“البؤساء” وتجّار الحدود: أو تسليع البشر في أبشع أشكاله


2023-10-06    |   

“البؤساء” وتجّار الحدود: أو تسليع البشر في أبشع أشكاله
برج مراقبة للجيش على الحدود الشمالية- تصوير بشير مصطفى

بدأت القصة حين اتّصل بي أحد معارفي كوني، بحكم عملي الصحافي، أتابع ملف اللجوء السوري في لبنان وظاهرة تهريب الأشخاص على الحدود، ليسألني إذا كان بإمكاني مساعدته للعثور على متبرّع بكلية، طبعا مقابل المال (للمتبرع)، لقريبه الذي يعاني من فشل كلوي وعلى سرير الموت، “عم يقولوا بيأمنوا أعضاء عن الحدود” قال لي. طبعا رفضت الدخول في أمر مماثل، ولكن ما حصل دفعني إلى البحث أكثر وراء المعلومات التي كانت قد تواترتْ إليّ عن تجارة الأعضاء المزدهرة على الحدود اللبنانية السورية ربطا بهشاشة أوضاع السوريين عامّة وفقر بعضهم وعوزهم وانهيار الوضع الاقتصادي والمعيشيّ في سوريا وتعرّض العابرين منها إلى لبنان تهريباً لمروحة واسعة من الانتهاكات الجرميّة، من التجار-المهربين والسماسرة على الضفتين. وقد تزايد الحديث عن هذه الانتهاكات مع الارتفاع غير المسبوق في أعداد الأشخاص السوريين المهربين خلال الأشهر الأخيرة، وتحديدا منذ بداية النصف الثاني من هذه السنة.

المفكرة جالت على العديد من النقاط الحدودية بين لبنان وسوريا بهدف رصد الإنتهاكات بحق اللاجئين السوريين بالدرجة الأولى، لتصل إلى توثيق مروحة من ثماني جرائم خطيرة تشهدها الحدود الممتدة على طول 378 كيلومترا، وهي تحديدا: تجارة الأعضاء، البغاء، الاغتصاب، الخطف بقصد قبض فدية مالية، المخدرات، السلاح، تهريب الأشخاص وسرقة السيارات، وهي معلومات استُقصيت من مصادر عدة، بعضها أمني، وكذلك من مهربين وأحيانا من ضحايا، وتمّ تأكيد بعضها بالعين المجردة، وخصوصا آليات نقل الأشخاص من فانات وبيك أب بطريقة تشبه نقل المواشي، ومعها انتشار كراجات فرط السيارات المسروقة وبيعها قطعا بعدما باتت جمركتها في سوريا غير متاحة كما كانت من قبل. ومعظم هذه الجرائم عابرة للحدود خارج سوريا ولبنان، وتحديدا الأعضاء البشرية والمخدّرات والبغاء وطبعا هجرة الأشخاص، وكذلك السلاح ما بين العراق وسوريا ولبنان.

المفكرة لن تدخل هنا في تسمية المعابر غير النظامية الأكثر نشاطاً، ولا في هوية الأشخاص المتورطين في التهريب والجرائم على أنواعها سواء في الداخل السوري أو في لبنان، بل سنركّز في هذا المكان على الإضاءة على الانتهاكات التي يتعرّض لها اللاجئون السوريون العابرون للحدود وتوثيقها، وهي في الآن نفسه انتهاكات لسيادة لبنان وبخاصة على حدوده، مع ما يستتبع ذلك من مخاطر اجتماعية جمّة.

إنما يهمنا أن نسجّل منعا لأي لغط أنّه تأكد لنا أن الأجهزة الأمنية الرسمية في سوريا ولبنان على علم بكل ما يجري، لا بل أن كبار المهربين ومتزعّمي العصابات يسرحون ويمرحون أينما يريدون على ضفتي الحدود، فيما يتم القبض على سائق فان أو بيك أب أو غيرهم من صغار المشتغلين مع “كبار المرتكبين”، ويتم الإفراج عنهم في غضون أيام في معظم الأحيان. هذا مع العلم أنّ العلاقات بين المهربين والعناصر والضباط في بعض الأجهزة الأمنية على الضفتين السورية واللبنانية يتوسط حديث الناس على المنطقة الحدودية. 

كما من المهم أن نشير هنا إلى أن السيطرة على الأنشطة الحدودية منظمة في إطار إيقاع مزاد سنوي على طريقة المناقصة، ولكل قطاع حدودي مزاده، وأحد هذه المزادات حصل قبل نحو 10 أيام من اليوم ونتائجه لم تصدر بعد، بعدما كان بعهدة أحد النافذين ويدعى أ.ع.خ، ملقب ب “ج”، والذي لا يتمتع بحظوظ للتجديد له هذا العام. وعادة يرسي المزاد، (تقدم إليه خمسة أشخاص هذا العام” وفق ما علمت المفكرة، على شخص واحد يتمتع بنفوذ وسلطة يتولى فرض الخوات على الرؤوس المرتكبة للأنشطة غير النظامية. وتصل كلفة ما يُدفع شهريا، وفق المزاد، إلى نحو 5 ملايين دولار إلى أحد الأجهزة الأمنية السورية. وتشمل صلاحية المزاد كل ما يُنقل بالآليات من بضائع وسلع وأشخاص وممنوعات، ويدفع كل مهرب مبلغا محددا بالثلث لرجال الفائز بالمزاد وحواجزهم الطيّارة أو الثابتة، ليعبر بسلام من دون تفتيش سيارته حتى، وهذا ينسحب أيضاً على أجهزة أمنية سورية حدودية تتلقى بدورها مبالغ مالية مقابل التغاضي عن الأنشطة نفسها.  

عدد من السورين المهربين في آلية بيك آب

خريطة الحدود وأسباب زيادة تهريب الأشخاص

توافرت للمفكرة معلومات تعيد سبب هذا الارتفاع الكبير لتهريب الأشخاص إلى لبنان إلى قرار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ترحيل مليون لاجئ سوري في تركيا إلى الشمال السوري، وإعلانه في 11 أيلول 2023 عن العودة الطوعية ل 600 ألف لاجئ سوري إلى المنطقة هذا العام. عودة اعترضت منظمات حقوقية وناشطون على وصفها بالطوعية، متحدثة عن اعتقالات جماعية وترحيل سجناء سوريين في تركيا والقبض على الداخلين بطريقة غير نظامية وإعادتهم من حيث أتوا. وتتطابق معطيات إعلان أردوغان مع شهادات مهربي أشخاص على الحدود أفادوا المفكرة أن معظم عابري الحدود تهريبا حاليا هم من ريف حلب المعارض ومن إدلب وتل أبيض، وهي مناطق أعادت تركيا اللاجئين إليها، وكذلك من السويداء على خلفية الأحداث الأخيرة هناك. وأشارت المنظّمات والناشطون أنفسهم إلى أن الرقم المعلن من قبل أردوغان هو أقل بكثير مما يحصل على الأرض، حيث شكل نحو 4 ملايين لاجئ سوري نظامي تقول تركيا أنها ترزح تحت عبئهم (غير فاقدي الأوراق الرسمية النظامية) رأس حربة في السباق الرئاسي بينه (بين أردوغان) وبين كمال كليجدار أوغلو الذي نافسه على الترشح لمنصب الرئاسة.   

بناء على ما تقدم، يُقدّر أحد المهرّبين ارتفاع حركة العبور على الحدود من سوريا إلى لبنان يوميا من نحو ألفي شخص قبل ثلاثة أشهر إلى ما بين 3 إلى 5 آلاف شخص اليوم. يؤتى بهؤلاء بدءا من العريضة في عكار(بداية الحدود الساحلية مع سوريا) مرورا بالحدود في قضاء الهرمل (القصر ومطربة وحوش السيد علي) وبجوسيه عبر مشاريع القاع وجرود عرسال ونحلة ويونين وبريتال (قضاء بعلبك) وحام ومعربون والطفيل (على حدود سرغايا والزبداني السوريتين على كتف الشام) وصولا إلى المصنع ومحيطه (في البقاع الأوسط) استكمالاً إلى البقاع الغربي ودير العشاير (نحو دمشق)، انتهاء بجنوب لبنان وتحديدا شبعا وتماسها مع عرنة وبيت الجن السوريتين. وهي حدود قال الجيش اللبناني خلال جولة نظمها للإعلام أمس الخميس (5 تشرين أول 2023) أنه يحتاج إلى 10 آلاف عسكري لضبطها بينما المتوفر نحو 1100 عسكري يذهب بعضهم في مأذونيات وإجازات بشكل دائم.

نحن نتحدث عن حدود بطول 378 كيلومترا تفصل بين البلدين، نصب الجيش اللبناني عليها 40 برج مراقبة مزودة بكاميرات نهارية وليلية، وأنشأت عليها الدولتان اللبنانية والسورية خمسة معابر نظامية بينها معبريّن في البقاع هما المصنع أو جديدة يابوس، وفق التسمية السورية، (من البقاع الأوسط نحو العاصمة دمشق)، وجوسيه من القاع (البقاع الشمالي) إلى ريف القصير وحمص، وثلاثة معابر في شمال لبنان (عكار تحديدا) وهي العريضة (نحو طرطوس واللاذقية) والدبوسية (نحو حمص والداخل السوري) وجسر أقمار في البقيعة في وادي خالد ويُعرف بمعبر تلكلخ في سوريا (نحو بحيرة قطينة وحمص والداخل السوري أيضا).

إلى جانب هذه المعابر النظامية التي تتركز عليها أجهزة الأمن العام والجمارك ومخافر الدرك، سبق وتحدث وزير الدفاع اللبناني الأسبق الياس أبو صعب عن انتشار 74 نقطة للجيش اللبناني ومخابرات الجيش على طول هذه الحدود، مقدراً في حديث إعلامي في العام 2020 أن الحركة المالية للتهريب على هذه الحدود تبلغ 2.5 مليار دولار سنويا.

2.5 مليار دولار مبلغ هائل طبعا، ولكن يبدو أن أبو صعب أسقط من حساباته تجارة الممنوعات الناشطة كالنار في الهشيم، ومعها الجرائم المنظمة وطبعا السيولة المالية الخضراء (الدولار) المتأتية عن تهريب البشر المستعر على الحدود. الأشخاص المتاجر بهم يقع بعضهم ضحايا تجارة الأعضاء البشرية التي صارت حديث وسائل إعلام سورية منذ فترة، واستفحلتْ إلى درجة الإعلان قبل عام عن توقيف 19 طبيبا متورطا فيها والحكم عليهم بالإعدام. ويبدو أن رقم الوزير الأسبق أبو صعب كان يتحدث عن تهريب السلع التجارية على مختلف أنواعها ويساهم (تهريب السلع) في كسر قانون قيصر منذ إقراره. تهريب لم يتوقف بين سوريا ولبنان تاريخيا، ومنذ لحظة تقسيم اتفاقية سايكس بيكو الحدود بين البلدين، واستجدّ عليه تهريب الأشخاص بالآلاف والذي لم يكن مستشريا بقوة كما يحصل اليوم.

احد المعابر الترابية على الحدود

الضحايا المهربون عبر الحدود

يفكّر أحد المهرّبين الذين التقتْهم المفكرة قليلا قبل أن يقول ساخراً “بكرا بتقطعوا لنا رزقنا إذا خبرتكم الحقيقة”. نسأله: “وماذا ستعمل إذا توقف التهريب؟”، فيجيب “بشتغل مع درب الجبل”، يجيب ضاحكاً. ودرب الجبل لمن لا يعرفه هو مجموعة دروب السير في الطبيعة (الهايكينغ) الذي يعبر في معظم المحافظات اللبنانية وجبالها في إطار السياحة البيئية. ويشرح المهرب “عنا دروب أكتر بكتير من درب الجبل، يعني بقدر كون دليل ناجح ومبدع بهيك شغل”. يأتي كلام المهرّب من واقع الحدود المفتوحة على مدى 378 كيلومترا بين سوريا ولبنان “منقطع نهري العاصي في الهرمل والشمال الكبير في عكار، وكذلك الجبال والوديان ولدينا دروب تهريب ترابية في كل مكان، شو بدها الدولة تسكر لتسكر”. يعلّق مهرّب آخر على كلام زميل مهنته بسخرية: “يا ملاك إنت، يعني ع أساس المسؤولين من أمنيين من مختلف الأجهزة وسياسيين أبرياء مما يحصل”، غامزاً من قناة تواطؤ بعض العناصر والضباط في بعض الأجهزة الأمنية مع المهربين مقابل ما يسمونه “هدايا” تلطيفا للرشاوى، أو “فتوح” وهي الكلمة الصريحة المعتمدة لتسعير تغطية الارتكابات حسب أنواعها، وبعض “الفتوح” يُدفع على شكل مستحقات أسبوعية أو “رواتب شهرية”. أما السياسيون فيكفي أن نشير إلى ما رواه مصدر أمنيّ للمفكرة عن تدخل مسؤول سياسي من إحدى المناطق الحدودية للإفراج عن مهرّب ومرتكب جرائم منظّمة من بينها الإتجار بالأعضاء. وأدى هذا التدخّل إلى الإفراج عن الموقوف الخطير خلال 20 يوماً.

يُقسّم المهربون الأشخاص العابرين للحدود بطريقة غير نظامية إلى فئات: المتنقلون العاديون من السوريين وعمادهم عمال سوريون ومزارعون وحرفيون ولاجئون مسجلون مع المفوضية السامية للاجئين (unhcr)، يزورون عائلاتهم أو أرزاقهم في سوريا بشكل دوري. يقطن هؤلاء عادة في إطار المنطقة الحدودية اللبنانية للنقاط التي يعبرون منها، وتربطهم علاقة معرفة بمهرّبيها، وبالتالي غير مستهدفين عامة بالخطف أو الجرائم المنظمة ويدفعون 70 إلى 80 دولارا على الشخص مقابل رحلة الذهاب ومثلها للإياب، ويشكل هؤلاء نحو 10% من الحركة.

تتفرع الفئة الثانية من عابري الحدود تهريبا إلى فئات، منها الساعين إلى الهجرة غير النظامية سواء عبر مطار بيروت إلى ليبيا ثم أوروبا أو في مراكب البحر غير النظامية، ومعهم المطلوبين لخدمة العلم أو إلى التطوع في الجيش، أو الهاربين من الأوضاع الاقتصادية والمعيشية الصعبة. ويدفع هؤلاء ما بين 100 إلى 150 دولاراً لقطع الحدود، وترتفع إلى ما بين 700 و1000 دولار في حال شملت رحلة التهريب المنطقة الأصل في سوريا، أي من إدلب أو ريف حلب أو التل الأبيض والسويداء، حيث تجمع المصالح المالية المهربين من المعارضين أو من المحسوبين على النظام السوري، وتنمو شبكات منظمة وعصابات بين مناطق النظام وبين مناطق المعارضة شبيهة لشبكات الحدود اللبنانية السورية وعصاباتها أيضاً. ولكن ما يُدفع في الداخل السوري يخصّ المهرّبين هناك، وتبدأ صلاحية المهرّبين اللبنانيين وسماسرتهم من السوريين بعد إخراج هؤلاء من منطقة المعارضة وإيصالهم إلى حرم النقاط الحدودية مع لبنان. يتعرّض هؤلاء إلى مختلف أنواع الانتهاكات والجرائم الخطيرة، إذ يقع بعض الأصحاء من بينهم ضحايا الإتجار بالأعضاء، والميسورين ضحايا الخطف بهدف الفدية أو التشليح والسلب لكل ما هو ثمين ولأموالهم طبعا، فيما تتعرض معظم النساء للاغتصاب أو الإرغام على العلاقات الجنسية مع المهرّبين. يضاف إلى هؤلاء فئة المستقدمات للعمل في البغاء سواء بإرادتهن ومعرفتهن أو تضليلا، وتتوزّع هؤلاء النساء إلى فئات أيضاً.

تجارة الأعضاء

تشكل تجارة الأعضاء إحدى أسوأ النتائج الكارثية للحرب في سوريا وهي تنقسم إلى شقين: 

  • اضطرار بعض السوريين إلى بيع أعضائهم، وهي حقيقة تناولتها وسائل إعلام سورية وعالمية وتحصل في سوريا أو في لبنان في ظروف خطرة صحيا على صحة المتبرعين، واهبي الأعضاء مقابل المال، حيث تحصل في كراجات أو دكاكين أو غرف تفتقر إلى الحد الأدنى من سلامة الواهب. ويسافر بعض “المتبرّعين” بأعضائهم إلى بلدان عربية وأجنبية حيث من الأسهل نقل الشخص من نقل الأعضاء. ويراوح ثمن الكلية، على سبيل المثال، في هذه الحالة بين 7 إلى 10 آلاف دولار فيما تباع للزبائن ب 50 ألف دولار على الأقل. ويتيح القانون السوري رقم 30 تاريخ 20/11/2003 التبرع بالأعضاء من الأقارب وغير الأقارب وهو ما يستفيد منه تجار الأعضاء في سوريا تحت مسمّى التبرع.
  • لكن الكارثة الكبرى في جريمة الإتجار بالأعضاء والتي تحصل على الحدود تتركز على خطف أشخاص أصحّاء على “الطلب”، أي وفق الأعضاء المطلوبة، ومن مختلف الأعمار، أطفالا ونساء ورجالا، إلى درجة تحدث فيها الإعلام العالمي عن تراجع تجارة الأعضاء في الفيليبين التي كانت تتصدر هذه التجارة، لصالح تقدّم منطقة الشرق الأوسط. ويفيد مصدر أمني أن هناك العديد من المهربين المطلوبين بجرائم منظمة لديهم تهم تتعلق بالإتجار بالأعضاء. يقول أحد المهربين أنه لا يعمل في تجارة الأعضاء “لأنها جريمة خطيرة جدا ولا إنسانية”، وفق توصيفه،، “ولكن كبار تجار الأعضاء معروفين بين المهربين وفي مجتمعهم الضيق، وهذا ليس خافياً”، ليشرح: “مثلا منكون قاعدين كذا مهرب مع بعض، متل ما إنت مهنتك معروفة صحافية، هيدا مهنته مهرب أشخاص، هيدا تاجر أعضاء، هيدا مهرب سلاح، هيدا مهرب مخدرات وهيدا بينقل بنات للدعارة وهيدا بيسرق سيارات، يعني كل واحد عنده اختصاص”.

يتمّ استئصال الأعضاء في مراكز على في الضفة السورية من الحدود كون الفلتان الأمني بذريعة الحرب مستشرٍ أكثر من لبنان. ومن بين هذه المناطق مركز سبق للدولة السورية أن داهمته وقبضت على شبكة من الأطباء المتورطين في استئصال الأعضاء، فخفتتْ الحركة بعض الشيء ثم ما لبثتْ أن عادت إلى سابق عهدها في المنطقة نفسها. ويتداول بعض المخبرين الذين أمكن الاستماع إليهم أن تجار الأعضاء غالبا ما يقتلون ضحاياهم بعدما ينزعون منهم  الأعضاء التي يمكن نقلها كافة.

بعدها تُنقل الأعضاء في حقائب مخصصة إلى المكان الذي سيتمّ زرع العضو فيه للمريض. ويقول أحد المهربين أن الأطباء الذين يزرعون الأعضاء في لبنان لا يعرفون مصدر العضو “الموهوب” ولا طريقة الحصول عليه. فهذه مهمة تتمّ عبر سماسرة يتواصل معهم أهالي المرضى ويحصلون على العضو المطلوب مقابل مبالغ مالية تصل إلى 33 ألف دولار للخصية و30 ألف دولار للكلية، على سبيل المثال.

أما الأعضاء الأخرى فيتم نقلها إلى خارج لبنان، إذ يتلقى ناقل حقيبة الأعضاء إلى مطار بيروت 15 ألف دولار، وناقلها إلى الطائرة 10 آلاف دولار، ولا معلومات موثقة لدى المفكرة عن العصابات التي تتلقى الحقيبة في دول المقصد.

ولدى مراجعتنا الشخص الذي سبق وطلب مساعدته الحصول على كلية، أفادنا أنه اتفق مع شخص من شمال لبنان لتأمينها ولكن قريبه توفي قبل عقد الصفقة.

الجرائم الجنسية  

“بقدر أكد لك إنه ما في وحدة حلوة بتظمط من العلاقة الجنسية سواء برضاها أو بعد ما تاكل خبيط أو بتنقضى بضربة كف”، يقول أحد المهربين العاملين في تهريب الفتيات السوريات القادمات للعمل في البغاء “أنا ما بشتغل تهريب عادي”. يقول أن المهربين “يتذرعون بالأوضاع الأمنية لفصل ضحايا الاعتداءات الجنسية عن الرجال”. وتحت ذريعة انتظار “فتح الطريق”، يتمّ فرز النساء إلى منازل منفصلة عن الرجال في المنطقة الحدودية السورية، حيث يتم الاعتداء الجنسي بعد إدخال اللواتي يتمّ انتقاؤهن إلى غرف خاصّة بذلك. وهو أمر أكدته صبية سورية للمفكرة تم تهريبها عبر الحدود اللبنانية ومن ثم التركية إلى أوروبا: “بقدر خبرك أنه كلنا تعرضنا للاغتصاب بمعنى أو بأخر، وهناك فتاة لم تخضع للمهربين تم قتلها على الطريق بين تركيا وأوروبا، تمّ طعنها بسكين وهي تسير بيننا، سقطت أرضا ونحن أكملنا طريقنا، لم نجرؤ على أي رد فعل”. وأكّدت فتاة سورية أخرى للمفكرة أنها احتُجزت عند مهرّب على الحدود التركية السورية وفي منزل يملكه لمدة 20 يوماً، وأن رفيقتها في رحلة التهريب خرجت ليلا مع صديقتها إلى المرحاض الذي كان خارج البيت وشاهدت المهرّب يغتصب صديقتها في المرحاض وسمعتها تصرخ ولكنها عادت أدراجها إلى غرفة الاحتجاز “ولم نر رفيقة رحلتنا التي تعرضت للاغتصاب بعد ذلك”.

يقسّم المهرّب نفسه العابرات للحدود بهدف العمل في البغاء إلى فئتين: 

  • “الكلاس”، وبعضهن فنانات معروفات، شاهدنا صور بعضهن مع مهربين في الصورة نفسها. تأتي هذه الفنانات بناء على طلب زبائن محدّدين بعضهم مهرّبين متمكنين ماديا أو تجار مخدرات، أو أصحاب أعمال أو ميسورين متنوعين. يدفع شاري الخدمة الجنسية للمهرّب ألف دولار ليصطحبها من الداخل السوري بسيارة مرتبة و”بكل احترام” ولا تتعرض للمساءلة أو للاختلاط بالعابرين العاديين. هذه الفئة من النساء التي يشبهها المهرّب بالممثلة جوليا روبرتس في فيلم Pretty Woman، قد تقضي أسبوعا مع الزبون ومن ثم تعود أدراجها “هودي ع الطلب، بيكون متواصل هو واياها مباشرة أو عبر وسيط، وهي تقبض المال مع السمسار الذي يؤمن العلاقة”. وقد يقضي بعض هؤلاء ليلة برفقة المهرّب مقابل بدل مالي قبل إكمال طريقها “أنا دفعت لفلانة (يسميها بالاسم) ألف دولار كمان، وبقيت معي ليلة”، يقول بعدما يعرض علينا صورتهما معا.
  • الفئة الثانية من النساء يتمّ استقدامهن لصالح بيوت دعارة في كل لبنان، حيث يشير بعض المهربين إلى استبدال الفنانات الأجنبيات اللواتي نشط عملهن في لبنان سابقا بالسوريات نظرا إلى انخفاض كلفة الأخيرات وخصوصا بعد انهيار الليرة أمام الدولار، كما عدم حاجة السوريات إلى إقامات. بخلاف الفئة الكلاس القادمات على الطلب، هن ينقلن كمجموعات، إنما هن أيضا مدللات وفق توصيف المهربين. فهن ينقلن خارج خط التهريب الجماعي إنما في سيارات خاصة وليس في فانات أو آليات بيك آب، مقابل 300 دولار على كل واحدة منهن للمهرّب.  وهن أيضا يقدمن خدمات جنسية للمهربين وفق اتفاق قد تشكل المخدرات عماده أو المال، وأحيانا كثيرة “ترضي” الفتاة المهرّب  فقط لتعبر بسلام. وقد تعود الفتيات العاملات ضمن بيوت البغاء كل شهرين أو ثلاثة لزيارة عائلتها. وبعضهن يتم تسفيرهن تحت عنوان السياحة إلى دبي وماليزيا وحتى تايلند للعمل في البغاء أيضاً. وتتلقى كل واحدة منهن نصف البدل الذي يدفعه الزبون، ويحصل القواد، صاحب بيت البغاء، على النصف الأخر. وقد يصل عدد زبائنها في دوام عملها اليومي إلى 15 زبونا، يقوم سائق البيت الذي تعمل فيه على توصيلها وإعادتها بعد انتهاء مهمتها.  

وتخضع بعض الفتيات للتضليل حتى من الأقارب، إذ تقدم لهن وعود بعمل في لبنان “أخر وحدة نقلتها اتصلت فيها خالتها وقالت لها دبرت لك شغل”، يقول المهرّب، وعندما وصلت إلى لبنان تم أخذ هويتها وتلفونها وقيل لها ستعملين في البغاء. بعضهن يتزوجهن شبانا سوريين مقيمين في لبنان يعمدون بعد اصطحابهن إلى لبنان إلى تشغيلهن في الدعارة. وقد التقت المفكرة واحدة من بينهن.  

الخطف بهدف الفدية والسلب

بات معروفا في بعض المناطق الحدودية أن عددا من المهربين المتمكنين ماديا بسبب نشاطهم في أكثر من جريمة منظمة يحصرون أعمالهم مؤخرا بانتقاء “الزبائن الدسمين” كما يسمونهم. يقول قريب لمهرب من هذا الصنف أن الميسور يُعرف من شكله وهندامه وطريقة حديثه وكذلك عبر السمسار السوري الذي يؤمن له المهرّب على الحدود مع لبنان “جايتك حبة نضيفة” هي بعض المفاتيح السرية الشائعة للغمز بالألغاز إلى إمكانية خطف الضحية-الزبون/ة مقابل فدية تراوح ما بين ألف إلى 30 ألف دولار للميسورين و50 ألف دولار على الأقل للميسورين جدا. أما من يصفونهم ب”البدو ل طالعة ريحتهم”، فينقلون بآليات بيك آب مع نسائهم وأطفالهم.

يخضع المخطوفون لتعذيب عنيف بهدف إرغام عائلاتهم على دفع الفدية. وبعض المهربين يحتفظون بفيدوهات عُلق فيها مخطوفون على “البلانكو” وهي آلة تعذيب يعلّق فيها الشخص من قدميه أو معصميه فيما يُترك جسده ورأسه في الهواء إلى أسفل، وينهال عليه خاطفه ورجاله بالضرب وتصويره وإرسال الفيديو إلى عائلته. ويتصاعد التعنيف والتعذيب في حال تأخرت العائلة أو ترددت بدفع الفدية. وتُعتمد ذريعة خطر الطريق أو ضرورة انتظار تأمينه لإيواء الضحايا في منازل منفردة حيث تكون المخبأ الذي يحتجزون فيه إلى حين دفع الفدية. وينقل شهود عن فشل التفاوض أحيانا وتصفية بعض المخطوفين نتيجة لذلك.

وفي سلب العابرين تهريبا، لا ينفع حماية الضحية عمرها أو نوعها الاجتماعي. لا يمكن أن تعبر امراة يبدو عليها اليُسر بأمان. يروي شاهد عيان للمفكرة أنه شاهد بأم عينه سيدة سبعينية ممزّقة الثياب بعدما تم تشليحها كل مصاغها الذي كانت ترتديه “خزّقوا لها تيابها ليشوفوا إذا مخباية شي غير الدهب ل لابسته”. وتمّ خطف هذه السيدة بعدما اتصل مهرّبها بشريكه في السلب، وهو ما يحصل عادة لكي لا ينكشف مهرّبها كون داتا هاتفه تكشف تواصله معها. أخبر شريكه في السلب عن المكان الذي سينزلها فيه فتولى الأخير خطفها، ليتقاسم مع المهرّب الغنائم.    

قبل أيام من اليوم ركض أحد الشبان الذي يقيم في منزل زراعي في جرود منطقة حدودية مع قطيع الماشية نحو غرفة أمه صارخا “دخيلك ارقيني، دخيلك ارقيني”. تفاجأ الشاب اليافع بوجود سيدة منكوشة الشعر، ممزقة الثياب بالقرب من منزله في ساعة متأخرة من الليل، فظنها جنية أو ساحرة وارتعب من شكلها، وقصد أمّه لترقيه، أي تقرأ عليه بعض الآيات القرآنية كي يخرج السحر والشعوذة من جسده . كانت السيدة ضمن مجموعة من الأشخاص السوريين الذي يسير بهم المهربون في الدروب الترابية لكي يقطعوا الحواجز الأمنية ويلاقوا آليات البيك آب بعدها. تاهت هذه السيدة عن مجموعتها في الظلام بعد تفريقهم إلى أعداد قليلة لكي لا يثير وقع أقدامهم ضجيجا يؤدي إلى كشفهم واعتقالهم. وشهدت المفكرة على مجموعة من نحو خمسين شخصا سوريا بينهم أطفال قام المهربون بضرب الصغار عندما بدأوا بالبكاء تعبا من السير في المناطق الوعرة. وتستعمل بيوت في الضفة الحدودية السورية مما تركه المهجرون من المناطق الحدودية السورية، كما تُستاجر بيوت أخرى في لبنان ومحلات لإيواء المُهرَّبين، وكذلك يدفع لأصحاب منازل في بعض مناطق الحدودية في لبنان أيضاً لاستعمال أسطحها لمراقبة طرقات التهريب والتأكد من خلوها من الدوريات الأمنية، مما يوسّع شبكة المتنفعين من العملية برمتها. ويقال أن نقل السوريين من الحدود الواسعة إلى مناطق لبنانية مختلفة يشكل ذروة نشاط أسطول النقل الخاص في هذه الأماكن.   

مواد أولية للكبتاغون وكوكايين ديلفري

لم تتوقف تجارة المخدرات بين لبنان وسوريا يوما، كما بين البلدان الأخرى بصفتها تجارة عابرة للقارات وليس للبلدان فقط. ولكن الحرب السورية والفلتان الأمني فيها شرّع أبواب هذه التجارة على غاربها، خصوصا وأن سوريا تتعامل معها على أساس أنها بلد ترانزيت. وعليه تزدحم الحدود اللبنانية السورية بمعامل تصنيع الكبتاغون بعدما تصل مواده الأولية من الخارج عبر مرافئ محددة في سوريا. وتنقل إلى الحدود في آليات لا تخضع للتفتيش بعدما يكون قد تم دفع “فتوح الطريق”. منذ نحو 3 سنوات نُقلت معامل الكبتاغون التي كانت منتشرة في أكثر من منطقة حدودية لبنانية إلى الضفة الحدودية السورية بعدما أثارت بلبلة في لبنان وتعقبات أمنية نتيجة الضغط السعودي إثر كشف صفقات تهريب ضخمة من بينها صفقة تهريب الكبتاغون في شحنة فاكهة الرمان. بعد تصنيع الكبتاغون في معامل متواجدة في أماكن يخبر عنها تفصيليا العارفون بتجارة الحدود، يتمّ توزيع بعضها في الداخل السوري، ولكن الكميات الأكبر تُصدّر تهريبا إلى دول عربية أو أجنبية أخرى، وطبعا يصرّف جزء منها في لبنان، مثلها مثل مخدر السيلفيا الذي يُصنّع ايضاً في جزء منه في المنطقة الحدودية.

أما الكوكايين فيهبط بشحنات مستوردة إلى مرافق حدودية داخلية سورية متنوعة ويُسلّم إلى التجار في المناطق التي يختارونها مقابل 10 آلاف دولار، فيما سعره في بلد المنشأ 2500 دولار. ويباع كل كيلوغرام ب 30 ألف دولار باعتباره مبيع جملة، كون الكوكايين يسوّق بالغرامات. أما عند المبيع بالمفرق عبر الغرام فيصل سعره إلى 50 ألف دولار. ويعمل في ترويج المخدرات سوريون ولبنانيون على الضفتين وقد انخرط مؤخراً العنصر النسائي في الترويج بقوة.   

مضادات للطيران فالتة بأيدي متمكنين

شهد سوق الإتجار بالسلاح تطورا نوعيا بعدما كان محدودا بالأسلحة الصغيرة المتوافرة بكثرة في سوريا بسبب التقاتل الداخلي. وتبلور هذا التطور النوعي إثر دخول العراق على خط تهريب السلاح كمنشأ للتهريب. وبالتالي يشهد السوق أنواعا جديدة وثقيلة من الأسلحة التي تُهرّب من العراق عبر سوريا إلى لبنان، وعلى رأسها مضادات الطيران. وتتصدّر الرشاشات الثقيلة من 14.5 رأس السوق ومعها صواريخ لم يحصل أن امتلكها أشخاص بل كانت محصورة قبل اليوم بالجيش والأحزاب، وهو ما يترك مخاوف كبيرة من فوضى هذا السلاح وأوجه استعماله.

قطع سيارات مسروقة للبيع

فتحت الأزمة السورية في بداياتها وحتى قبل نحو عام سوقا كبيرة لتصريف السيارات المسروقة في لبنان بعد إدخالها إلى سوريا وبيعها هناك. وكانت خريطة طريق اسرقة السيارات من بيروت والجنوب وجبل لبنان وحتى الداخل البقاعي معروفة ولها بواباتها وأسيادها وطبعا عصاباتها. ولكن قرار السلطات السورية بعدم السماح بجمركة أيّ سيارة يوجد بحقها مذكرة بحث من مكتب السرقات الدولية- الأنتربول، فتح الباب أمام فرط السيارات المسروقة على الضفة الحدودية السورية ضمن”بوَر” تطورت اليوم إلى كراجات. يسوَّق جزء من قطع السيارات في سوريا ويعاد تهريب جزء منه لتصريفها كقطع غيار متفرقة في لبنان. ويحدّد العارفون بتجارة الحدود للمفكرة بعض أماكن فرط السيارات في بلدات حدودية سورية.   

لم تعد الانتهاكات ضدّ الاشخاص السوريين المهرَّبين على الحدود في إطار تطابق أركان قانون الإتجار بالأشخاص عليها من عدمه، نحن أمام جرائم منظمة خطيرة لم يسبق أن عاشها المجتمع قبل هذه المرحلة، ولا يمكن التكهن بنتائجها على المدى البعيد خصوصا أن بعض الناشطين في جرائم مماثلة لم يكمل بعضهم اليوم العشرين عاماً من العمر. جيل يكبر في ظل لا محرمات ولا خطوط حمراء، فيما حبل التهريب على اختلاف أنواعه ومعه الجرائم المنظمة فالت على غاربه، ولا فضل لمعبر حدودي عن معبر آخر إلا بقدرة القيمين على بناء علاقات حمائية وتوسيع شبكة المستفيدين من حوله بدءا من سياسيين إلى أمنيين إلى سكان يستفيد بعضهم من كل ما يجري.   .  

انشر المقال

متوفر من خلال:

تحقيقات ، لجوء وهجرة واتجار بالبشر ، لبنان ، مقالات ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية