البرلمان التونسي يصادق قانون الإقتصاد التضامني والاجتماعي: حلم متجدد لنموذج اقتصادي بديل


2020-07-02    |   

البرلمان التونسي يصادق قانون الإقتصاد التضامني والاجتماعي: حلم متجدد لنموذج اقتصادي بديل

في مشهد توافقي نادر، صادق مجلس نواب الشعب يوم 17 جوان على قانون الإقتصاد التضامني والإجتماعي ب131 صوتا مقابل احتفاظ وحيد. أتت هذه المصادقة بعدما رفض البرلمان طلب حكومة الفخفاخ سحب مشروع القانون المقدم من قبل الحكومة السابقة، قصد إعادة النظر فيه. ورغم إجماع الكتل على أهمية هذا القانون للتأسيس لقطاع اقتصادي ثالث يكون ركيزة لمنوال التنمية الجديد وحلا لأزمة البطالة ومساهما في محاربة الفقر وإدماج الاقتصاد الموازي، فإنهم عبروا خلال النقاش العام عن جملة من الإحترازات لم تتطرق كثيرا لصلب الموضوع. ورغم ما تخلل الجلسة من تجاذبات أضحت اعتيادية، فإن البرلمان نجح على الأقل في تجاوز حالة شبه العطالة التشريعية التي طبعت جلساته العامة في الأشهر الماضية.

 

مشروع القانون، بين تردّد الحكومة وإصرار رئيس لجنة الفلاحة

بدأ الحديث على مشروع قانون ينظم الاقتصاد الاجتماعي والتضامني منذ الندوة الثلاثية التي جمعت في ماي 2015 الحكومة بالإتحاد العام التونسي للشغل، ممثل الشغالين، والإتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية الممثل للأعراف. وبعدما أعدت المركزية النقابية مسودة أولى، شكّلت الحكومة «لجنة قيادة» في سبتمبر 2017 لصياغة مشروع القانون، بالإستئناس ب”خبير دولي” ساهم في صياغة الإطار القانوي للإقتصاد التضامني والإجتماعي في 18 دولة، مما أثمر صيغة لم تنل رضا الإتحاد العام التونسي للشغل. هذه الصيغة هي التي أودعتها حكومة يوسف الشاهد لدى البرلمان في آخر سنة 2019، بالتزامن مع مفاوضات تشكيل الحكومة الجديدة.

شرعت لجنة الفلاحة والتجارة والخدمات ذات الصلة بمجلس نواب الشعب في مناقشة مشروع القانون منذ فيفري 2019، وقد عقدت معظم اجتماعاتها بخصوصه خلال أزمة الكورونا. وبعدما أنهت اللجنة نظرها فيه، أرسلت الحكومة لمجلس نواب الشعب طالبة سحبه هو ومعظم مشاريع القوانين المقدمة من الحكومة السابقة والعالقة في أدراج المجلس، إلى حين إعادة النظر فيها والعودة بصيغة جديدة. لكن النظام الداخلي لا يخول لجهة المبادرة سحب مشروع القانون طالما خرج من اللجنة إلى الجلسة العامة، وهو ما استند إليه البرلمان لرفض طلب الحكومة.

لم يخفِ رئيس لجنة الفلاحة والنائب عن حركة النهضة معز بالحاج رحومة انتقاده لطلب رئاسة الحكومة، بل أنه اتهمها بمحاولة «إفشال المشروع» بالضغط على عدد من النواب، وهدّد بالخروج في ندوة صحفية وتصعيد لهجته إذا ما تم تعطيل مرور مشروع القانون. نفس الموقف عبّر عنه معظم نواب حركة النهضة في تدخلاتهم خلال جلسة النقاش العام لمشروع القانون. صحيح أن حركة النهضة هي الطرف الأساسي، على الأقل عدديا، في الإئتلاف الحاكم، لكن هذه التصدعات أصبحت معتادة داخله.

 

غير أن الدعوات لمزيد دراسة مشروع القانون أتت كذلك من بعض الكتل، سواء الحاكمة (باستثناء النهضة) أو المعارضة كالحزب الدستوري الحر. استندت هذه الدعوات إلى ضعف مناقشته داخل لجنة الفلاحة، إذ لم تعقد هذه الأخيرة لدراسته سوى أربع جلسات استماع وجلستين فقط لمناقشة الفصول والتصويت عليها، ومعظمها التئم عن بعد خلال الحجر الصحي. في نفس الوقت، يبدو أن معظم النواب كانوا في حاجة إلى تسجيل إنجاز تشريعي يُحسب للمجلس، لعله يتدارك شيئا مما أفسدته مشاهد العراك والتعطيل في صورته لدى الرأي العام.

من جهته، حضر وزير التكوين المهني والتشغيل مدافعا على مشروع القانون، وشارك في جلسة التوافقات حوله، التي لم تجد صعوبة في الوصول لصيغة حظيت بشبه إجماع الكتل النيابية. كما لم يفوت رئيس الحكومة فرصة جلسة الحوار معه في البرلمان، كي يحيي النواب على مصادقتهم على هذا القانون المهم، ويتعهد بالإسراع في تطبيقه.

 

نقاش بقي في معظمه على هامش الموضوع

كالعادة، لم تخلُ جلسة التصويت من مشاحنات نتيجة رفع نواب كتلة إئتلاف الكرامة صورة الرئيس المصري السابق محمد مرسي، وتهديد كتل أخرى كالدستوري الحر والإصلاح بعدم استئناف التصويت إذا لم تسحب الصورة. في النهاية، تم تجاوز هذه الحادثة، بعدما انسحبت كتلة ائتلاف الكرامة من الجلسة.

أما جلسة النقاش العام التي سبقتها، فلم تتعرض فعليا لجوهر الموضوع، ولم تظهر فيها رؤى متقابلة ولا مواقف دقيقة. فالكل أجمع على دور الإقتصاد الإجتماعي والتضامني في التنمية والتشغيل، وضعفه في تونس بالمقارنة مع مكانته في التجارب المقارنة، وأكدوا على خصوصيته التضامنية وغير الربحية ومزاياه الاجتماعية. فأظهرت هذه الجلسة كيف أن الاقتصاد التضامني والاجتماعي يشكّل في تونس كلمة سحرية يلتقي الجميع عليها، على اختلاف رؤاهم الإقتصادية، مثلما لاحظ ذلك باحثان اشتغلا على الموضوع منذ سنوات[1].

بقي النقاش إذن في العموميات، باستثناء نقطتين تعرضت لهما معظم المداخلات، وهما المطالبة بأن يأخذ هذا القانون شكل قانون أساسي، والتحذير من إمكانية استعماله من قبل بعض الجمعيات المشبوهة.

المطالبة بأن ينظم الاقتصاد الاجتماعي والتضامني بقانون أساسي جاءت في البداية من الإتحاد العام التونسي للشغل، وذلك لضمان علويته على القوانين الخصوصية المنظمة لبعض مكونات الإقتصاد التضامني والاجتماعي كالشركات التعاونية للخدمات الفلاحية المنظمة بالقانون عدد 94 لسنة 2005. كما شاطرت معظم الأطراف المستمع إليها داخل اللجنة هذا المطلب، ومنهم الإتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري وقطب الاقتصاد الاجتماعي التضامني. تبنى نواب من كتل مختلفة هذا المطلب، من دون أن تكون الحجة الدستورية واضحة. ليس هذا القانون الأول الذي يطرح سؤال حول الشكل الذي يجب أن يأخذه حسب الفصل 65 من الدستور، وبالتالي حول الأغلبية اللازمة للمصادقة عليه. وبغض النظر عن جدوى هذا التمييز الدستوري المستوحى من التجربة الفرنسية، بين قوانين عادية وقوانين أساسية، فقد حُسم الجدل بخصوص قانون الاقتصاد التضامني والاجتماعي بعد تذكير وزير التكوين المهني بموقف المحكمة الإدارية بعد استشارتها حول الأمر، وهو أن يتخذ هذا النص شكل قانون عادي. إلا أن إشكال التناسق بين هذا القانون وبين القوانين الخاصة القديمة يظلّ مطروحا، خاصة وأن الفصل الخامس منه نصّ بوضوح على أن المؤسسات الموجودة في تاريخ صدوره تبقى خاضعة كذلك للمشاريع الخاصة بها.

أما النقطة الثانية التي استأثرت بقدر هام من النقاش، فهي المخاوف من استفادة بعض ”الجمعيات المشبوهة”  والمرتبطة بأحزاب سياسية من هذا القانون والإمتيازات التي يمنحها لتحقيق غايات أخرى. هذه المخاوف مردّها أن الفصل الثاني من مشروع القانون ذكر الجمعيات ضمن الذوات المعنوية التي بإمكانها، شريطة احترامها لمقتضيات القانون، أن تتحصل على علامة «مؤسسة اقتصاد تضامني واجتماعي»، شأنها شأن التعاضديات والشركات وجمعيات التمويل الصغير والجمعيات التعاونية وغيرها من الأصناف. وإن كان ذكر الجمعيات في هذه القائمة ناتجا على غالب الظن عن تجربة واحات جمنة، التي ساهمت بشكل كبير في التعجيل بصياغة هذا القانون، فإن المخاوف من استفادة جمعيات مشبوهة تعكس خاصة مناخا عاما تحكمه الريبة من الجمعيات. صحيح أن عددا من الأحزاب السياسية استفاد من هامش الحرية الذي يوفره الإطار القانوني للجمعيات، وأن بعض الجمعيات قد تكون استعملت كغطاء لغسيل الأموال أو تمويل الإرهاب، لكن ذلك ناتج على تقاعس الحكومات المتعاقبة عن تفعيل الآليات الرقابية التي يتيحها المرسوم عدد 88 لسنة 2011 إلا في السنوات الأخيرة، أكثر من كونه قصورا عند صياغة النصّ. هذا الجدل أثمر فصلا إضافيا ينص على خضوع مؤسسات الاقتصاد الاجتماعي والتضامني إلى «الرقابة حسب التشاريع الجاري بها العمل»، أي أنه فصل إضافي دون أي إضافة فعلية، بما أن الاجراءات الرقابية المنصوص عليها في مختلف القوانين تبقى سارية المفعول.

ولعل تركيز معظم المداخلات على هاتين النقطتين يدلّ خاصة على ضعف إلمام النواب بالمسائل الاقتصادية والتقنية، مما يجعل النقاش، في معظم الأحيان، يبقى في العموميات، وتتكرر فيه نفس المعطيات المذكورة في تقرير اللجنة دون إضافة تذكر، ويكثر فيه التطرق إلى مسائل جانبية.

 

الاقتصاد التضامني والاجتماعي: علامة تسمح بالانتفاع بامتيازات متنوعة

منذ المراحل الأولى لصياغة مشروع القانون، استقرّ الخيار على المقاربة القائمة على «إسداء علامة»، أي أن كل من تتوفر فيه الشروط القانونية يطلب الحصول على علامة «مؤسسة الاقتصاد التضامني والاجتماعي»، وهو ما يفتح الباب أمامه للانتفاع بالامتيازات المالية والجبائية المقررة بالقانون والنصوص الترتيبية.

لكن، على خلاف قانون المؤسسات الناشئة ((Startup Act الصادر سنة 2018، والذي اعتمدت فيه نفس المقاربة، لم يحدد مشروع القانون الطرف المسؤول على استقبال المطالب وإسناد العلامة، وإنما اكتفى في فصله الثالث بالإحالة إلى أمر تطبيقي يضبط إجراءات وشروط ذلك، على أن يصدر في أجل شهرين على أقصى تقدير من دخول القانون حيز النفاذ. كما اقتضى نفس الفصل، توقيا من التعطيلات البيرقراطية، أن تكون الإجابة على مطلب إسناد العلامة في أجل شهر من إيداعه، وأن عدم الإجابة بانقضاء هذا الأجل تعتبر موافقة.

 

التحصل على علامة «مؤسسة اقتصاد تضامني واجتماعي» يتيح جملة من الامتيازات، منها امتيازات جبائية      لم يذكرها القانون، وإنما أحال إلى الامتيازات الموجودة في القانون حسب صنف المؤسسة وطبيعة نشاطها ودون التقيد بجهة الإنتصاب، وامتيازات مالية ستضبط في أمر حكومي وتخضع لنفس الشروط. كما تخصص لهاته المؤسسات نسبة من الطلبات العمومية، أي الصفقات العمومية واللزمات والشراكة بين القطاع العام والخاص، مع احترام المنافسة وتكافؤ الفرص بينها.

وتتمتع كذلك مؤسسات الاقتصاد التضامني والاجتماعي بآليات تمويل خاصة، كتخصيص خطوط تمويل لدى المؤسسات المالية بصفة تفاضلية وخط ضمان ليتسنى لهم التحصل على قروض، يتم تمويله من موارد الصندوق الوطني للتشغيل ومساهمات المستفيدين. في المقابل، لم يتم الأخذ بمقترح إنشاء بنك تعاوني الذي طالب به الإتحاد العام التونسي للشغل، ولا حتى التنصيص على امكانية إنشاء بنوك تعاضدية على أن تنظم بنص لاحق.

أما ما يضمن الطابع التضامني والاجتماعي لهذه المؤسسات، فهو التزامها في أنظمتها الأساسية بعدد من المبادئ، ك”أولوية الإنسان والغاية الاجتماعية على رأس المال”، والتسيير الديمقراطي والشفاف بالاعتماد على قاعدة صوت واحد لكل عضو، والتعاون الطوعي والمساعدة المتبادلة فيما بينها. لكن يبقى أهم شرط هو الربحية المحدودة، حيث لا تتجاوز الأرباح الموزعة نسبة 25%مما يتبقى من الفواضل بعد تخصيص الاحتياطات الوجوبية، ومبالغ المساهمة في الأنشطة الاجتماعية والثقافية والبيئية التي لا يجب أن تتجاوز نسبة 5%، مما يبدو توجسا من تكرار تجربة واحات جمنة. أما ما تبقى، فيوظف في تنمية نشاط المؤسسة وتطويرها أو في المساهمة في بعث مؤسسات جديدة في إطار الاقتصاد التضامني والاجتماعي. لكن هذا المبدأ لا ينطبق على الجمعيات، حيث لا يمكن لها أن تكون لها غاية ربحية. في نفس الوقت، خصّ المشرع الجمعيات بشرط آخر، لتفادي استعمالها لغاية ربحية مقنعة، وهي أن لا يتجاوز معدّل تأجير الأجراء الثلاثة الأعلى رتبة، باحتساب المنح، 8 مرات الأجر الأدنى القطاعي.

 

قانون يساهم في «التضخم المؤسساتي»

شكلت مسألة الإشراف على قطاع الاقتصاد التضامني والاجتماعي أحد الرهانات في مشروع القانون، بين من يطالب بهيكل تمثيلي للمؤسسات نفسها يضطلع بالدور الأكبر، والحكومة المتشبثة بالإشراف على هذا القطاع عبر هياكل خاضعة لسلطتها. في النتيجة، نصّ القانون المصادق عليه على إحداث هيئة عمومية مستقلة، ولكن خاضعة لإشراف الوزارة المكلفة بالاقتصاد التضامني والاجتماعي، تختص بإدارة جميع الجوانب الفنية المتعلقة به، وتضطلع بمهام عديدة منها توفير المرافقة والتأطير للمؤسسات المعنية وإعداد الدراسات والاستراتيجيات والخطط. وبالإضافة إليها، أحدث القانون مجلسا أعلى للاقتصاد التضامني والاجتماعي تابعا لرئاسة الحكومة، يختص بإدارة الحوار التشاركي بين مختلف الأطراف، وباقتراح التوجهات الكبرى وإبداء الرأي في مشاريع النصوص المتعلقة بالموضوع. لكن اللجنة نصت على أن تضم تركيبته، بالإضافة إلى ممثلي الهياكل العمومية، ممثلين عن مؤسسات الاقتصاد التضامني والاجتماعي وخبراء مستقلين وممثلين للمجتمع المدني.

 

كما تمت إضافة فصل ينصّ على أن تشكل مؤسسات الاقتصاد التضامني والاجتماعي هياكل تمثيلية تجمعها على المستوى المحلي والجهوي والوطني لتنسيق أنشطتها المشتركة وتطوير قدراتها، وذلك استجابة لمطلب بعض الأطراف المستمع إليها، التي أشارت إلى أن عددا من القوانين المقارنة يضمن ذلك. لكن لم يتم إفراد هذه الهياكل بدور استشاري أو تقريري في تنظيم القطاع.

ما من شكّ أن المصادقة على هذا القانون تبقى خطوة إيجابية، نظرا لغياب إطار تشريعي يوحد مؤسسات الاقتصاد التضامني والاجتماعي ويشجع على بعثها. لكن نقاش هذا القانون لم يكن في المستوى المأمول، وشبه الإجماع في التصويت النهائي يعود خاصة لاقتصار رؤية مختلف الأحزاب في هذا المجال على أنه حل سحري لإشكالات تعطل النمو البطالة والتهميش، دون أن يكون لها أفكار واضحة عن سبل تحقيق ذلك. ظهر ذلك أيضا بعد المصادقة على مشروع القانون، حتى أن رئيس لجنة الفلاحة، الذي جعل من تمريره معركة شخصية له، لم يتردد في وصفه بأنه «قانون ثوري سيحدث نقلة نوعية بأتم معنى الكلمة»  وأنه «أفضل هدية من البرلمان للشعب التونسي بعد الثورة». نفس الكلام أعاده رئيس المجلس راشد الغنوشي. آمال عريضة معلقة على هذا القانون، قد تصطدم بواقع أقل وردية عند التطبيق. فلنتابع…

 


[1] Ester Sigillò and Damiano De Facci, « L’économie sociale et solidaire : une nouvelle économie morale pour la Tunisie ?. La construction de l’« alternative » à Médenine », L’année du Maghreb, 2018-18, https://doi.org/10.4000/anneemaghreb.3494.

 

انشر المقال

متوفر خلال:

اقتصاد وصناعة وزراعة ، المرصد البرلماني ، تونس



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *