البنك المركزي يَمنح تسهيلات للخزينة العامة: فوضَى الرؤية الاقتصادية


2024-02-06    |   

البنك المركزي يَمنح تسهيلات للخزينة العامة: فوضَى الرؤية الاقتصادية
من زيارة الرئيس قيس سعيّد إلى مقرّ البنك المركزي التونسي، سبتمبر 2023

نظرَت لجنة الماليّة والميزانيّة خلال الأسبوع الفارط بشكل استعجالي في مشروع القانون المتعلّق بالترخيص للبنك المركزي التونسي في منح تسهيلات لفائدة الخزينة العامة، وقد تمّت إحالته لمكتب مجلس نواب الشعب لعرضه على الجلسة العامة، بعد أن وافقت عليه اللجنة بالأغلبيّة. يتضمّن مشروع القانون الذي قدّمته رئاسة الجمهوريّة فصلا وحيدا ينصّ على الترخيص للبنك المركزي التونسي بصفة إستثنائيّة في منح تسهيلات لفائدة الخزينة العامّة للبلاد في حدود مبلغ صاف يبلغ 7000 مليون دينار تُسدد على مدّة 10 سنوات، من ضمنها 3 سنوات إمهال ودون توظيف فوائد، بغرض تمويل جزء من عجز ميزانيّة الدّولة للسّنة الحالية. ويُمثّل ذلك استثناء من أحكام القانون عدد 35 لسنة 2016 المتعلّق بضبط النظام الأساسي للبنك المركزي التونسي الذي كرّس الاستقلاليّة الاقتصادية للبنك في فصله 25، الذي ينصّ على أنّه “لا يمكن للبنك المركزي أن يمنح لفائدة الخزينة العامة للدولة تسهيلات في شكل كشوفات أو قروض أو أن يقتني بصفة مباشرة سندات تصدرها الدّولة”.

منذ سريان مفعول القانون عدد 35 لسنة 2016، والذي منع كافّة أشكال التمويل المباشر من البنك المركزيّ للدّولة، تمّ اللّجوء للبنك بشكل استثنائي للمرّة الأولى سنة 2020 عبر الحصول على تسبقة للخزينة تقدّر بـ 2810 مليون دينار يتمّ تسديدها على مدى 5 سنوات، مع سنة إمهال اندرجت في إطار سدّ النفقات الطارئة التي فرضتها جائحة “كوفيد-19” وفق قانون الماليّة التّعديلي لسنة 2020. في تلك الحقبة المتأزّمة لم يُمثّل التّمويل المباشر للبنك المركزي -رغم استقلاليته- حالة استثنائية على المستوى الدّولي، فقد نَسجَ على منوال عدّة سلطات نقديّة في العالم ليلعب دور “الملاذ الأخير” للدّولة.

اللجوء للبنك المركزي وأزمة الديون الخارجية

للمرّة الثانية تلجأ الحكومة للبنك المركزي بشكل استثنائي، استنادا على الفصل 25 من أجل تمويل عجز الميزانيّة. حسب توقّعات ميزانيّة الدّولة لسنة 2024، ستكُون موارد الاقتراض في حدود 28188 مليون دينار، منها 11743 مليون دينار من السّوق الدّاخليّة في شكل رقاع الخزينة قصيرة متوسطة وطويلة المدى (8180 م.د) وقرض رقاعي وطني (2870 م.د)، وقرض بنكي بالعملة الصّعبة (693 م.د). بينما ستبلغ موارد الاقتراض الخارجي 16445 مليون دينار، منها 10307 م.د غير مشخّصة بعنوان “قروض أخرى”. بينما سيبلغ حجم خدمة الدّين العمومي (أصول وفوائد) سنة 2024، 25797 م.د، ممّا يساوي تقريبا ثلث ميزانيّة البلاد.

كنّا قد رجّحنا في مقال سابق حول ميزانيّة الدّولة للسّنة الجارية، أنّ السّلطة التنفيذيّة ستتوجّه فور المصادقة على قانون الماليّة والميزانيّة للاقتراض من البنك المركزي، في ظل تعثّر الاتفاق مع صندوق النقد الدّولي وصعوبة الولوج للسوق الماليّة العالميّة لتعبئة جزء من الموارد غير المشخّصة، التي تمّت برمجتها في الميزانيّة. غير أنّ هذا التمشّي ينطوي على إشكال منهجي في المقام الأوّل، لأنّ إدارة الدّولة تتطلّب اعتماد دقّة المعطيات ووضوح الرؤية، لذلك كان من الأسلم صياغة هذا الاتفاق والمصادقة عليه في قانون الماليّة، عوض المصادقة على ميزانيّة تتضمّن موارد مجهولة المصادر، ثمّ البحث عن جهات مقرضة.

يبرز ذلك أنّ الحكومة -ومن ورائها رئيس الجمهوريّة- تَعمل وفق فرضيّتين: تتمثل الفرضيّة الأولى في إيجاد مانحين دوليّين، وهو ما أكّدته وزيرة الماليّة خلال جلسة الاستماع المخصّصة للنّظر في مشروع القانون المذكور، إذ عرّجت على وجود محادثات مع مموّلين دوليّين (لم تحدّدهم) للحصول على تمويلات خارجيّة لن تفضي إلى نتيجة خلال الثلاثي الأوّل حسب قولها. وهو ما يُثبت صعوبة المفاوضات التي تخوضها الحكومة في سعيها وراء الاقتراض الخارجي، والذي كان يحتّم عليها اعتماد خيار البنك المركزي منذ البداية في الميزانيّة. وأمام انسداد التّمويل من السوق الماليّة العالميّة، فإنّ المفاوضات اتخذت طبيعة ثنائية على الأرجح مع المانحين التّقليديّين لتونس، على غرار الاتحاد الأوروبي وفرنسا وألمانيا وإيطاليا واليابان الغائبين جميعهم بشكل كلّي عن تمويل موارد ميزانيّة السنة الجارية، في سابقة من نوعها منذ عقود. وفي السوق الماليّة يتمّ الإقراض من قبل المستثمرين الخواصّ، لذلك تكون محدّداته المباشرة اقتصاديّة، وهي بالأساس الملاءة الماليّة (solvabilité financière) لمصدر السّندات ونسبة الفائدة التي سيقع اعتمادها، في حين يُمثّل الجانب السّياسي العامل المحّدد في القروض الثّنائيّة بين الدّول. في هذا السّياق، لن تكون الدّولة التّونسيّة في مفرّ من تقديم تنازلات سياسيّة “لإنجاح” مفاوضاتها المضنية، والتي تبرز خاصّة في التعاطي مع ملفّ الهجرة وإيقاف التّصويت على مقترح قانون تجريم التطبيع مع الكيان الصّهيوني، الذي أشار البرلمان إلى أنه أجّلَ النظر فيه إلى ما بعد المصادقة على قانون الماليّة.

أمّا الفرضيّة الثانية، والتي أقرّتها السّلطة التنفيذيّة أخيرا لتعبئة مواردها غير المعنونة، فتتمثّل في الاعتماد على البنك المركزي للحصول على 7000 مليون دينار. لكن الملفت للانتباه أنّ الحكومة لن تسحَبهَا دفعة واحدة وفق مشروع القانون الذي ينصّ على السّحب، حسب طلبات الخزينة العامّة للبلاد، من دون ذكر الغرض من القرض. وفي المحصّلة سيصوّت النواب كعادتهم على المجهول. وهي وضعيّة شبيهة بحساب جارٍ على ذمّة الحكومة تتصرّف فيه، من دون أيّ تبرير اقتصادي، وفي ظل غياب التّنصيص على عدد أقساط صرفه وقيمتها وتاريخها ومآلها. فقط يمكن أن نفهم من خلال حديث وزيرة الماليّة في جلسة الاستماع بلجنة الماليّة، أنّه سيتمّ سحب القسط الأوّل المقدّر بحوالي 3000 مليون دينار لخلاص قرض رقاعي، يوم 16 فيفري القادم، وقد تمّ إصداره في السّوق الماليّة العالميّة سنة 2017 بقيمة 850 مليون يورو.

بالرّجوع إلى حجم أصل الدّيْن الخارجي الذي سيُسدّد على مدار هذه السّنة، والذي يحوصله الجدول أدناه، نلاحظ أنّه يقارب 7000 مليون دينار، وهو نفس مبلغ القرض. وبالتّالي من السّهل أن نستنتج أنّ المبلغ الجملي الذي ستَسحبه الحكومة موجّه برمّته لخلاص الدّيون الخارجيّة. إلاّ أنّ السّلطة تتحاشى الحديث صراحة عن مواصلة التّداين، لأنّه يعكس عجزها عن القطع مع سياسات “العشريّة” السابقة التي يعرض رئيس الجمهوريّة نفسه كنقيض لها.

أمّا بخصوص اعتماد سحب القرض حسب حاجيات الحكومة، فيرتبط ذلك بمآل المفاوضات بشأن الاقتراض الخارجي، أي أنّ الحكومة يمكن أن تستهلك مجمل المبلغ أو جزءا منه. ويتوقّف ذلك على حجم القروض بالعملة التي سيتم تعبئتها. وهو ما يؤكّد أن الحكومة ورئيس الجمهوريّة يراهنان على الفرضيّة الأولى، التي تبدو بالنّسبة إليهم السيناريو الأمثل، بينما يمثّل اللجوء للبنك المركزي شرّا لا بدّ منه.

تهافت شعار التعويل على الذات

يبدو واضحا أنّ الحكومة ومحافظ البنك المركزي متمسّكون باستقلاليّة البنك المركزي. في المقابل، ما انفكّ رئيس الجمهوريّة يُبرز تناقضاته في إدارة البلاد، حيث أدّى زيارة لمقرّ البنك المركزي في شهر أكتوبر المنقضي انتقد فيها بشكل حادّ موضوع الاستقلاليّة. كما اعتمد على مستوى الخطاب شعاريْ السّيادة الوطنيّة والتّعويل على الذات بدعوى إيقاف نزيف المديونيّة وشروطه المجحفة، أمّا على المستوى الفعلي فقد أكّد لنا ترجيحه كفّة الاقتراض الخارجي. يبيّن ذلك بوضوح ازدواجيّة الخطاب الرئاسي. كما يُبرز اعتماد الارتجال وتعدّد السيناريوهات في تسيير الدّولة، وهو ما يدلّ على غياب الرؤية والبرنامج، ولو على المدى القصير.

مثّلَ مشروع القانون الحالي فرصة للأورثوذكسيّين المحليّين من أنصار المدرسة النّقديّة وأطروحة استقلاليّة البنك المركزي من أجل تكرار الأسطوانة المعتادة، والمتعلّقة بمخاطر الاقتراض من البنك المركزي وآثاره في ارتفاع مستوى التضخّم على المدى الطّويل، خصوصا مع طول فترة السّداد المصحوبة بفترة إمهال. إلاّ أنّ ذلك مجانب للصّواب في تقديرنا، لأنّ العمليّة ستتجسّد تقنيّا على النّحو التالي: حيث سيتمّ إدخال المبلغ الذي ستطلبه الحكومة من البنك المركزي في حساب الخزينة العامّة بمجرّد كتابة محاسبيّة، وليس عن طريق طبع العملة وفق الدّعاية السّائدة. إثرها ستقوم الحكومة بشراء العملة الصّعبة من البنك المركزي بالمبلغ الذي تمّ ترسيمه في حساب الخزينة بالدينار. وهكذا ستتحصّل الحكومة فعليّا على مبالغ بالعملة الصّعبة لتحويلها للخارج، لسداد أقساط الدّيون، وليس لضخّها في السّوق الدّاخلية. لذلك لن يؤثّر ذلك على حجم الكتلة النقديّة والتضخّم.

بالإضافة إلى ذلك استندَ المناوئون للتمويل المباشر للدوّلة من البنك المركزي، إلى الحجّة التي تقول بأنّ القرض سيخلق “حالة مزاحمة اقتصاديّة” (Effet d’éviction) والتي تعني أنّ الدّولة ستُزاحم القطاع الخاصّ في التّمويل، ما سيؤدّي إلى الترفيع في كلفة التّمويل وإلى شحّ السّيولة النقديّة. تنبني هذه القراءة القائمة على التّخويف على حجّة واهية، فمثلما ذكرنا سابقا ستتحصّل الحكومة في الحقيقة على مبلغ القرض بالعملة الصّعبة من البنك المركزي لتحويله للخارج، أمّا القطاع الخاصّ فتتمّ عمليّات تمويله من البنوك التّجاريّة بالدّينار. لذلك لن تؤدّي العمليّة الماليّة موضوع الحال إلى ترفيع الطّلب على العملة المحليّة.

في حقيقة الأمر، سيؤثّر هذا القرض بشكل مباشر على احتياطي البلاد من العملة الصّعبة لدى البنك المركزي، والذي يناهز 25761 مليون دينار حسب آخر تحيين (2 فيفري 2024) ما يساوي 117 يوم توريد، وهي تُعتبر وضعيّة اقتصاديّة مريحة نسبيّا. فبالعودة لتاريخ الاقتصاد التّونسي، نلاحظ أنّه منذ سنة 1986 إلى غاية سنة 2004 لم تَصِل أيّام التوريد عتبة 90 يوما أو تتجاوزها بقليل إلاّ مرّات معدودة، وقد بلغت ذروتها إلى حدّ يقارب 190 يوم توريد بين 2006 و2009، كنتيجة لخوصصة جزء من شركة اتّصالات تونس عبر بيع 35% من أسهمها وليس كنتيجة لتطور مداخيل التّصدير. لكن يجب الإشارة إلى أنّ هذه الوضعيّة المريحة كانت على حساب توريد الموادّ الأساسيّة كالحبوب والدّواء.

يُعادل مجمل القرض -أي 7000 م.د- ما يقارب 32 يوم توريد، في حين تُعادل عمليّة السّحب الأولى -أي 3000 م.د- حوالي 14 يوم توريد. لذلك فإن المخاوف الحقيقيّة التي ستُواجهها البلاد ستكون مرتبطة بانخفاض سعر الدينار، بخاصّة بعد تحرير سعر صرفه. إضافة إلى مزيد التضييق على توريد الموادّ الأساسيّة، وما سيخلقه من ضغوط تضخميّة إضافيّة نتيجة نقص العرض وليس نتيجة ارتفاع الكتلة النقديّة. في حقيقة الأمر، يبدو أنّنا سائرون في هذا الاتّجاه، في ظلّ سلطة شعبويّة فاقدة لأيّ برنامج تنموي، وتستعين بالتّقنيّين في إدارة البلاد وفق جدول محاسباتي. لأنّ امتصاص المخاطر التي ذكرناها ممكن، في إطار توجّه شامل يقتضي في مرحلة أولى وبشكل استعجالي تجميد توريد المنتجات الفاخرة والكماليّات والسّلع الرّخيصة التي تزاحم المنتوجات المحليّة، كالموادّ البلاستيكيّة التي غزت السوق التّونسيّة واستنزفت العملة الصّعبة. فهل من الصّواب ألاّ تستورد الدولة أدوية الأمراض المزمنة، بينما تستورد سلعا مثل “الكيوي” والأناناس”؟

في الختام، تجدر الإشارة إلى أنّ النّقاش حول استقلاليّة البنك المركزي التونسي أصبح نقاشا غير مفيد في بعض الأحيان. إذ أن السّؤال الجوهري يتمحور حول الدّور التّنموي والمسؤوليّة الاجتماعيّة التي يَجب أن يتحمّلها بنك الدّولة. في هذا السّياق، يوجد في رفوف البرلمان مقترح قانون[1] يشتمل على توافق واسع بين النوّاب، ويتعلق بتنقيح القانون عدد 35 لسنة 2016 المتعلق بضبط النظام الأساسي للبنك المركزي التونسي للسماح له بتمويل عجز ميزانيّة الدّولة بشكل دائم ومسقّف. لذلك كان من الأجدر بالنوّاب -في صورة استقلالهم عن حسابات رئيس الجمهوريّة- اعتماد مقترح القانون المذكور، بعد ربط التّمويل بأهداف تنمويّة عوض الذّهاب في منطق الاستثناء الذي ينطوي على أسلوب سحب غير شفّاف. كما يبدو أنّه سيصبح الاستثناء-القاعدة في السّنوات المقبلة، في ظلّ أسلوب تسيير الدّولة الرّاهن.


[1] https://www.arp.tn/ar_SY/loi/project/3934

انشر المقال

متوفر من خلال:

مصارف ، مقالات ، تونس ، اقتصاد وصناعة وزراعة



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية