“التصفية الحل الأسهل”.. شركة الحديد والصلب تنتهي بدون تطوير


2021-06-02    |   

“التصفية الحل الأسهل”.. شركة الحديد والصلب تنتهي بدون تطوير

في 30 مايو 2021، أبلغت إدارة شركة “الحديد والصلب” رؤساء الإدارات بتوقف العمل بداية من اليوم التالي (31 مايو) وهو ما قوبل برفض من العمال وتظاهرات. وتجدر الإشارة، أنه في 11 يناير من العام الجاري، فوجئ العمّال والموظفون في شركة “الحديد والصلب” بحي حلوان، بقرار صادر من الجمعية العامّة غير العادية للشركة بتصفية نشاط الشركة في منطقة التبين وفصل نشاط المناجم في شركة مستقلّة. وأمس الإثنين 31 مايو أعلن رسمياً إغلاق الشركة التابعة لوزارة قطاع الأعمال العام، والتي يعمل فيها نحو 7 آلاف عامل.

والشركة التي أنشئت عام 1954 ساهمت في دعم الصناعة المصرية عبر صناعة حائط صواريخ استخدم في حرب أكتوبر 1973 ومدّ الجسور وصناعة مواتير السد العالي إلى جانب صناعات أخرى.

وأوضحت وزارة قطاع الأعمال، أنّ تصفية الشركة جاءت بعد محاولات كثيرة للإصلاح ووقف نزيف الخسائر التي بلغت في 30 يونيو 2020 نحو 8.5 مليار جنيه.

ومنذ قرار التصفية في يناير عاش عمّال “الحديد والصلب” حالة اضطراب يصفها العامل محمد عبد الله[1] بأنّها كخروج الروح من الجسد، قائلاً: “قضيت سنوات هنا في مدينة التبين، بين العمل والحياة الاجتماعية، وفجأة بموجب قرار، أخرج منها بسبب سياسة الإدارات المتتابعة”.

شبهات فساد أم سوء إدارة؟

يوجد في مصر 5 شركات متكاملة لإنتاج الحديد، فيما تنفرد شركتا “الحديد والصلب” مع “حديد عز- الدخيلة” (شركة خاصّة) بإنتاج المنتج النهائي من الخامات الاستخراجية، أي يأخذ مراحله بأكملها داخل الشركة، بخلاف الشركات الأخرى التي تعتمد على استيراد الخامات أو حديد نصف إنتاج ويأخذ مراحل أخرى في الإنتاج.

تعتمد شركة “الحديد والصلب” في الإنتاج على خامات مستخرجة من محاجر مصرية تناسب معدّاتها وتنتج أشكال منتجات الصلب كافّة وذلك عبر استخدام تكنولوجيا الأفران العالية والاختزال بواسطة فحم الكوك، وذلك بخلاف “عز الدخيلة” التي تستخدم خامات مستوردة والغاز الطبيعي والكهرباء في صهر الحديد.

ويقول مصدر داخل الشركة[2]، فضّل إخفاء هويته، إنّ تحرير سعر صرف العملة لم يكن المشكلة الرئيسية التي واجهت شركة “الحديد والصلب”، بل الإجراءات الاقتصادية التي اتّخذتها مصر منذ 2014 وبخاصّة رفع الدعم عن الكهرباء الذي شكّل كان بداية التدهور، ما ترتّب عليه رفع تكلفة الإنتاج في مقابل ثبات سعر البيع.

وانتقد عضو البرلمان مصطفى بكري تغيير رؤساء شركات قطاع الأعمال وعلى رأسها شركتي “الكوك” و”الحديد والصلب” من قبل مدحت نافع رئيس “الشركة القابضة للصناعات المعدنية”، لافتاً إلى أنّ رئيس “القابضة” يُصدر تقارير كاذبة لتصفية الشركات القومية. وقال: “أغلقت الشركة القومية للأسمنت، ومن المفترض أن يتكرر الأمر مع الكوك والحديد والصلب”.

في الواقع اقتراح مدحت صالح خلال رئاسته للشركة القابضة ثلاثة حلول لإخراج “الحديد والصلب” من الأزمة في 2018، تمثّلت في العمل على تحسين جودة الخامة وزيادة تركيز المعدن فيها، وتطوير ورفع كفاءة المصنع من أفران وماكينات ومعدات، وتعظيم الاستفادة من أصول وموجودات الشركة بغرض تحسين وضعها المالي وسداد التزاماتها. وبالرغم من توافق حلول نافع مع اقتراحات العمّال، إلّا أنّها لأسباب لا يعلمها العمّال، لم تدخل حيّز التنفيذ في حينها.

وفي نوفمبر 2016، حرّرت مصر سعر صرف العملة الأجنبية مقابل الجنيه المصري، وارتفعت غالبية أسعار المنتجات والخدمات. وبحسب المصدر ذاته، فإنّ أسعار منتجات “الحديد والصلب” لم ترتفع كثيراً مقارنة بالشركات الأخرى، بحكم أنّها شركة قطاع أعمال حكومية.

وتجدر الإشارة إلى أنّ “الحديد والصلب” ذكرت في 2017، أنّ التعويم كان له أثر إيجابي، إذ بلغ إجمالي أرباحها نحو 338 مليون جنيه، فيما وصلت الخسائر 232 مليون جنيه بفارق 106 ملايين جنيه.

ويرى طارق سمير[3]، أحد عمّال الشركة أنّ التعامل لم يكن احترافاً من قبل وزارة قطاع الأعمال وأنّ التركيز كان على تصفية الشركة من دون البحث عن حلول للأزمة، موضحاً: “القرار هيكون ليه تبعات سلبية على 7 آلاف عامل، وحتى لو العمال كلّهم هياخدوا حقّهم لكن هيقعدوا في البيت، والعمّال حيرفضوا تصفية المصنع”.

خسائر سبقتها سنوات من الأرباح

وجاء قرار التصفية بعد الخسائر المتتالية التي تعرّضت لها الشركة والتي بلغت في يونيو 2020 نحو 8 مليارات جنيه ومبلغاً مماثل كديون على الشركة. كما أنّ تقارير وزارة الأعمال تشير إلى أنّ كل يوم تشغيل للشركة يتسبّب بخسائر تبلغ تقريباً 4.5 مليون جنيه.

وقال وزير قطاع الأعمال العام هشام توفيق إنّ التصفية سيتبعها بيع أرض بمساحة 6 ملايين متر، لسداد الديون، مشيراً إلى أنّ قطاع الأعمال العام يعتمد حالياً على تصفية الشركات الخاسرة التي لا يمكن إصلاحها.

وبعد إعلان تصفية الشركة، ادّعى الوزير، عبر إحدى القنوات الفضائية إنّ خسائر شركة “الحديد والصلب” مستمرّة منذ عام 1998، لكنها في الواقع كانت تحقّق أرباحاً خلال سنوات عدّة، فعلى سبيل المثال في السنة المالية 2007/2008، حقّقت الشركة أرباحاً بنسبة 229% مسجّلة 777.5 مليون جنيه مصري، وبلغت أرباح الشركة الصافية خلال الشهور التسعة الأولى من السنة المالية السابقة 236.5 مليون جنيه.

وقبل ذلك، حسّنت شركة “الحديد والصلب” خلال عام 2006 من موقف السيولة المالية وتجاوزت ودائع الشركة في البنوك 201 مليار جنيه.

وأبدى العامل عبد الله أيضاً استغرابه من تصريحات الوزير بشأن خسائر الشركة خلال العقدين الماضيين، بخاصّة حينما قال إنّ الشركة لا تساوي 10 قروش وإنّ التطوير لن يجلب نفعاً. وأوضح: “أنا أعمل في الشركة منذ 15 عاماً والشركة كانت تحقّق أرباحاً لكنّنا تأثرنا بالقرارات الاقتصادية منذ 2014”.

تعويض مالي

بالرغم من إعلان وزارة قطاع الأعمال العام تعويض العمّال عن فترة عملهم في الشركة بما لا يقلّ عن 225 ألف جنيه لكلّ عامل وهو ما اعتبره البعض “مجزياً” إلّا أنّ المبلغ غير مرحّب به لدى غالبية العمّال. وبحسب العامل محمد عبد الله “لن يعوّض المبلغ العمّال عن وظيفتهم وحياتهم ولن يكون منصفاً لعمّال لا يمتهنون إلّا هذه المهنة وسوق العمل مكتظ، وطريق بناء مشروع جديد ليس سهلاً”.

وألمحت الوزارة إلى أنّ الشركات القابضة المعدنية تحتاج إلى خبرات عمّال شركة “الحديد والصلب”، وأنّ الأولويّة ستكون الاستعانة بهم.

وفي خضم قرار التصفية، أطلق عدد من الأحزاب على رأسها حزب التحالف الشعبي الاشتراكي، “الحملة الشعبية لحماية الحديد والصلب والصناعات الوطنية” دعماً للصناعات الوطنية ورفضاً لقرار تصفية الشركة. ودعا التحالف الشعبي إلى مقاومة تصفية الشركات والخصخصة.

كما رفضت دار الخدمات العمّالية، المنظمة غير الحكومية، قرار التصفية مشيرة إلى أنّ الخسائر كانت بسبب تقادم الآلات والمعدّات وزيادة نفقات التشغيل فضلاً عن ضعف قدرات الشركة التنافسية في السوق في ظلّ منافسة غير عادلة مع إغراق السوق بالحديد المستورد على الأخصّ من تركيا وأوكرانيا والصين بأسعار تقلّ عن تكلفة إنتاجه. وأشارت الدار إلى أنّ افتقار الإدارات إلى الكفاءة أدّى إلى الخلل الموجود في أفران الشركة، وهو ما سبّب خفض معدّل الإنتاج.

التصفية والهجرة

يسكن عمّال “الحديد والصلب” في حلوان، جنوب القاهرة، في مساكن خصّصت لهم منذ بناء المصنع في خمسينيّات القرن الماضي، لتكون مدينة عمّالية، وبذلك وفّرت الشركة على العمّال وقت المواصلات وسهّلت لهم بناء أسرة من خلال دعم مادي متفاوت بين الأعزب والمتزوج ومن لديه أطفال.

الأسئلة التي تدور في ذهن العمال حالياً ماذا بعد التصفية والحصول على تعويض مادي، هل سيتركون المدينة العمّالية التي قضوا فيها عقوداً أم يفتح كلّ منهم مشروع. بكل تأكيد كل الخيارات ستحدث تغييراً ديموجرافياً على منطقة التبين والمناطق الأخرى التي من المفترض أن تستقبل هجرات أهل التبين.

برأي العامل طارق سمير تنحصر الخيارات المطروحة أمامه في تغيير مسار عمله تماماً والعودة إلى مسقط رأسه في الصعيد ويبدأ مشروعاً صغيراً. ويوضح أنّ “المبلغ قليل نظير سنوات العمل، والمتاح أمامي إمّا محلّ بقالة أو شراء سيارة والعمل عليها بالأجرة”.

وقد اقترح بعض العمّال في الشركة، استخدام أموال التعويضات مع بيع جزء أصول الشركة واستخدام المبالغ في تطويرها. وبحسب عبد الله “إذا كان الوزير يريد التطوير والإصلاح نحن مستعدّون بكلّ إمكانيّاتنا وطاقاتنا. فلوس التعويض وبيع أصل ونصلّح الأفران والمعدّات المتهالكة، وإذا احتجنا تطوير اليد العاملة الجميع مستعد، لكن هل الإدارة والوزارة مستعدّة؟”.

أغلقت “الحديد والصلب” الإثنين 31 مايو بعد أشهر من قرار تصفيتها في يناير. وما زال العمّال مؤمنين بأنّ القرار يقف وراءه منتفعون سواء مسؤولين حكوميين أو شركات قطاع خاص. ويستدلّون على ذلك من تصريحات وزير قطاع الأعمال حينما يبخّس بإنتاج الشركة أو حينما يتحدّث بسخرية عن مقدّراتها من أراضٍ وعقارات وحديد خردة.

وبقي العمّال حتى آخر لحظة ينتظرون أن يصدر قرار بالتراجع عن تصفية “قلعة الصناعة المصرية” خصوصاً بعد الأمل الذي بعثه فيهم عرض من مجموعة صحاري لتطوير الشركة في أبريل الماضي، إلّا أنّه قوبل بالرفض، حتى بدون الانخراط في تقديم تسهيلات أو مساعدات من الوزارة.

  1. جرى الحديث 20 يناير 2021.
  2. جرى الحديث 28 فبراير 2021.
  3. جرى الحديث في 13 فبراير 2021

 

انشر المقال

متوفر من خلال:

أحزاب سياسية ، اقتصاد وصناعة وزراعة ، تحقيقات ، حراكات اجتماعية ، حقوق العمال والنقابات ، سلطات إدارية ، سياسات عامة ، عمل ونقابات ، قرارات إدارية ، مؤسسات عامة ، مصر ، نقابات