التباس في حكم قضائي بشأن مفهوم العدالة الانتقالية في تونس: لا مرور زمن في قضية تعذيب، ولا كسر لحواجز الصمت


2012-04-10    |   

التباس في حكم قضائي بشأن مفهوم العدالة الانتقالية في تونس: لا مرور زمن في قضية تعذيب، ولا كسر لحواجز الصمت

اصدرت المحكمة العسكرية الدائمة بتونس بتاريخ السابع من شهر افريل 2012  حكمها في القضية التي عرفت ب"براكة الساحل". ووقائع هذه القضية تتلخص في تقدم مجموعة من الضباط السامين والعسكريين السابقين بشكاية سنة 2011 تضمنت انه تم اعتقالهم خلال سنة 1991 بمقر ادارة امن الدولة بوزارة الداخلية التونسية وتعرضوا لتعذيب ممنهج ومعاملة مسيئة خلال تلك الفترة. وقد كان قلم التحقيق وجه الاتهام باعتداء موظف بالعنف الشديد والمشاركة في ذلك على رئيس الجمهورية الاسبق ومجموعة من اركان نظامه وعدد من الاطارات الامنية. وبعيدا عن الطبيعة الفردية للاحكام القضائية واهتمام اطراف الدعوى بمآلها، كان وجه حكم الدائرة الجناحية العسكرية محل انتظار الحقوقيين لامرين: اولهما، ان الشكوى تناولت وقائع تعذيب تحت وطأة اتهامات ملفقة في نظام الرئيس السابق زين العابدين بن علي. وثانيهما، اشكالية مدى قابلية جرائم التعذيب للسقوط بمرور الزمن، بالنظر لكون التهمة كانت في جنحة تسقط وفق احكام القانون الجزائي التونسي بمضي ثلاثة اعوام فيما انها بلغت القضاء بعد مضي عشرين عاما. وبالطبع، تعد هذه الاشكالية اساسية في الظرف الحالي بحيث يؤثر وجه فصل القضاء فيها على سعي ضحايا انتهاكات حقوق الانسان لاعادة فتح ملفات الاضطهاد الممنهج الذي عانوا منه خلال حقبة الديكتاتورية والتي امتدت من اعلان قيام الجمهورية التونسية في سنة 1956 حتى نجاح ثورة 14 جانفي (يناير/ كانون الثاني). فعلاقة نظام رئيس الدولة الاسبق زين العابدين بن علي ومن قبله دولة الاستقلال بحقوق الانسان واستعماله للتعذيب الممنهج وتسخير المؤسسة الامنية والقضائية لتصفية خصومه السياسيين من الحقائق التي انتظر الكشف عنها.
وفي هذا المجال، اثار الضحايا على طول الدعوى بان الانتقال الديمقراطي لا يمكن ان يتحقق الا بمحاسبة من عذبوهم بما ان محاسبتهم تقطع مع ثقافة الافلات من العقاب التي ميزت دولة الاستبداد وترد لهم الاعتبار. وادلوا لهذه الغاية بعلوية الاتفاقيات الدولية على القانون الوطني بعد ان اعتبروا التعذيب طبق مقتضيات المعاهدة الدولية لمناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة او العقوبة القاسية او اللاانسانية او المهينة" التي صادقت عليها الدولة التونسية دون تحفظ يوم 20 اكتوبر 1988 واصبحت بذلك "اقوى نفوذا من القوانين" من الجرائم التي لاتسقط بمرور الزمن. ففقهاء القانون الدولي لحقوق الانسان والقانون الانساني الدولي وفقه القضاء في المحكمة الجنائية الدولية اتفقوا على ان الجرائم المتعلقة بالتعذيب هي جرائم خطيرة لا تسقط بالتقادم شأنها بذلك شأن جرائم الحرب، والجرائم ضد الانسانية وجرائم الابادة. كما ان اللجنة الدولية المنبثقة عن معاهدة منع التعذيب والمختصة في مراقبة مدى احترام الدول الاطراف في الاتفاقية للاحكام المنبثقة عنها، فقد استقر موقفها على ان منع سقوط جرائم التعذيب وغيره من ضروب الممارسات اللاانسانية والمهينة هو مبدأ اساسي من مبادئ القانون الدولي لحقوق الانسان.
بالمقابل، تمسك لسان الدفاع عن المتهمين بان اقامة دولة القانون يستوجب في البداية احترام القانون النافذ وذكروا ان الجنح في القانون التونسي تسقط بمضي ثلاثة اعوام، وان القانون لم يستثن من مفعول القاعدة المذكورة اي جريمة؛ كما تمسك بكون المرسوم عدد 106 لسنة 2011 الذي نص على ان جرائم التعذيب تسقط بمضي خمسة عشر عاما لا يمكن ان يكون له مفعول رجعي علما ان التهمة سقطت بمرور الزمن طبق نصه.
وتبعا لهذا الجدل، انتهت المحكمة العسكرية بدرجتيها الابتدائية والاستئنافية الى اعتبار صفة المتهمين وطبيعة النظام السياسي والمراقبة الادارية التي خضع لها القائمون بالحق الشخصي سببا يعلق تقادم الدعوى الجزائية وذلك بعدما نصت في حيثيات حكمها انها اعتمدت قواعد العدل والانصاف وتبنت قواعد العدالة الانتقالية، منتهية الى القول بكون التهمة لم تسقط بمرور الزمن دون ان تحسم فيما تمت اثارته من دفوع قانونية بشأن مدى امكانية تطبيق الاتفاقيات الدولية. وفي الاصل، اعتبرت الدائرة الاستئنافية بالمحكمة العسكرية الدائمة بتونس في حكمها ان القائمين بالحق الشخصي تعرضوا لتعذيب ممنهج رعته  الدولة، اي ان مؤسسات الدولة التي يفترض فيها تطبيق القانون كانت تخرق القانون عمدا. ويعد هذا التصريح في حد ذاته حدثا هاما في مسار كشف خرق منظومة فساد مؤسسات الدولة خلال حقبة الجمهورية التونسية الاولى. كما كشف الحكم ان دهاليز وزارة الداخلية كانت معتقلات سرية يمارس فيها التعذيب من قبل موظفين احترفوا ذلك وتخصصوا في ايذاء الانفس والاجساد باساليب حذقوها لغاية انتزاع اعترافات بوقائع وهمية. فقد احتاج النظام السياسي لتبرير هجمته الامنية على خصم سياسي هو حركة النهضة الى ادعاء انها كانت تخطط لانقلاب عسكري. ولاجل حبك ادعاءاته اعتقل مجموعة من الضباط السامين والضباط الذين عرفوا بالتزام ونزاهة تقلقه وحاول تلفيق التهمة لهم، فاعلن وزير الداخلية حينها كشف المحاولة الانقلابية واسهب في وصف تفاصيلها فذكر ان الجماعة كانت تعقد اجتماعات سرية بمنطقة براكة الساحل باحد المنازل، وطلب من المحققين حصد اعترافات تتطابق مع السيناريو المعلن. نقل الضباط الى مقر وزارة الداخلية وخضعوا لتعذيب مطول تم التراجع في اثره عن اتهامهم والاكتفاء بعزلهم من عملهم واخضاعهم لمراقبة ادارية غير قانونية اي تم الزامهم بامضاء حضور يومي بمخافر الشرطة واستمر ذلك الى حين سقوط النظام.
وبهذه الرواية، اكد الحكم ما كان يقوله الجميع عن الطبيعة الامنية لنظام الجنرال زين العابدين بن علي. فمن الغريب ان يتم اعتقال عسكريين اتهموا بسعيهم بمناسبة عملهم للقيام بانقلاب عسكري في وزارة الداخلية ويحقق معهم الامن السياسي فيما ان الامن العسكري يعد هو صاحب الصلاحية الوظيفية في الموضوع. ويعد منطوق الحكم في قضية براكة الساحل بهذا المنظور شهادة رسمية عن فساد نظام سياسي ادى الى توظيف المؤسسة الامنية في غير ما اعدت له وحولها من حامية للسلم الاجتماعي الى هيكل يستغل في الحياة السياسية بغاية تعذيب المعارضين وارهاب المواطنين.
ورغم اهمية هذه الشهادة كوثيقة تفضح وتوثق الا ان القائمين بالحق الشخصي اي الضحايا ونواب المتهمين سجلوا قبل الحكم خيبتهم من الطبيعة الانتقائية لمسار التحقيقات التي اتبعتها المحكمة العسكرية في درجتيها. فالطرفان يتوافقان على ادانة تغاضيها عن كشف دور المؤسسة العسكرية في مجريات الوقائع. فالمتضررون يؤكدون بان الاستعلامات العسكرية هي من تولت تقديمهم من مواقع عملهم طوعا الى امن الدولة كما يذكرون اسماء مسؤولين عسكريين عاينوا ما تعرضوا له من تعذيب؛ وهو امر يؤكده المتهمون الذين ذكروا ان الامن العسكري كان له دور اساسي في هذه القضية. الا ان القضاء العسكري بدا وكأنه آثر البقاء وفيا لقانون الصمت بشأن قيادات عسكرية ذكرت اسماؤها اكثر من مرة خلال جلسات المحاكمة.
وتبعا لذلك، ومن دون التقليل من اهميته، جاء الحكم مخيبا من وجهتين اثنتين: انه احجم عن حسم الجدل القانوني الذي لا بد ان يعود فيطرح امام قضائنا الوطني سواء كان عدليا او عسكريا، كما لم يتجرأ عن الكشف عن الحقيقة كاملة من خلال التستر على ادوار عدد من القيادات العسكرية في هذه القضية.
وهذا الامر انما يعيد طرح السؤال حول ماهية العدالة التي نريدها. فانريد عدالة انتقائية تحكمها موازين القوى ورغبات الحكام والمحكومين وتكتفي برسم صورة لعدل يطبق على من فقد سلطانه؟ ام عدالة انتقالية تكشف الحقيقة كما هي دون مواربة، وتحدد المسؤوليات في اطار محاسبة جدية، تبقى مفتوحة ربما للعفو والانصاف بما يسمح بطي صفحة الماضي من دون نسيانها وبكتابة صفحة جديدة تستفيد من العبر المستمدة من اخطاء الماضي؟ ما تؤكده اقوال المتضررين في هذه القضية انهم كانوا غير راضين تماما عن مآل الحكم، الذي يبقى بما لم يقرره كما بما قرره، مدعاة للتأمل. 

انشر المقال

متوفر من خلال:

المرصد القضائي ، استقلال القضاء ، تونس ، عدالة انتقالية



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية