التعذيب ظاهرة متفشية في السجون: لبنان يخفق بتطبيق تعهداته الدولية وجمعيات تدعو الى الحوار


2015-01-14    |   

التعذيب ظاهرة متفشية في السجون: لبنان يخفق بتطبيق تعهداته الدولية وجمعيات تدعو الى الحوار

بتاريخ2015/1/13 ، نظم مركز "الخيام لتأهيل ضحايا التعذيب" مؤتمرا صحافياً في مقر نقابة الصحافة في بيروت، أعلن فيه تقريره للعام 2014 والذي تضمن تعقيباً على تقرير لجنة مناهضة التعذيب في الأمم المتحدة حول واقع السجون اللبنانية وموضوع الاستعراض الدوري الشامل الخاص بلبنان. كما تناول سلسلة من الموضوعات التي تدخل في صلب إهتمام المركز مثل قضية المفقودين، وقضية جورج إبراهيم عبدالله، وملف العنف الأسري، وقضية العسكريين المخطوفين، والمعتقلين الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية، وسجناء الرأي في الدول العربية، اضافة الى تقديم عرض حول برنامج نشاطاته للعام 2015.
 
وكانت لجنة مناهضة التعذيب في الأمم المتحدة أصدرت في تشرين الأول 2014 تقريراً سندا للمادة ٢٠ من اتفاقية مناهضة التعذيب، في اثر تحقيقات أجرتها خلال الفترة الممتدة من شهر أيار 2012 ولغاية شهر نيسان 2013. أبرز خلاصاته ان "التعذيب ممارسة متفشية في لبنان تلجأ إليها القوات المسلحة والأجهزة لإنفاذ القانون لأغراض التحقيق والإهمال المتعمد للضمانات القانونية للأشخاص مسلوبي الحرية". وهي نتيجة مخيبة للآمال لبلد سارع في المصادقة على إتفاقية مناهضة التعذيب في تشرين الأول 2000، "دون تحفظ". وقد بلغت اللجنة الحكومة اللبنانية نحو 34 توصية كما طالبتها بالرد على هذا التقرير في مهلة أقصاها 22 تشرين الثاني 2014.
 
لكن النتيجة التي كانت "صادمة" للدولة اللبنانية، أكدت مخاوف المجتمع المدني اللبناني عن واقع التعذيب ومراكز الاحتجاز والتوقيف في لبنان، فأنصفت صرخات العديد من الجمعيات  التي لطالما أعدت تقارير حول التعذيب في السجون ورفعتها الى المسؤولين في الدولة من دون أن تجد آذاناً.
 
وعلى ضوء التقرير الذي قامت لجنة مناهضة التعذيب في الأمم المتحدة بنشر ملخص عنه، إجتمعت  لجنة حقوق الإنسان النيابية في 2014/10/28 وأعربت عن شجبها للتقرير الذي رأت أنه جائر وغير موضوعي من خلال الكلام عن التعذيب الممنهج، واتهمت اللجنة الاممية بالمخالفة وبخرق نصوص الاتفاقية بما يتعلق بسرية التقرير فالملخص تضمن معلومات وتفاصيل أكثر من المتوقع. 
التقرير المرفوض من قبل الحكومة اللبنانية تضمن إدانة دولية لحجم الإنتهاكات الفادحة لحقوق المساجين وقد تجاهلت الحكومات المتعاقبة هذا الموضوع فلم تتخذ الإجراءات اللازمة لوضع حد لمسألة التعذيب وتحسين أوضاع السجون المزرية وتسريع المحاكمات.
"يوجد في سجن بعبدا للنساء 15 سجينة محكومة من أصل 88"، و"ليس هناك معالجة جدية لقضية السجون لان الحكومة لا تعتبرها من الأولويات" هذا ما قاله الأمين العام لمركز الخيام لتأهيل ضحايا التعذيب محمد صفا، محذراً من "ان السجون قنبلة موقوتة ستنفجر اذا لم تعلن الحكومة حالة طوارئ قضائية لتسريع المحاكمات والقيام بخطوات استثنائية لمعالجة شاملة لهذه القضية بحيث يكون تقرير لجنة مناهضة التعذيب حافزاً لتحسين أوضاع السجون ومنع التعذيب ومعاقبة مرتكبيه".
 
في تشرين الثاني المقبل، من المفروض ان يقدم لبنان تقرياً عن حال حقوق الانسان في لبنان أمام دورة الإستعراض الدوري الشامل UPR في مجلس حقوق الانسان في جنيف حيث سيتم مساءلة الدولة اللبنانية عن مدى التزامها  بتنفيذ التوصيات الـ34 التي بلغته اياها لجنة مناهضة التعذيب، فضلاً عن 41 توصية مقترحة من قبل 49 دولة تعهدت الحكومة اللبنانية في آذار من العام 2011 بتنفيذها. الاّ ان معظم هذه التوصيات لم تبصر النور بشهادة جمعيات المجتمع المدني، ويقول صفا "اننا لا ننكر ان لبنان يواجه تحديات صعبة ولكننا نرفض التذرع دائما بالأوضاع الأمنية ونتائجها لتبرير التراجع في حال حقوق الانسان والتلكؤ الذي يصل الى حد الفضيحة لجهة عدم تنفيذ التوصيات وإعداد التقارير والتأخير في تقديمها لنحو الـ15 عاماً، فالحكومات اللبنانية المتعاقبة لم تنشئ جهازاً رسمياً لإعداد التقارير ولم تدر حواراً منظماً وجدياً مع هيئات المجتمع المدني".
ورأى ان"الاستعراض الدوري الشامل حول لبنان في تشرين الثاني المقبل استحقاق مهم وعلى الحكومة اللبنانية ومختلف هيئات المجتمع الإستعداد والتحضير الجدي له وذلك بإطلاق ورشة عمل حكومية وبرلمانية واهلية وتشكيل لجنة تنسيق لإعداد التقرير وهو ما لم يحدث حتى الآن علماً ان تقرير الدولة يقدم في تموز المقبل بينما تقرير الجمعيات يقدم في آذار".
 
وشدد صفا على ضرورة "إجراء حوار حقيقي بين الحكومة وهيئات المجتمع المدني اللبناني والفلسطيني وتوسيعه ليشمل كل مكونات المجتمع السياسية والاقتصادية والانسانية والنقابية وعقد مؤتمر من قبل الحكومة تحضيراً لهذا الحدث".
كما أكد ان المركز سيستمر بالاصرار على "مطالبة الحكومة بإنشاء جهاز خاص وإدارة حوار مع منظمات المجتمع المدني واصحاب المصلحة. ذلك ان اي تقرير يوضع بمعزل عن المجتمع المدني سيكون تقريراً ناقصاً ومخالفاً للغاية المتوخاة من الاستعراض الدوري الشامل وسنكون مضطرين في هذه الحالة للإعتراض عليه أمام مجلس حقوق الانسان".
 هذا وقد قامت المفكرة القانونية بإستطلاع رأي لعدد من الجمعيات الناشطة في مجال السجون وحقوق الإنسان حول موقفها من التقرير فسألناها حول موقفها من التقرير والآمال المرجو تحقيقها بعد تأكيد المؤكد وانتشار الحقائق الى العلن وهل ترى في الأفق بوادر لتنفيذ الحكومة للتوصيات المطابلة بها؟
لم يفاجئ تقرير البعثة الدولية جمعية "عدل ورحمة" انما عكس صورة عن واقع مؤسف لطالما تحدثت عنه مراراً وتكراراً  جمعيات المجتمع المدني الناشطة في هذا المجال. لكن  أهمية هذا التقرير يكمن في  الجهة التي اعدته والتي تشكل إحراجاً للدولة اللبنانية. هذا ما اكده المحامي زياد عاشور قائلاً ان"هذا التقرير الواقعي يطرح أرضية من الحوار يجب التفاعل معها، حتى لو كننا سنستند على تقرير جهة اجنبية وانه سيؤثر على موقع لبنان وصورته  لكن اذا تفاعلنا معه وكانت هناك ردة فعل منطقية على مستوى دولة  القانون والمؤسسات عندها نصل الى مكان ايجابي".
واعتبر عاشور ان "امكانية تنفيذ التوصيات تحتاج قراراً سياسياً  ويجب ان يكون هناك ورشة وطنية على مستوى وزارة الداخلية والعدل والخارجية وان يتم مناقشة القانون من باب الأهمية الوطنية وعندها سيكون  لهذا التقرير نتيجة ان كان من خلال إقرار التصديق على القانون او خلق آلية، فالامكانية موجودة ويوجد الحد الادنى من التوافق السياسي".
 
واكد اهمية هذا التقرير لجهة البعد النفعي فهناك منفعة للدولة لتحسين صورتها وعلاقاتها وهناك بعد انساني واخلاقي ومبدئي يشبه القيم التي قام عليها لبنان والاعلان العالمي لحقوق الانسان. 
وبسؤاله عما اذا كان  هناك رقابة على الاجهزة المولجة بالقيام بالتحقيق أكد عاشور على وجود نص بهذا الموضوع وانه "في الاساس من المفروض ان يتم التحقيق مع الموقوفين تحت اشراف القضاء وقضاة التحقيق الذين بإمكانهم اجراء التحقيقات بأنفسهم كما ان هناك بعض الاجهزة التي تملك لجان رقابة مثال "لجنة التحقيق بإدعاءات التعذيب لدى قوى الأمن الداخلي" بالاضافة الى انه في بعض الاماكن تمكن المجتمع المدني من الدخول بخجل والاطلاع على واقع الحال وانه بإمكان معرفة هذه الامور لدى خروج المسجون من السجن لكن بالاجمال ان موضوع التوثيق هنا صعب".
 
ولفت الى ان الرقابة، الموجودة اليوم غير كافية ان من حيث التطبيق أوالفعالية مؤكداً "الحاجة الى إفساح المجال للمجتمع المدني وتكريس دوره في الرقابة لا سيما المنظمات والجمعيات المتخصصة فضلاً عن الرأي العام وصولاً الى الإعلام الخ… فضلاً عن  المحاسبة السياسية مطلوبة واعتماد الآليات الدولية والوطنية التي تعد جزءا من الرقابة والتي يجب ان تفتح امامها كل الحواجز والأبواب". 
بدوره قال، منسق برنامج الرصد والمناصرة في منظمة "الف" جورج غالي، "ان المنظمة تعي تماما واقع التعذيب في لبنان وقد قامت بإعداد التقارير السنوية حول هذا الموضوع منذ العام 2000 وقامت بعرضها على الوزراء، لكن  لا يوجد هناك النية او الرغبة او المقدرة من قبل الحكومات المتعاقبة في  التعاطي بموضوع التعذيب  وبدليل ان لبنان منذ العام 2000 لم يقم بإرسال اية تقارير للجنة مناهضة التعذيب في الامم المتحدة. لكن في العام  2009 قامت الدولة بخطوات صغيرة الا انها غير كافية و منها خلق قسم متعلق بحقوق الانسان ولجنة مناهضة التعذيب،  لكن ينقص هذه اللجنة الشفافية  كما ان التقارير التي تصدرها تتسم بالسرية وترسل الى مدير عام القوى الامنية ووزير الداخلية وحسب".  
وأشار غالي الى انه "لا يوجد ثقة بهذه اللجنة لانها لا تملك آلية واضحة لعملها وكيف تتلقى الشكاوى اذا تعرض احد الموقوفين للتعذيب. فضلاً عن ان هناك لجنة واحدة فقط، هي التي  تدور على جميع السجون ومراكز التوقيف وهي توكل مدير السجن ايصال الشكوى لها  مما يجعل الضحية يتردد في تقديم الشكوى لأنه لا يدري ان كانت ستصل أم لا، كما انه ان تأكد وجود تعذيب فإن  كل عمليات المحاسبة تكون مسلكية". 
وأكد غالي ان المنظمة ترى في "التعذيب جرماً ويجب محاسبة الفاعلين بالوسائل  القضائية" والمطالبة بتغيير المادة 401 من قانون العقوبات بشكل عام، مشدداً على ضرورة القيام بطاولة مستديرة ووضع آليات وطرح الأفكار والحلول التي تساعد الدولة على تنفيذ التوصيات وإصلاح واقع السجون".
 
في اتصال للمفكرة القانونية بوزارة الخارجية والمغتربين بتاريخ 2015/1/9 اكد رئيس دائرة اميركا في الوزارة بشير عزام  إرسال الحكومة اللبنانية لردها على تقرير لجنة مناهضة التعذيب في الأمم المتحدة، اما مضمون التقرير فبقي سراً دفيناً بإنتظار الدولة اللبنانية أن تفرج عنه -ان استطاعت ذلك- علماً انه وبحسب محمد صفا، فإن التسريبات حول رد الحكومة تفيد ان الرد كان برفض تقرير البعثة والتشكيك بدقة عملها، الا ان هذه التسريبات تبقى غير مؤكدة حتى إشعارٍ آخر.
 
بتاريخ 2015/1/12 اشتعلت معركة في المبنى "ب" من سجن رومية لأن الدولة حاولت متأخرة بسط سلطتها على السجن، لتكون النتيجة وبالصور فضيحة أخرى تؤكد حالة الفلتان في السجون و إخفاق آخر يسجل للدولة اللبنانية التي ربما تتحمل الجزء الأكبر من المسؤولية في الأحداث التي جرت وذلك بسبب التباطؤ في المحاكمات ووجود العديد من الموقوفين في السجون من دون حكم ناهيك عن الأوضاع المزرية التي يعيشون بظلها والتي لا تمت لحقوق الإنسان ويبقى السؤال كيف ستواجه الدولة اللبنانية إخفاقاتها وكيف سترد أمام دورة الإستعراض الدوري الشامل في مجلس حقوق الانسان في جنيف في تشرين الثاني المقبل؟

الصورة منقولة عن موقع alalam.ir

 
انشر المقال

متوفر من خلال:

محاكمة عادلة وتعذيب ، لبنان ، مقالات ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية