التحفظ على أموال الحقوقيين المصريين: خطوة إضافية نحو الإطاحة الكاملة بالقواعد القانونية


2016-12-19    |   

التحفظ على أموال الحقوقيين المصريين: خطوة إضافية نحو الإطاحة الكاملة بالقواعد القانونية

أصدرت الدائرة السادسة جنايات بمحكمة شمال القاهرة، صباح يوم 14/12/2016 حكمها بالتحفظ على أموال الناشطة النسوية عزة سليمان مديرة «مركز قضايا المرأة». وقد أيدت المحكمة طلبات قاضي التحقيق في القضية 173 لسنة 2011 المعروفة بـ"التمويل الأجنبي" في هذا الخصوص. وفيما ليست المرة الأولى التي يصدر فيها حكم بالتحفظ على أموال النشطاء الحقوقيين والمدافعين عن حقوق الإنسان في مصر، فإنها المرة الأولى التي يتمّ فيها تجاوز للقضاء وإهدار كامل للقاعدة القانونية، بما يؤشر إلى تطور خطير في مواجهة هؤلاء.

تعسف من دون نص
تنص المادة 208 مكرر "أ" من قانون الإجراءات الجنائية على أنه إذا قدرت النيابة العامة أن الأمر يقتضي اتخاذ تدابير تحفظية على أموال المتهم بما في ذلك منعه من التصرف فيها أو إدارتها، وجب عليها أن تعرض الأمر على المحكمة الجنائية المختصة طالبة الحكم بذلك ضماناً لتنفيذ ما عسى أن يقضى به من غرامة أو رد أو تعويض". ورغم أن هذه المادة تنص صراحة على وجوب الإستحصال على قرار مسبق من محكمة الجنايات للتحفظ على أموال الأشخاص، لم تنتظر السلطات المصرية في قضية عزة سليمان قرار محكمة الجنايات إنما قامت بمخالفة القانون والتحفّظ على أموالها بشكل استباقي. واللافت أن المحكمة عادت وأيدت هذا الإجراء المخالف للقانون.

طبقا لرواية سليمان على حسابها الشخصي بصفحة الفيس بوك، فإنها أخذت علما بقرار التحفظ على حسابها الشخصي بالبنك وحساب الشركة من البنك الأهلي المتحد فرع صلاح سالم يوم 20/11/2016. وقد جاء في هذه الرواية: "بعد جدل كبير مع إدارة البنك وتقديم طلب رسمي للحصول على معلومات عن أسباب التحفظ على حسابي الشخصي والشركة، أعطي لي إجابة شفويا دون أي وثائق". وبعدها بعشرة أيام وفي مطلع شهر ديسمبر/ كانون الاول، تكرّر نفس السيناريو المعتاد حيث نشر خبر بالصحافة يوضح أنه لا يوجد حكم بالتحفظ على أموالها وأن أولى الجلسات المحددة للنظر في طلب قاضي التحقيق بالتحفظ على أموالها هو يوم 12/12. ذهبت سليمان يوم4 /12 إلى البنك وطلبت إعطاءها ورقة رسمية وصورة من الحكم الصادر ضدها، والذي أصبحت متأكدة بعد علمها من الصحافة بتحديد جلسة أنه غير موجود. إلا أن الإدارة القانونية للبنك رفضت إعطاءها أي أوراق رسمية ما دفعها إلى تحرير محضر لإثبات ما تم من قبل البنك برفضه السماح لها بالتعامل على أرصدتها أو إعطائها أوراقا قانونية تفيد بصدور حكم بمنعها من التصرف. ورغماً عن نشر خبر بنظر طلب التحفظ على أموالها بالصحافة قبل الجلسة بفترة كبيرة، إلا أن المحكمة سارت لم تعلنها إعلانا قانونيا بالجلسة. وأبدى فريق الدفاع عن سليمان مرافعته يوم الجلسة، وحجزت الدعوى للحكم الذي صدر بعد يومين بالتحفظ على أموال عزة سليمان وشركة المحاماة الخاصة بها.

ومن اللافت هنا أن السلطات المصرية قد اعتدت على القاعدة القانونية المنصوص عليها في المادة 208 مكرر "أ" من قانون الإجراءات الجنائية المشار إليها أعلاه بالتحفظ على أموالها قبل صدور الحكم. وهذا الأمر يؤشر إلى تطور في موقف السلطات المصرية من المنظمات الحقوقية والذي أصبح متطرفا لدرجة لم تعد تشعر معها بالحرج بمخالفة القواعد القانونية الشكلية. فقامت بإهدارها اهدارا كاملا ولم تتحصن خلف السلطة القضائية كما حصل بخصوص الطلبيين السابقين.

لم يتوقف الأمر عند هذا الحدّ. ففي تطور غير مسبوق تجاه الحقوقيين المصريين، فوجئت عزة سليمان يوم الأربعاء الموافق 7 ديسمبر بإصدار أمر ضبط وإحضار بحقها من قاضي التحقيقات في القضية رقم 173 لسنة 2011 علما بأنها لم تخطر قبل ذلك بأنها متهمة بهذه القضية، ولم يتم استدعاؤها نهائيا من قبل قاضي التحقيقات المستشار هشام عبد المجيد. وبالفعل، تم التحقيق معها وأخلي سبيلها بكفالة 20 ألف جنيه.

عنف الدولة يتزايد في مواجهه المجتمع المدني
قضية سليمان ليست الأولى من نوعها ولا من حيث مخالفة قواعد الإجراءات القانونية، لكنها تعكس تطورا خطيرا في هذا المضمار. فبمراجعة ملفات الحقوقيين موضوع الملاحقة والتحفظ على الأموال، يلحظ أنه لم يتم في أي منها اتباع إجراءات الإعلان القانونية بمواعيد الجلسات، إنما كان الإعلان يحصل بشكل شبه منتظم من خلال وسائل الإعلام.

ففي القضية 173 لسنة 2011 المعروفة إعلامياً بقضية" تمويل المنظمات" العالقة أمام محكمة جنايات جنوب القاهرة، لم يتم إعلان المطلوب التحفظ على أموالهم إعلانا قانونيا على محل سكنهم، لكنهم علموا بالجلسة بخبر منشور بوكالة أنباء الشرق الأوسط مساء يوم الخميس الموافق 17/3/2016 يفيد بأن دائرة قاضي التحقيق القضائية في القضية 173 لسنة 2011 المعروفة إعلاميا بقضية" تمويل المنظمات"، أصدرت قرارا بمنع 4 نشطاء حقوقيين وأسرهم من التصرف في أموالهم. وحددت محكمة جنايات جنوب القاهرة السبت 19/3/2016 للنظر في القرار. يضاف إلى ذلك، أن الخبر تم تسريبه للصحافة بعد انتهاء مواعيد العمل الرسمية، فلم يتمكن فريق الدفاع من الذهاب للمحكمة للإطلاع على القرار. وفي موعد الجلسة المعلن عنه، ذهب فريق الدفاع إلى المحكمة ليفاجأ الجميع بأن هذه الجلسة هي الثانية للنظر في الطلب، وأن الجلسة الأولى عقدت يوم 18/2/2016 الماضي، دون أن يحضر أي من المدعى عليهم. وبناء على طلب الدفاع، تم تأجيل التحقيقات لجلسة 23/3/2016 حيث تم الترافع عن بهجت وعائلة عيد. وفي اليوم السابق للجلسة التالية المحددة في 20/4/2016، فوجئ الجميع بأن محكمة الجنايات تعلن أربعة أشخاص جدد، هم بهي الدين حسن، مؤسس ومدير مركز القاهرة لحقوق الإنسان، بالإضافة إلى أحد العاملين بالمركز، ومصطفى الحسن مدير مركز هشام مبارك للقانون، وأخيرًا عبدالحفيظ طايل مدير المركز المصري للحق في التعليم. وبناء عليه تم تأجيل القضية مرة أخرى وبقيت القضية قيد التداول طوال ستة أشهر، حيث صدر القرار في 17/9/2016 بالتحفظ على أموال حسام بهجت وجمال عيد وبهي الدين حسن وعبدالحفيظ طايل ومصطفى الحسن، ومركزي القاهرة والحق في التعليم وهشام مبارك بينما لم يقبل القاضي طلب التحفظ على أموال زوجة جمال عيد وابنته القاصر وكذلك أحد العاملين بمركز القاهرة من غير مدرائه. وعلى مدى جلسات المحاكمة وأمد التداول فيها، كان يستطيع الكافة التعامل على حساباتهم البنكية في إعمال من السلطات المصرية لصحيح نص المادة 208 مكرر "أ"[1] والتي تغل يد الإدارة عن الحجز على الأموال من دون قرار قضائي.

على صعيد آخر، وبينما تنظر محكمة جنايات جنوب القاهرة في طلب قاضي التحقيق في التحفظ على أموال الحقوقيين المذكورين آنفا، فوجئ الجميع يوم 15/6/2016 بأن محكمة جنايات شمال القاهرة أصدرت حكمها بالتحفظ على أموال الناشط الحقوقي أحمد سميح مدير مركز أندلس للتسامح ودراسات مكافحة العنف، ومنعه من التصرف في أمواله السائلة والعقارية والمنقولة وكذلك أموال المركز. وطبقا لبيان أصدره مركز أندلس، فإنه علم بأن قاضي التحقيق في قضية التمويل الأجنبي طلب من محكمة جنايات شمال القاهرة التحفظ على أمواله من خلال وسائل الإعلام عن طريق خبر صحفي منشور بجريدة الأخبار القومية مع تحديد جلسة يوم الأربعاء الموافق 15/6/2016  للبت في طلب المنع التصرف في أموال وممتلكات أحمد سميح وأموال وممتلكات مركز أندلس لدراسات التسامح ومناهضة العنف. وبناء على هذا الخبر، توجه فريق الدفاع إلى مقر الجلسة المعلن عنها في جريدة الأخبار فأعلم بتغيير مكان الجلسة والقاضي المعلن عنه في الجريدة وتوجه إلى محكمة شمال القاهرة لحضور الجلسة. وطلب الدفاع أجلا للإطلاع على ملف القضية وتمسك بأنه لم يعلن قانونا. إلا أن القاضي تمسك بأنه قام بإعلان أحمد سميح بالقضية على الرغم من تواجده خارج البلاد منذ فبراير2016، ورفض منح المحامين فرصة للاطلاع على أوراق القضية وقرر في نفس الجلسة منع التصرف في أموال وممتلكات المركز ومؤسسه.

ويُلاحظ في الحالتين السابقتين أنّ السلطات المصرية تمسّكت بإعمال نصوص القانون فيما قامت هيئات المحاكم التي نظرت في طلبات قاضي التحقيق بمخالفته، وخصوصا بما يتصل بإجراءات الإعلان. وبمعزل عن مسألة اقتصار التحقيقات على تحريات الأمن الوطني والجهات الأمنية، فإن المحكمتين ارتكبتا تجاوزات للأصول القضائية. فالأولى (جنايات جنوب القاهرة) لم تتبع الطريق القانوني في إعلان الخصوم ولكن يحسب لها أنها منحتهم مزيدا من الوقت للإطلاع وابداء دفاعهم. أما الثانية (جنايات شمال القاهرة) فلم تعمل المحكمة سواء في طريقة الإعلان أو في كفالة ضمانات المحاكمة العادلة وما يرتبط بها من الإطلاع على أوراق الدعوى لتحقيق الدفاع.

لعل هذا العرض يوضح كيف تدرجت السلطات المصرية في العصف بكافة الإجراءات القانونية، وقواعد المحاكمة العادلة والمنصفة حتى وصلت إلى إهدار قيمة القاعدة القانونية بشكل كامل مما ينذر باتخاذ خطوات أكثر عنفا وقسوة في مواجهة الحقوقيين المصرين، لا سيما بعد ضبط وإحضار عزة سليمان باستخدام قوة شرطية وعدم الاكتفاء باستدعائها للمثول للتحقيق، وكأن السلطات المصرية توجّه رسالة مفادها إما الصمت وإما الويل.

التنكيل مستمر
يبدو كذلك أن قضية سليمان لن تكون هي الأخيرة في طلبات التحفظ على الأموال. فهناك العديد من النشطاء تنتظرهم طلبات أخرى بالتحفظ على أموالهم. فجدير بالذكر أنه أثناء نظر طلب التحفظ على أموالها بجلسة 12 ديسمبر، فوجئ فريق الدفاع عن عزة سليمان بوجود طلب آخر من قاضي التحقيق بذات القضية –قضية التمويل الأجنبي -للتحفظ على أموال كلا مزن حسن و«نظرة للدراسات النسوية»، بالإضافة إلى محمد زارع وعاطف حافظ و «المنظمة العربية للإصلاح الجنائي»، وهي القضية المحجوز للحكم لجلسة 11 يناير 2016.

وطبقا للحظة الراهنة، هناك أحكام صدرت بالتحفظ على أموال 7 نشطاء و5 مؤسسات، ومن المتوقع زيادة العدد يوم 11 يناير إلى 10 نشطاء و7 مؤسسات، والعدد مرشح للزيادة دون أي سقف للتوقعات.  

 


[1]  تنص الفقرة الأولى من المادة على الآتي "… إذا قدرت النيابة العامة أن الأمر يقتضي اتخاذ تدابير تحفظية على أموال المتهم بما في ذلك منعه من التصرف فيها أو إدارتها, وجب عليها أن تعرض الأمر على المحكمة الجنائية المختصة طالبة الحكم بذلك ضماناً لتنفيذ ما عسى أن يقضى به من غرامة أو رد أو تعويض…"

انشر المقال

متوفر من خلال:

مقالات ، حريات عامة والوصول الى المعلومات ، مصر



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية