الثورة في مواجهة السّلطة وعنفها

،
2020-10-20    |   

الثورة في مواجهة السّلطة وعنفها
تصوير ماهر الخشن

تمّ إنجاز هذا العدد الخاصّ بـ”الثورة في مواجهة السّلطة وعنفها” قبل وقوع مجزرة مرفأ بيروت في 4 آب 2020. كانت الغاية الأساسية منه توثيق استخدام العنف بحق المتظاهرين بعد 17 تشرين الأوّل 2019 بهدف تعرية رواية السّلطة وتظهير حجم تضحيات القوى المعترضة، كما وإبراز دور المهن القانونية والقضائية في حماية حرّية التّظاهر والاعتراض. ويشكّل نتاج هذا التوثيق مضبطة اتّهام بحقّ السّلطة لجهة استخدام القوّة ضدّ معارضيها وارتكاب الأجهزة الأمنية جرائم عديدة وجسيمة بقيت بمنأى عن أيّ محاسبة جدّية.

وقد اكتسى هذا العنف في ملاحقة المعارضين بعد الانفجار–المجزرة، طابعاً آخر، حيث ظهر بوضوح كيف جنّدت السّلطة مواردها في الأجهزة الأمنية من أجل ملاحقة آلاف المنتفضين، في حين تركت آلاف الأطنان من المواد المتفجّرة الخطيرة مخزّنة في شريان العاصمة إلى حين انفجرت فيه. فمنذ اندلاع انتفاضة 17 تشرين، بدا واضحاً أنّ المرفق القضائي-الأمني يغلّب المصالح الخاصّة لأحزاب السّلطة والمصارف على المصالح العامّة التي تبقى عرضة للنّهب من دون مساءلة. تحّرك هذا المرفق بسرعة وفعالية لمعالجة أيّ معلومة قد ترده عن الأفعال التي تمسّ بكرامة المسؤولين والزّعماء والأجهزة أو بجدران المصارف، لكنّه لم يحرّك ساكناً أمام كمّ هائل من المعلومات والكتب المتعلّقة بتخزين مواد نيترات الأمونيوم في المرفأ خلافاً للقانون. هكذا، جاءت المجزرة لتعرّي المرفق القضائي-الأمني وقصوره في حماية أمن الجميع، من سلطة ومصارف وشعب، وهذا ما نسعى إليه في هذا العدد أيضاً.

لماذا هذا العدد؟

يمكن هنا تقديم أربعة أهداف لهذا العدد:

الهدف الأول، تعرية رواية السّلطة والتي غالباً ما اعتمدت الخطاب الأكثر رواجاً في الأنظمة غير الديمقراطية، وقوامه ادّعاء احترامها حرّية الاحتجاج السّلمي في موازاة تعاملها مع التّظاهرات على أنّها أعمال شغب. فالتدقيق في الاعتداءات المرتكبة وطرقها إنّما يثبت بوضوح كلّي أنّها غالباً ما هدفت إلى ردع التظاهر وترهيبه، من خلال الإفراط في استخدام العنف والتوقيف، وصولاً إلى إصابة الأعين إصابةً مباشرة. وسعينا لتوضيح أنماط العنف المتكرّرة والمنتظمة التي تعتمدها السّلطة لتمكين القوى المعترضة من مواجهتها. ومن الواضح أنّ السّلطة استخدمت لهذه الغاية وسائل عدّة، منها ترك المجال لمناصري السّلطة للتعبير عن عصبيّتهم وتحزّبهم وتبعيّتهم لزعمائهم من دون تدخّل. كما استخدمت فزّاعة “شرطة المجلس” التّابعة لرئيس مجلس النوّاب نبيه بري. فرغم كل ما قيل عن تركيبتها الهجينة (بعض عناصرها عينٌ مباشرة من الرئيس برّي نفسه ومن مناصريه في حركة أمل)، لم يخرج أحد ليوضح للرّأي العامّ الأساس القانوني لهذا الجهاز حتى بعد اعتدائه بالرّصاص الحي على مئات المتظاهرين في 8 آب على إثر مجزرة مرفأ بيروت. فكأنّما يراد الحفاظ على مظهر الفزّاعة والميليشيا لردع التّظاهر. والأهمّ أنّ هذه الأساليب كانت تتراوح بين المجاملة (على قاعدة فهمناكم أو أنّ المطالب مشروعة) والعنف المفرط وتختلف عموماً على ضوء اختلاف الظروف السياسية والرسائل التي كانت ترغب القوى المهيمنة داخلها في إرسالها إلى القوى المعترضة عليها. وعليه، رصدنا مثلاً اشتداد العنف تبعاً لتكليف حسّان دياب تشكيل الحكومة، وهو عنف عاد ليبلغ أوجه تبعاً لمجزرة مرفأ بيروت.

الهدف الثاني، تظهير القوى المعترضة وتضحياتها، وذلك ردّاً على محاولات تسفيه هذه التضحيات أو التقليل من شأنها. ويبرز هذا الأمر بوضوح كلّي من خلال العدد الهائل للمعتدى عليهم أو الموقوفين الذي تراكم خلال الأشهر الأولى للثورة والذين ألحقت بهم أضرارٌ مادّية ومعنويّة جسيمة يصعب تقدير حجمها. ومن المهمّ بمكان توثيق هذه التضحيات البالغة الأهمية لقياس زخم الثورة ومقارنتها بما سبقها أو سيلحقها من حراكات. ونضعها من خلال هذا العدد في متناول الباحثين والمهتمّين كمساهمة منّا في النقاشات العامّة حول قضايا الحراكات الاجتماعية والحرّيات العامّة والعدالة الجزائية في لبنان.

الهدف الثالث، تظهير تصوّر مختلف للمهن القانونية وبخاصّة لمهنتي المحاماة والطب الشرعي. فمن خلال متابعة قضايا الاعتداءات والموقوفين، نشأت تجربة بالغة الأهمية وغير مسبوقة في جسم المحاماة وهي تجربة لجنة المحامين للدفاع عن المتظاهرين التي خاضت معارك قانونية متعدّدة لجهة تفعيل القوانين الحامية بوجه تعسّف السّلطة. وهي تجربة تُعطي زخماً هامّاً لتصوّر المحاماة كمهنة الدفاع عن الحقوق والحريات، بعد عقود غرقت فيها في تصوّرات غالباً ما اختزلتها في الدفاع عن مصالح أصحاب النفوذ. ولعلّ خير دليل على سواد هذه التصوّرات تراجع دور نقابتي المحامين في الدفاع عن الحرّيات والحقوق خلال العقود التي أعقبت الحرب بعدما وضعت أحزاب السلطة اليد على مجلسيهما. وليس من الصدفة، أنّ هذه التجربة نشأت وتطوّرت بمبادرة ودعم كامل من “المفكرة القانونية” التي كانت من أوّل الدعاة لإعادة الاعتبار لتصوّر المحاماة كمهنة لمناصرة القضايا الاجتماعية والأهمّ لاستعادة دور نقابتي المحامين في هذا الاتجاه. وهذا ما نشهده تدريجياً من خلال انتخاب ملحم خلف نقيباً في بيروت وتفاعله الإيجابي مع لجنة المحامين للدفاع عن المتظاهرين سواء لجهة تفعيل المادّة 47 من قانون أصول المحاكمات الجزائية (وهي المادّة التي تحدّد حقوق المشتبه فيهم في أثناء التحقيق الأوّلي معهم في المخافر) أو لإعادة تفعيل دور النقابة في القضايا الحقوقية على اختلافها. وقد بدت نقابة المحامين في بيروت وكأنها تستفيق بزخم هؤلاء المحامين من سُباتها في اتّجاه استعادة دورها الاجتماعي.

الهدف الرابع، مواكبة العمل القضائي. لا يقلّ هذا الأمر أهمّية عمّا سبق. وهو يندرج ضمن جهود “المفكرة” في متابعة كيفية تطبيق القوانين من قبل الأجهزة الأمنية والقضائية. فإلى أيّ مدى التزمت الأجهزة الأمنية بضمان حقوق المشتبه فيهم؟ وكيف تعاملت النيابات العامّة مع الموقوفين من ضمن المتظاهرين وهل مارست رقابتها على أعمال الضابطة العدلية؟ وكيف لاحقت الاعتداءات السّافرة ضدّ المتظاهرين من قبل أحزاب السّلطة؟ وكيف تعاملت مع شكاوى التعذيب والإخفاء القسري المقدّمة ضدّ الأجهزة الأمنية؟ وماذا عن قضاة التحقيق والحكم الذين يتوقع أن تصدر عنهم قرارات هامة خلال الأشهر المقبلة؟ هذا مع العلم أنّ الأحكام الصادرة تبعاً لحراك 2015 أبرزت تصوّراً جديداً لمهنة القضاء على أنّها مهنة حماية الحقوق والحرّيات (وبخاصّة الأحكام الصادرة عن القاضية المنفردة الجزائية عبير صفا) فيما تبدأ محاكمات متظاهري 2019-2020 في ظل تطوّر انتشار كورونا والأزمات التي تعصف بلبنان على اختلافها. فلنتابع…

أيّ منهجية لهذا العدد؟

كلّ حرف في هذا العدد يعكس جهوداً كبيرة شارك بها أشخاص عديدون، أبرزهم محامون وحقوقيون، لتوثيق كيفية تفاعل السّلطات الأمنية والقضائية مع المتظاهرين بعد اندلاع انتفاضة 17 تشرين، سواء ما جرى على صعيد العنف المستخدم في فضّ التظاهر أو تعقّب المتظاهرين أو احتجاز حرّيتهم وملاحقتهم قضائياً. وقد توسّعت أعمال التوثيق لتشمل الاعتداءات اعلى المعارضين من قبل مناصري أحزاب السلطة (أي قوى الأمر الواقع) الذين عمدوا مراراً إلى ارتكاب أفعالهم على مرأى ومسمع من الأجهزة الأمنية التي لم تحرّك ساكناً، وغالباً بالتنسيق معها. وهي جهود تطوّرت بعد 17 تشرين 2019 علماً أنّها شهدت بداياتها في آب 2015.

خلال الفترة الممتدّة من 17 تشرين الأوّل 2019 إلى 30 حزيران 2020، رصدنا أكثر من 1175 حالة توقيف وأكثر من 1240 حالة اعتداء على مدنيين على خلفية مشاركتهم في الثورة. اعتمد التوثيق على البلاغات التي وردت إلى لجنة المحامين للدفاع عن المتظاهرين عبر الخط الساخن وعلى متابعة المحامين المتطوّعين ومقابلات لفريق “المفكرة” مع الأشخاص الذين تعرّضوا للتوقيف والعنف والاستدعاء إلى التحقيق، من ضمنها مقابلات مع الموقوفين والمصابين داخل مراكز الاحتجاز والمستشفيات وخارجها. بالإضافة إلى ذلك، يستند التوثيق إلى تقارير طبّية وإعلامية وصور وتسجيلات وتصريحات رسمية للسّلطات المعنيّة. وسنعرض في هذا العدد نتائج التوثيق ضمن قسمين: يتناول الأوّل الفترة الممتدّة من 17 تشرين الأوّل 2019 إلى 15 آذار 2020 وهي الفترة التي شهدت لجوءاً كثيفاً إلى التظاهر في الأماكن العامّة، فيما يتناول الثاني الفترة الممتدّة من 16 آذار 2020 إلى 30 حزيران 2020 أي بعد إعلان التعبئة العامة لمعالجة انتشار جائحة كوفيد-19 حين انخفضت التحرّكات في الأماكن العامة نتيجة الإقفال العام.

وختاماً، نسجّل أنّ هذا العدد يعتمد مصطلحَي “ثورة” و”انتفاضة” للدلالة على الحراك الاجتماعي الواسع الذي انطلق في لبنان بعد 17 تشرين 2019. وقد اخترنا استخدام المصطلحين للدّلالة على أمرين مختلفين عبّر عنهما هذا الحراك: الثورة المجتمعية على صعيد المواطنة وتحديداً العلاقة بين المواطن والزعيم وهي ثورة أدّت إلى تغيير فعلي في سلوكيات قسم كبير من الناس تجاه السّلطة، والانتفاضة في مواجهة السّلطة الحاكمة التي تمثّلت في احتجاجات متواصلة استمرّت أشهراً عدّة من دون أن تنجح في إسقاطها.

 

نشر هذا المقال في العدد 66 من مجلة المفكرة القانونية – لبنان. للاطلاع على مقالات العدد اضغطوا على الرابط: الثورة في مواجهة السّلطة وعنفها

انشر المقال

متوفر خلال:

أجهزة أمنية ، انتفاضة 17 تشرين ، حراكات اجتماعية ، حركات اجتماعية ، حريات ، حريات عامة والوصول الى المعلومات ، حرية التعبير ، قضاء ، لبنان ، مجلة لبنان ، محاكمة عادلة وتعذيب ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *