التعليم عن بعد في ظل الحجر الصحي: سؤال عن حصاد الضرورة


2020-06-29    |   

التعليم عن بعد في ظل الحجر الصحي: سؤال عن حصاد الضرورة

بتاريخ 29-05-2020، أعلن وزير التربية والتعليم “محمد الحامدي” النهاية الرسمية للسنة الدراسية. قبل ذلك وبعده، كان السؤال الذي شغل العائلات التونسية كيف الوصول للتعليم رغم الحجر الصحي؟ وكان الجواب الذي بدا بديهيا التعليم عن بعد كما فعل غيرنا في كل البلدان التي مرت بالتجربة. كان خوض التجربة لكثيرين مغامرة تنقل المادة التربوية لمرحلة الرقمي التي كانت دوما موضوع حلم ووعود لا تتحقق ولكنه كان لآخرين تعديا على تكافؤ الفرص بين عموم التلاميذ يجب النأي عنه.

تكافؤ الفرص: عائق مبدئي

كان وزير التربية محمد الحامدي في طليعة من تصدّوا لحديث التعليم عن بُعد برفعه شعار “لا مجال للتعليم عن بُعد”. وقد برّر موقفه ذاك، كما كثيرين ممن اتخذوا موقفا مماثلا، بانعدام الإمكانيات المادية والتقنية واللوجستية في عدد من المناطق، وافتقار الكثير منها إلى تغطية جيدة بالإنترنت وعدم امتلاك العديد من التلاميذ لحواسيب أو لوحات رقميّة. وقد رأى أن اعتماد التعليم عن بعد في ظل هذه المعطيات إنما يشكل مسّاً بمبدأ تكافؤ الفرص بين التلاميذ الذي حرصت دوما المنظومة التربوية التونسيّة على تحقيقه. وقد أضاف كحجة ثانية أن هذا النوع من التعليم يتعارض مع أصول العملية التربوية في بُعدها البيداغوجي الذي يفترض علاقة مباشرة تفاعلية بين التلميذ والمدرّس.

وجد الموقف ترحيبا في جانب من الوسط التربوي. ولكنه كان محل نقد للأسباب الآتية:  

  • أن الفئة التي أعلن الوزير دفاعه عنها أي تلاميذ المدارس الريفية لم يكن التعليم الحضوري قبل جائحة الكورونا أصلا متيسّرا لهم على قدم المساواة مع سواهم، بفعل إضراب المعلمين النواب والأساتذة المعوضين الذين يشكلون النسبة الأكبر من مدرسيهم،
  •  أن أرقام المعهد الوطني للإحصاء لسنة 2016 تؤكد أن 47% من الأسر التونسية تتوفر على حاسوب و44% منها لديها ربط بشبكة الإنترنت وهي نسبة جيدة مقارنة بعديد الدول المتقدمة. وقد شهدت تلك المؤشرات تطورات هامة لاحقة دليلها ما يؤكده تقريرGlobal Digital لسنة 2020، لجهة أن عدد مستعملي الإنترنت في تونس يبلغ أكثر من 7،5 مليون مستعمل ونسبة الولوج إلى الانترنت 64% مقابل معدل عالمي يناهز 57%،
  • أن معارضة الرقمنة يتعارض مع ما هو معلن من إستراتيجيات وسياسات تعليمية هدفها خلق المدرسة الرقمية. وهي سياسة تجد جذورها في القانون عدد 80 لسنة 2002 المنظم للعملية التربوية والذي يتحدث صراحة عن المدرسة الإفتراضية ويعتبرها من مؤسسات التربية والتعليم،

أدى عند هذا الحدّ تحمس الجانب الأكبر من المجتمع لفكرة التعليم عن بعد إقتناعا منهم أو طلبا لإتباع تجارب الدول الأخرى لتراجع ملحوظ في خطاب معارضيه. كما أدّت الإعتراضات الموضوعية على الأسلوب التعليميّ البديل والتي تتمثل خصوصا في صعوبة التقييم الموضوعي وفي استحالة توفير الرابط الرقمي لكل التلاميذ، لأن بات هذا التعليم يسمى وسيلة تواصل بيداغوجي وتجربة لتطوير المعارف.

1- التعليم عن بُعد تجربة: قراءة في التجربة

صدر بلاغ عن وزارة التربية ذاتها بتاريخ 26 مارس 2020 يحثّ المدرسين والمدرسات على التطوع بإنتاج واقتراح وثائق رقمية خاصة بالفصل الثالث من السنة الدراسية، على أن يقوم المتفقدون والمتفقدات بتأطيرها وتنسيقها والمصادقة البيداغوجية عليها وإدراجها لاحقا على المنصة الرقمية للمركز الوطني للتكنولوجيات في التربية. وقد حصل هذا الأمر بعدما كانت وزارة تكنولوجيا الاتصال والتحول الرقمي قد أعلنت مجانية النفاذ عبر شبكات الإتّصالات الجوالة إلى منصات التعليم عن بعد.

لاحقاً، أطلقت الوزيرة في نهاية الشهر الرابع من سنة 2020 منصة تعليمية عن بعد طورها المركز الوطني للتكنولوجيات في التربية. تغيب هنا الإحصائيات الرسمية عن عدد من استعملوا تلك المنصّة أو عن حجم ما تم تداوله عبرها من مواد تعليمية. لكن من المؤكد أنه لم يتم التعريف بها بشكل جيد في الوسط التربوي، علاوة على كون الخطاب الرسمي للوزارة كشف عن معارضة رسمية لها كوسيلة بيداغوجية بما جعل أثرها محدوداً.

فشل التّعليم عن بعد المؤطّر من جهة الإشراف الحكومي لم يمنع من تطوّر تجارب ومهارات، أدت واقعيا إلى تعميق التفاوت في فرص التعلم بين المنتمين لذات المنظومة التربوية.

التعليم الخاصّ ينخرط بحماسة في التجربة

إنخرطت المؤسسات التربوية الخاصة في التجربة لاعتبارات تعود في جانب منها لخوف المشرفين عليها من نهاية مبكرة للسنة الدراسية تؤثر على التوازنات المالية لمؤسساتهم بسبب عدم دفع الأولياء للأقساط الواجبة. طوّرت هذه المدارس تبعا لذلك خبرة إطارها التربوي وتلاميذها في التدريس التفاعلي عن بعد. كما ضمنت لمنتسبيها تواصلا من مدرستهم فترة الحجر يحسن مكتسباتهم ويطور تصورهم للعملية التربوية.

مبادرات فردية تُعيد الإعتبار للمدرسة العمومية

عدم تحمس المؤسسة الرسمية للتعليم عن بعد لم يمنع مدرسين ومتفقدي تعليم من الإنخراط به بمبادرات تلقائية منهم. تركزت هذه المبادرات خصوصا في جهة صفاقس وضواحي العاصمة تونس، أي في المدن التي تصنف متميزة في نتائجها المدرسية باعتبار معيار نسب النجاح التي تحققها في المناظرات الوطنية.

يتبيّن مما سلف أنّ معارضة التعليم عن بُعد بدعوى حماية مبدأ التكافؤ في الفرص بين التلاميذ انتهى لإيجاد ميز حقيقي بينهم، عنوانه الأهمّ تعليم خطا خطوة قد تكون هامّة في اتجاه استعمال الوسائط الرقمية في التعليم، بما يعيد طرح رقمنة التعليم كاستحقاق ويفرض الدعوة لتوفير فرص تعليم ذي جودة فعلية.

2- المدرسة الرقمية: في وجوب تجسيد وعود أبطأ الإيفاء بها

يعاني التعليم التونسي من عديد الإشكاليات الهيكلية منها:

  • إنتشار كبير ولافت لظاهرة الدروس الخصوصية،
  • ضعف مؤشرات جودة التعليم في التقييمات الدولية. فقد انتهى البرنامج الدولي لتقييم الطلاب في سنة 2015 لكون مكتسبات التلميذ التونسي في العلوم والرياضيات والقراءة أقل من متوسط منطقة الشرق الأوسط، وأن التلميذ التونسي في سنّ الخامسة عشرة أقل في مستواه بثلاث سنوات مما هو مفترض عن متوسط منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي[1]

وقد اعتبرت وزارة التربية والتعليم وفي إطار مخططها الإستراتيجي 2016-2020 “تطوير تكنولوجيا الاتصال في التعليم والتعلّم” من الأهداف التي ستساعدها على تحقيق تلك الغاية والتي ستعمل على تحقيقها. خلال مدة تنفيذ ذلك المخطط، “كان الحديث عن تطور المدرسة الرقمية” وعن المنجزات التي تحققت في هذا الإطار من ثوابت خطاب القائمين عليها. على أرض الواقع، تبيّن أن تلك المشاريع لم تكن إلا دعاية سياسية لم تخرج عن توزيع مناسباتي لعدد من اللوحات الرقمية على التلاميذ تلقتها الوزارة هبة من مؤسسات مانحة في إطار عمليات استشهار لها[2]. أتت في هذا الإطار أزمة الحجر الصحي في نهاية المخطط ومن خارج أدواته لتحاول نقل ما كان خطابا إلى واقع. يبدو جليا مما سلف أن المحاولة لم تنجح في الوصول للجميع كما لم تكن بذات الجودة بالنسبة لكل المحاولات لكن كانت فعليا أولى الخطوات التي تتم في الطريق الطويل.

يمكن اليوم أن نراكم على هذه التجربة طلبا لتطوير مهارات المتعلمين والمعلمين في المجال وفي سياق الإستفادة من تجرئهم على سبيل التعليم التفاعلي، طلبا لأن يكون هذا التعليم من أدوات التواصل البيداغوجي الدائم بين المتعلم والعملية التربوية. وقد يكون من الجيد التفكير في برامج خاصة بهذه الوسيلة التعليمية ذات الخصوصية على نحو يطوّر ملكة الفكر والنقد ويقطع مع أساليب التلقين التي بينت فشلها.

  • نشر هذا المقال  بالعدد 18 من مجلة المفكرة القانونية | تونس |. لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه:

التعليم، قلعة تونس المتصدعة


[1] تقرير البنك الدولي 2017 تقرير آفاق الاقتصاد التونسي. قطاع الممارسات العالمية لإدارة الإقتصاد الكلي والمالية العامة، وقطاع الممارسات العالمية للفقر.

[2]   شركات اتصالات محلية  و شركة برمجيات فرنسية

انشر المقال

متوفر خلال:

الحق في الصحة والتعليم ، تونس ، جائحة كورونا ، مجلة تونس ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *