في هذه القضية تماما الى النائب الجميل، فتتبنى أقواله رغم ضعفها وصعوبة تصديقها، وتهمل أقوال الناشطين مهما كانت مدعومة بالصور والوثائق وبشهادات عناصر الأمن أنفسهم؛ فقد اعتادت النيابات العامة للأسف تلقي الاتصالات من كل ذي نفوذ والاصطفاف الى جانبهم بدرجة أو بأخرى في ظل تسييس شبه علني لهذه الوظائف والمناصب. الجديد يكمن في أمور أربعة:
الأول، أن الشباب الموقوفون والمتضامنون معهم رفضوا بالإجماع ومن دون أي تردد أي توسط لدى القضاء للإفراج عنهم من أي نوع كان. فخلافا لما هو مألوف في حالات التوقيف، لم يتصل أي منهم أو صحبهم أو المتضامنين معهم بأي من الوزراء أو النواب أو أي من أصحاب النفوذ للتدخل لدى القاضي أو لدى من يعلوه درجة، انما أصروا على خوض معركتهم الاحتجاجية ضد الظلم بمبدئية عالية مع المراهنة حصرا على قوة التضامن فيما بينهم. وهم بذلك، نقضوا ممارسة بشعة مفادها جر المواطنين الى التواطؤ مع النافذين الذين اعتادوا التدخل في أعمال القضاء لوقف آثار فساده أو تجنبها مع ما يستتبع ذلك من رضوخ لثقافة التدخل في القضاء التي هي أساس الفساد القضائي والفساد بشكل عام. وبذلك حافظوا على معركة نظيفة من حيث مبدئيتها على نحو يخولهم المضي قدما في اتجاه الإصرار على محاسبة الجهة المتنفذة ومعها القاضي المتورط معها،  
الثاني، أن هؤلاء الشباب رفضوا علاوة على ذلك أي حل حبي مع الجهة المتنفذة، فرفضوا التجاوب مع اتصالات مختلفة وردت من وسطاء سعوا الى الاستفادة من توقيف الشبان ظلما للحصول على تنازلات منهم، ونقضوا بذلك توجها آخر لا يقل سوءا عما سبق، مفاده استفادة النافذين من بطء القضاء أو تواطئه لتجريد المواطن من حقوقه وشكاويه. وقد بلغ رفضهم للتسوية أوجه من خلال قطع احدى الناشطات نضال أيوب بواسطة جسدها الطريق أمام سيارة أحد المرافقين المعتدين احتجاجا على تركه مع إبقاء رفاقها المعتدى عليهم قيد الاحتجاز، فأصيبت بأضرار بليغة استدعت نقلها الى المستشفى. وهذا الموقف يظهر بوضوح إصرار هؤلاء على مواصلة كفاحهم المبدئي حتى النهاية. وتبعا لهذه المثابرة والاصرار، نجح هؤلاء في تحويل قضيتهم الخاصة الى قضية عامة تستثير الرأي العام وتلفته الى مكامن الخلل العديدة وتأذن بإصلاحات معينة. فلم يعد توقيف الشبان مدعاة لوساطات يؤدي فيها المواطن دور المستضعف الذي ينشد الحماية ويؤدي فيها النافذ دور حامي الحمى وصاحب السماحة، بل بات مجموعة من علامات استفهام كبرى في مواجهة علاقات الهيمنة هذه إيذانا بنقضها. وهكذا شعرت الجهة المعتدية أن كل لحظة إضافية من التوقيف باتت تحسب عليها وليس لها، وأن مصلحتها باتت في الافراج الفوري لوقف دفق الاحتجاجات، فيما أن الشباب تيقنوا على العكس من ذلك قوة تضامنهم ووقعه، مما يحفزهم مبدئيا على مزيد من التشبث والمبدئية والتضامن.
الثالث، وهو حصيلة الأمرين السابقين، أن الحراك لم يتوقف مع الإفراج عن الموقوفين، انما سرعان ما استثمره الشباب بما فيه من مبدئية ونظافة للمضي قدما في اتجاه استخلاص العبر وصولا الى شن هجوم مضاد، ليس فقط ضد النافذ وأعوانه، بل قبل كل شيء الى هذه العلاقة المشبوهة بينه وبين القاضي الناظر في القضية، والتي قد تكون نموذجا مصغرا عن العلاقات المشبوهة القائمة بين أصحاب النفوذ وطائفة من قضاة يشغلون مناصب حساسة ولا سيما في المحاكم العسكرية والجزائية. وعليه، وبدل أن تشكل قوة هذه العلاقة ووثوقها مضربا لحراكهم ومنتهى محبطا له، تحولت الى حافز إضافي له. فما أن عاين هؤلاء عمق هذه العلاقة ونتائجها العملية، حتى أدركوا أن "التشبيح" والعنف الجسدي واللفظي الذي مورس عليهم ما كان ليحصل لولا وجود هذه العلاقة التي تحصنهم، وأن تحررهم من المظاهر الميليشياوية يستدعي أولا انخراطهم في الدفاع عن استقلالية القضاء ونزاهته. وبذلك، شكل توقيف هؤلاء بداية لمعركة نبيلة تتجاوز المطالبة بحق معين، الى المطالبة بمؤسسة ضامنة لهذا الحق ولأي حق مماثل. وتحول استخدام القضاء من قبل المعتدي كسلاح ضد أصحاب الحق الى معركة جديدة لإصلاح القضاء كي يصبح سلاحا لكل ذي حق ضد أي معتد. وانطلاقا من ذلك، سارع الشباب المتضامنون وقبل إتمام الافراج عن رفاقهم الى الدعوة الى لقاء ثان أمام قصر العدل للمطالبة بمحاسبة المدعي العام العسكري على خلفية قراره التعسفي في توقيف المعتدى عليهم وترك المعتدين، آملين أن يولد تحركهم مفعولا تراكميا على صعيد التضامن فيما بينهم دعما لغايات الإصلاحية كافة. فقد آن للقاضي الذي يستفيد من مجاملة أصحاب النفوذ واسترضائهم، أن يلقى جزاء وعقابا من قبل ضحاياه الذين استبيحت حقوقهم.
بقي أن نقول إن أهم ما يميز هذا الحراك، هو أنه يكسر الحاجز الذي أثبتت التجارب أنه الأكثر متانة بين المجتمع وقصور العدل. فبعد العريضة التي وقعها ناشطون وقضاة لمحاسبة غسان رباح صونا لاستقلالية القضاء ونزاهته في آذار 2012، ها هم مواطنون آخرون يخطون بعد حوالي سنة خطوة اضافية في هذا الاتجاه فيتحولون من توقيع العرائض الى الاعتصام، طلبا لضمان شروط المحاكمة العادلة. وهم بذلك يدمجون الى نشاطهم الآيل الى استرجاع البرلمان من طبقة معينة، نشاطا جديدا لاسترجاع العدلية من نفس الطبقة، وهو نشاط قد يكون أكثر انتاجية وقوة لاتصاله بقضايا محددة، محورها حقوق المواطن الأساسية وحاجاته المشروعة الظاهرة. يؤمل أن يكبر هذا الحراك وأن يترك بصماته منقوشة فاقعة على أبواب قصر العدل.

انشر المقال

متوفر من خلال:

استقلال القضاء ، محاكمة عادلة وتعذيب ، لبنان ، مقالات ، جندر وحقوق المرأة والحقوق الجنسانية ، حراكات اجتماعية



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية