التلقيح ”باسم الشعب اللبناني“ حقّاً

،
2021-03-05    |   

التلقيح ”باسم الشعب اللبناني“ حقّاً
(أسوشيتد برس، حسين ملا)

صدر أوّل من أمس الأربعاء قرار قضائي بإلزام وزارة الصحة العامّة بتلقيح مواطن لبنانيّ ضدّ فيروس كورونا خلال 48 ساعة تحت طائلة تسديد غرامة إكراهية عن كلّ يوم تأخير. القرار الذي لقي ترحيباً واسعاً فور الإعلان عنه، صدر عن قاضية الأمور المستعجلة في بيروت كارلا شواح تلبية لطلب مواطن قدّمه على خلفية أنّه صاحب أولوية بالتلقيح ضدّ الفيروس بالنظر إلى سنّه (80 سنة) ووضعه الصحّي وأنّه تمّ انتهاك حقّه هذا من خلال تلقيح عدد من النوّاب، بعضهم من خارج الفئة العمرية ذات الأولوية. وقد أسندَتْ القاضية قرارها على مبدأ المساواة الذي كرّسته شرعة الأمم المتحدة المفروضة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان والدستور اللبناني، كما اعتبرتْ ما حصل تعدّياً على الحق في الصحة المكرّس في هذا الإعلان وفي دستور منظمة الصحة العالمية وهو حقّ إنساني أساسي. ولم يفُتْ القاضية أن تناقش تفصيليّاً التبرير الذي أدلى به وزير الصحة حمد حسن على شاشة تلفزيون لبنان، وقوامه أنّه منح اللقاح لهؤلاء النواب من باب الاعتراف بجميلهم في إقرار القانون. فذكّرت الوزير بأنّ التشريع واجب على النوّاب وليس منّة منهم. 

وقد أتى هذا القرار بعد أيام من افتضاح تلقيح نوّاب في مخالفة لخطّة التلقيح التي وضعتها اللجنة الوطنية للقاح كورونا، بما أكّد المخاوف التي عبّر عنها كثيرون من غلبة “الواسطة” على المعايير العالمية المعتمدة في تحديد الفئات الأكثر حاجة له. وفيما احتلّت الفضيحة حيّزاً هاماً من النقاشات الحاصلة في وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي، جاء تقرير المفتشية الصحية في التفتيش المركزي ليؤكد إعطاء آلاف اللقاحات من خارج المنصّة المخصّصة للتسجيل؛ كما أكّد التضارب بين أرقام الملقّحين بحسب المنصّة وأرقام وزارة الصحة.

وبدل أن تُسارع وزارة الصحّة إلى تلقيح الشّخص المستفيد من هذا القرار، فإنّها على العكس من ذلك أصدرَت بياناً اعتبرت فيه أنّ القاضية خالفت في قرارها مبدأ فصل السلطات الذي يفرض أن تحاكم الإدارة أمام مجلس شورى الدولة وليس القضاء العدلي، وأنّها توخّت من قرارها الظهور الإعلامي. كما اعتبرت الوزارة أنّ المستدعي سيتلقّى اللقاح عاجلاً أو آجلاً وأنّ لا خطر يتهدّد تالياً حقه.  

يستدعي قرار القاضية شوّاح عدداً من الملاحظات، أبرزها الآتية:

  • واجب التدخّل في حالات “التعدّي”

أوّل ما يلفت في القرار هو أنّ القاضية شوّاح اعتبرَتْ نفسها صالحة للنظر في النزاعات بين الأفراد والإدارة عند حصول تعدٍّ من قبل هذه الأخيرة يخرج عن نطاق السّلطة المقرّرة لها، وذلك بارتكابها عيباً جسيماً خالفت فيه الأنظمة والقوانين ويشكّل مساساً بحقوق الأفراد الأساسية: ويتأتّى هذا الاجتهاد عن النظرية ذات الأصل الفرنسي (voie de fait) التي تفيد أنّ الإدارة تفقد امتيازها وتحاكم كأيّ متقاضٍ أمام القضاء العادي في حالات “التعدّي” على حقوق الناس. وعليه، في هذه الحالة، تخضع الإدارة للمحاكم العدلية (وليس لمجلس شورى الدولة) على اعتبار أنّها المحاكم الحامية للملكية الفردية والحرية الشخصية والحرّيات العامة. وكانت القاضية طبّقت مؤخراً النظرية نفسها لإصدار قرار في مواجهة القصر الجمهوري الذي منع قناة MTV من تغطية النشاطات فيه. كما طبّق القضاء المستعجل سابقاً النظرية في العديد من القضايا، أشهرها قضايا توقيف اللاجئين العراقيين تعسّفاً. 

وفيما سجّلنا تعليقاً على القرار السابق بأنّ القاضية سعت إلى توسيع حالات تطبيق هذه النظرية لتشمل أي مسّ بمبدأ المساواة، فإنّها أكّدت في هذا القرار على هذا التوجّه وتالياً على واجب تدخّلها العاجل بعدما ثبت لها حصول تعدّ واضح على حقوق المستدعي، بما يشكل خطراً على صحته. 

وقد جاءتْ أسناد هذا القرار خير ردٍّ على بيان وزارة الصحة العامة التي أنكرَتْ صلاحية القاضية بحجّة أنّها لا تخضع إلّا لمجلس شورى الدولة (أي قاضي الإدارة). وما يزيد من سدادة توسّع القاضية في إعلان صلاحيتها في هذه القضية هو أنّه لا يوجد أيّ إجراءات مستعجلة لحماية الحقوق أو الحريات أمام مجلس شورى الدولة. ففي ظلّ واقع كهذا، يصبح إعلان القاضية صلاحيّتها للنظر في الطّلب شرطاً لتكريس حق المواطن في عرض قضيّته على مرجع قضائي، فيما يبدو تذرّع الوزارة بعدم صلاحيّتها بمثابة مسعىً للتفلّت من أيّ رقابة قضائية. 

واستكمالاً لما تقدّم، تجدر الإشارة إلى أنّ القرار فنّد إثباتاً للتعدّي ما أثاره الوزير حسن تبريراً لتمييز النوّاب في حديثه المتلفز، حيث جاء حرفياً أنّ “إقرار المجلس النيابي لقانون الاستخدام الطارئ للقاح وانكبابه على دراسته سبعة أيام متتالية، كما جاء في تصريح السيد حسن، يدخل في صميم عمل هذا المجلس ومن واجباته وليس منّة ليكافأ عليها”. 

 

  • حكم يمهّد لتحريك دعوى جزائية ضدّ وزير الصحة العامّة

وصّف القرار الاعتداء الواقع على الحقوق بالتفصيل كما أوردنا في المقدّمة. ففنّد الأفعال المخالفة معدّداً المواد الدستورية ومواد المعاهدات والإعلانات العالمية الملتزم بها لبنان التي تمّت استباحتها. فوصف القرار الأفعال التي حصلت بالمخالفات الجسيمة والخطيرة والعيب الجسيم وانتهى إلى وصف طريقة توزيع اللقاح بأنّها اعتمدت الاستنسابية المطلقة، كما أكّد على الخرق الواضح والفاضح لمبدأ المساواة. ولعلّ هذا التوصيف للمخالفات هو أبلغ ردّ على تبريرات وزير الصحة العامّة حمد حسن والنائب إيلي الفرزلي اللذين جاهرا بالدّفاع عن نفسيهما معتبرين أنّ لا مخالفة في ما حصل.

وقد بدا القرار من هذه الزاوية بمثابة دعوة للنيابة العامة (التي لم تحرّك ساكناً رغم الفضيحة) بوجوب التدخّل لاستكمال ما بدأته القاضية شوّاح في التصدّي لتعسّف الوزير حسن على خلفية استغلال وظيفته وصرف النفوذ لمصلحة هؤلاء.

ويجب التذكير بأنّه في هذه الحالة لا يمكن أن يتذرّع حسن بالحصانة أو بعدم اختصاص القضاء العادي نظراً لاختصاص المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء. فالحصانة أو صلاحية المجلس الأعلى تشمل الإخلال بالموجبات الوزارية وليس استغلال الوظيفة أو استثمارها. 

 

  • التأكيد على ولاء القاضي لشعبه

فضلاً عمّا تقدم، يُشكّل هذا القرار من حيث توقيته رداً بليغاً على التصوّر الذي أبدته محكمة التمييز للوظيفة القضائية في قرارها الصادر بتاريخ 16 شباط 2021 بكفّ يد المحقق العدلي فادي صوان في قضية تفجير المرفأ. ففيما سعت محكمة التمييز وفق مقالة نشرت في “المفكرة القانونية” أن تضع فواصل بين القاضي والمجتمع أو الناس، بما يحدّ من أثر المجتمع عليه ويحصر مهمته في تطبيق القانون بمعزل عن نتائجه الاجتماعية، أتى قرار القاضية شوّاح ليعيد ويؤكّد على فكرة القاضي الذي يتفاعل على العكس من ذلك مع قضايا مجتمعه وناسه، طالما يصدر أحكامه باسمه. ويتأكّد هذا الأمر من واقعة أنّ القرار أتى بمثابة تكليل لعمل عدد من الصحافيين الذين كانوا أوّل من فضحوا تلقيح النوّاب وأيضاً السخط الواسع الذي أثارته هذه الفضيحة وبخاصّة في وسائل التواصل الاجتماعي التي ضجّت بهذه الحادثة على مدى يومين متتالييْن. كما يتأكّد من الترحيب الواسع للرأي العام بما يُعيد له بعض الثقة والأمل بأنّ ثمّة قضاة قادرين على ضمان الحقوق والحريات. وهو ترحيب سرعان ما لقي نقيضه الاعتيادي في بيان وزارة الصحة العامّة التي سارعت إلى اعتبار القرار مجرّد “مادّة إعلامية”، ملوّحة من خلال ذلك بأنّه شعبوي تمّ بهدف “استجداء الإطراء من حالة شعبوية” (وردت هذه العبارة حرفياً في الدعوى التي قدمّها الوزيران السابقان علي حسن خليل وغازي زعيتر لعزل القاضي صوّان)، وهي نفسها المآخذ التي تثيرها القوى الحاكمة في مواجهة أي قرار قضائي ينتصر للناس ضدّ أي شكل من أشكال تعسّفها. 

 

  • تحية واجبة للقاضية كارلا شوّاح

يذكر أخيراً أنّ اسم القاضية كارلا شوّاح برز مؤخراً في العديد من القرارات الرائدة الصادرة عنها والتي يستشفّ منها سعيٌ خاصّ لحماية مصالح المجتمع، وهي قرارات تؤشّر إلى أهمية الدور الذي بإمكان القضاء الكفؤ والنزيه أن يؤدّيه. من أبرز هذه القرارات قرارها بمنع  إبراء ذمّة شركة “تاتش” ومدرائها إلى حين انتهاء النظر في الدعوى الجزائية المقامة بشأن المبنيَيْن اللذين اشترتهما الشركة من المال العام في وسط بيروت. كما كانت من القضاة القلائل الذين تصدّوا لتعسّف المصارف بموجب قرارات عدّة انتصرت فيها للمودعين أو أيضاً لرفض المصارف تطبيق قانون الدولار الطلابي (قرار 23/12/2020) كما كانت أصدرت قرارات هامّة تتعلّق بالأقساط المدرسية كرّست مصلحة الطلاب وحقهم المقدس في التعليم، وذلك إضافةً إلى قرارها المتعلّق بمنع قناة MTV من الدخول للقصر الجمهوري والذي ذكرناه أعلاه. 

وبذلك، تشكّل القاضية شوّاح التي هي فضلاً عن ذلك من مؤسّسي نادي قضاة لبنان، أحد أبرز أعلام التيار الإصلاحي داخل القضاء وأحد مصادر الأمل في نهوضه. 

 

انشر المقال



متوفر من خلال:

استقلال القضاء ، الحق في الصحة ، الحق في الصحة والتعليم ، جائحة كورونا ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، سلطات إدارية ، قرارات قضائية ، مؤسسات عامة



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *