الانتقال من الجبل إلى البحر: تحوّلات في الرؤية السياحية والهويّة اللبنانية في ستينيّات القرن الماضي


2021-03-02    |   

الانتقال من الجبل إلى البحر: تحوّلات في الرؤية السياحية والهويّة اللبنانية في ستينيّات القرن الماضي
كتيّب "دليل فنادق لبنان"، للمجلس الوطني لإنماء السياحة في لبنان، تصميم ورسم منى باسيلي صحناوي، 1969.

لقد أعادت الأزمة اللبنانية الراهنة إلى الواجهة تساؤلات مصيرية حول لبنان كنظام وككيان كانت رائجة أيام الحرب الأهلية 1975-1990 لكنها طويت – أقلّه في الحيّز العام – مع طيّ صفحة الحرب. وقد أدّى ذلك إلى شبه قطيعة معرفية مع الماضي بخاصّة عند جيل ما بعد الحرب، مما سلبه الحق والقدرة في فهم أعمق ونقدي للماضي. تطرح المفكرة القانونية – عبر سلسلة من المقالات – قضايا محورية في تكوين لبنان ونظامه السياسي والاقتصادي والاجتماعي خلال المئة عام الماضية من منظور فهم الماضي لاستشراف المستقبل. (المحرّر)

 

تصاعدت في السنوات الفائتة الحملات ضد التعدّيات على الشاطئ اللبناني مطالبة بالدفاع عنه كحيّز عام مهدّد من قبل سلطة رأس المال وفساد الطبقة السياسية الحاكمة. وتبلورت تلك الحركات المعارضة في حراك شعبي، نذكر منه على سبيل المثال ”الحملة الأهلية للحفاظ على دالية الروشة“، أو من خلال حملات فنية وإعلامية، مثل مشروع ”هذا البحر لي“ لمجموعة ديكتافون، وارتبطت في الآونة الأخيرة بنضال سياسي أوسع متعدّد المطالب تمثّل في تكثف الحراك الشعبي وانفجاره في انتفاضة 17 تشرين الأول 2019. ترتبط التعدّيات على الشاطئ اللبناني بالأخص بنيوياً بتاريخ لبنان السياحي وأسطرة ثقافة ”الضيافة اللبنانية“ كأولوية وطنية اقتصادية على حساب أي فكرة مستدامة للصالح العام. ولكن متى احتلّ الساحل اللبناني موقعاً جغرافياً مركزياً في الثقافة السياحية في البلاد، وكيف تمّ تشكيله كمساحة ترفيهية في المخيّلة الوطنية؟

الاصطياف يحتضر، تعيش السياحة

في 12 أيلول 1955، نشرت مجلة ”لا ريفو دو ليبان“ La Revue du Liban مقالة بعنوان ”الاصطياف يحتضر، تعيش السياحة“ (L’estivage se meurt, vive le tourisme)، أعلن فيها الكاتب ورجل الأعمال جان بروسبر غاي بارا انتهاء حقبة الاصطياف في الجبل. وناشد غاي بارا، الذي كان يقف وراء العديد من الفنادق والمطاعم وأماكن الترفيه الليلية البارزة في بيروت حينها، في تلك المقالة وفي مقالات لاحقة، نخبة فرنكوفونية من القرّاء للضغط من أجل تحوّل نموذجي في الاقتصاد السياحي المحلي من الممارسة ”التقليدية الرتيبة“ إلى ممارسة حديثة تتماشى مع صناعة السياحة الدولية الآخذة في الازدهار (Gay-Para 1962: 49-50). وعرَض أربعة أسباب مهمّة لضرورة حدوث هذا التحوّل. السبب الأوّل هو وسائل النقل الجديدة، فقد كان الزوّار العرب الأثرياء يسافرون برّاً لقضاء فصل الصيف في الجبال اللبنانية. أمّا حالياً، ومع توفّر الرحلات الجويّة التجارية، بات بوسعهم التوجّه إلى أيّ مكان في أوروبا. غير أنّ السفر الجوي، بحسب غاي بارا، لا بدّ أن يحفّز لبنان على اجتذاب السيّاح الجدد من خارج المنطقة العربية. أمّا السبب الثاني فيتعلّق بجاذبية الشاطئ باعتباره ملاذاً صيفياً جديداً تزداد شعبيته مقارنة بالجبل، إذ تنطوي السياحة الشاطئية على أنشطة ترفيهية حديثة وعصرية مثل: حمامات الشمس والسباحة والرياضات المائية على اختلافها. ويرتبط السبب الثالث بتطوير الفنادق ونموّ الخدمات الفندقية، لا سيّما في العاصمة الساحليّة بيروت، ما يخدم الأعمال الناشئة المرتبطة بالسفر إلى لبنان. وأخيراً، خلص غاي بارا إلى أنّ ظهور ثقافة شبابية حديثة في المدن الساحلية، غير ملتزمة بالأعراف والتقاليد كما هي الحال في القرى الجبلية، يَعِد السائح ”بمغامرات“.

تقع تلك المقالة المتبصّرة لغاي بارا على عتبة دخول لبنان مرحلة تاريخية شهدت تطوّر الساحل الواقع على البحر الأبيض المتوسّط إلى موقع رئيسي للسياحة الدولية والترفيه الحديث في ستينيّات وسبعينيّات القرن الماضي. وكما سنبيّن للقارئ، فإنّ التحوّل في الرؤية السياحية، من الجبل إلى البحر، كان جزءاً لا يتجزّأ من المشاريع الإنمائية للدولة اللبنانية التي استرشدت بمستشارين دوليين، وبروّاد أعمال محليين في مجال الضيافة، أمثال غاي بارا نفسه. وقد سعت جميع تلك المشاريع إلى وضع لبنان على الخارطة العالمية للسياحة الجماعية الناشئة بعد الحرب العالمية الثانية، لا سيما تلك التي أخذت بالازدهار على حوض البحر الأبيض المتوسط. ويمكننا ربط هذا الاقتصاد السياسي الخاص بالتنمية السياحية بنظريّات التحديث وسياسات التنمية التي استهدفت ”العالم الثالث“ ضمن إطار الحرب الباردة (Escobar 1995، Gendzier 2018، Latham 2000). وبدعم من الصناديق الأميركية للتنمية، استثمرت دول عدّة في السياحة لتعزيز النمو الاقتصادي (Hazbun 2008: xx). هكذا، حصل لبنان بعد الاستقلال على نصيبه من المساعدات الأميركية التقنيّة والمالية، إن لم يكن من التدخّل السياسي والعسكري الصارخ، وهو ما ضمِن ارتكاز سياساته التنموية على اقتصاد ليبرالي مفتوح لم ينحَز إلى الجانب الاشتراكي من الانقسام العالمي في الحرب الباردة. (Gates 1998: 102 ؛ Gendzier 1997)

ملصق، المفوضية العامة للسياحة والاصطياف، خمسينيات القرن العشرين، من مجموعة عبودي بو جودة الخاصة.
ملصق، المفوضية العامة للسياحة والاصطياف، خمسينيات القرن العشرين، من مجموعة عبودي بو جودة الخاصة.

غير أنّ منظار الحرب الباردة للحداثة والإنماء السياحي يصبح معقّداً حينما يبرز إلى الواجهة التاريخ الاستعماري للبنان، ونشأته كدولة قومية، وسياسات الهوية اللبنانية التي أعقبت ذلك. وبالتالي، فإنّ السياسات الثقافية لأيّ تحوّل سياحي تجاه البحر الأبيض المتوسط تحتاج أيضاً للمساءلة بما يخصّ الخطاب القومي اللبناني الذي تستند إليه، وبخاصّة في ضوء علاقتها المعارضة للسياسات المعاصرة المتمثّلة بمناهضة الاستعمار والقومية العربية في لبنان والمنطقة.

سويسرا الشرق: تأسيس الرؤية اللبنانية للسياحة

تطوّر جبل لبنان كمركز للاصطياف في أوائل القرن العشرين باعتباره بديلاً اقتصادياً عن تراجع تربية دود القزّ وإنتاج الحرير فيه. وقد شجّع على ذلك التمويل المحلي العام والخاص، بالتنسيق مع المفوضية العليا للجمهورية الفرنسية، وروجّت له جولات سياحية أوروبية (Kassir 2003: 363–9; Gates 1998: 34–7).

لم تكن الصور السياحية للمناظر الطبيعية الخلابة للجبال اللبنانية خارج إطار التوظيفات السياسية للدولة المتصوَّرة بجغرافيتها السياسية الوليدة – جبل لبنان. ففي الواقع تعامل القوميّون الأوائل في لبنان مع الوعد السياحي في جبل لبنان كجزء لا يتجزّأ من بناء الوطن، وهو ما عبّروا عنه على صفحات ”لا ريفيو فينيسيان“ (La Revue Phénicienne) (Kassir 2003: 364; Traboulsi 2007: 92–3). وكان ”الفينيقيون الجدد“، كما عرّفوا عن أنفسهم أمثال شارل قرم، وجاك تابت، وميشال شيحا، من بين آخرين، قد شاركوا في تطوير السياحة في جبل لبنان عبر نادي السياحة السوري-اللبناني المعروف الآن بالنادي اللبناني للسيارات والسياحة (ATCL) الذي ساهموا في تأسيسه في العام 1920 بتعاون وثيق مع الانتداب الفرنسي. وفي كتابه الصادر عام 1924 تحت عنوان ”لجعل لبنان سويسرا الشرق“ (Pour faire du Liban la Suisse du Levant) قدّم تابت الحجج المركزيّة لتطوير لبنان بناء على نموذج جبال الألب السويسرية. وتناول بالتفصيل الإمكانات السياحية كجزء من ثالوث من العوامل السياسية والاقتصادية المشتركة بين البلدين. فاعتبر أنّ لبنان وعلى غرار سويسرا، يوفّر – بجباله – الملاذ المناخي والجمالي والعلاجي والترفيهي في الشرق. وبفضل شبكات النقل الجديدة، شهد الاصطياف عصره الذهبي في فترة ما بين الحربين العالميّتين، حيث اجتذب شريحة من العرب، معظمهم من مصر وفلسطين والعراق، الذين أقاموا مواسم الصيف في جبل لبنان، هذا بالإضافة إلى التدفّق المحلي للبيارتة الأكثر ثراء.

وقد تردّد صدى هذه الرؤية السياحية في ”التصميم الانشائي للاقتصاد اللبناني وإصلاح الدولة“ الذي وضعه جبرائيل منسّى عام 1948 كرئيس لجمعية الاقتصاد السياسي اللبنانية، حيث أصرّ منسّى على حتميّة الاقتصاد الليبرالي وطرح السياسة المطلوبة لتطوير السياحة كصناعة وطنية. غير أنّ توصيته الرئيسية تمثّلت في تمديد البرامج السياحية على مدار السنة وعدم اقتصارها على موسم الصيف. وعلى أساسه عرض منسّى الوعد السياحي ”الفريد“ الذي يقدّمه لبنان للمنطقة والذي يمتد على مدار المواسم، مسلّطاً الضوء على تاريخه الأثري القديم وجغرافيته الجبلية والبحريّة، ومشدّداً على مناخه المعتدل ومسافاته القصيرة: ”يمكن للمرء أن يصل إلى الساحل في غضون 30 دقيقة من ارتفاع 1000 متر“. يشار هنا إلى أنّ هذا الحديث عن الاستثنائيّة اللبنانية كان من شأنه لاحقاً أن يؤدّي إلى ظهور الأسطورة الشعبية القائلة إنّ ”لبنان هو البلد الوحيد الذي يمكنك أن تمارس فيه في اليوم نفسه رياضتي التزلّج والسباحة“. ولا تزال تتردد أصداء هذه العبارة حتى يومنا هذا، وإن بشكل ساخر.

وشكّلت المفوضيّة العامّة للسياحة والاصطياف التي تأسّست في أواخر عام 1948 كجزء من وزارة الاقتصاد، أوّل مبادرة حكومية مكتملة تتولّى التخطيط والتنظيم والترويج للسياحة ولقضاء الإجازات الصيفية في لبنان. وأعادت المفوّضية التأكيد على رؤية منسّى في برنامج للاصطياف والإشتاء (في الشتاء) وللسياحة الدولية في لبنان، وعلى دراية تامّة بنمو هذه الصناعة السياحية دولياً في خمسينيات القرن الماضي. ومن بين مشاريعها الرئيسية، قامت المفوضيّة بتشجيع وتنظيم مراكز الاصطياف، وأنشأت المدرسة الفندقيّة، ورممت المواقع الأثرية، وطوّرت منتجعات التزلج، وبنت كازينو لبنان.

الثورة المضادة الأميركية وتنمية السياحة عام 1958

مع بداية انطلاق وعد لبنان بالسياحة الدولية، جذب ساحله المتوسطي زوّاراً غير متوقعين من أطراف الحرب الباردة. ففي ظهيرة صيف حار منتصف تموز 1958، أنزلت البحرية الأميركية قواتها المسلحة وآليّاتها على شاطئ خلدة. وباستعراض فعّال للقوة، أسكتت الولايات المتحدة الثورة الشعبية التي كانت تتصاعد في ذلك الصيف ضد نظام الرئيس كميل شمعون (1952–8). وقد أدّت الحرب الأهلية عام 1958 وما يوصف بالثورة المضادة الأميركية التي أعقبتها، إلى توقف التدفّق للسيّاح والمصطافين وأرست الظروف السياسية والاقتصادية لخطط التنمية السياحية الجديدة.

وبدعم من الصناديق الأميركية لقروض التنمية، (Gendzier 1997: الفصل 14)، شرع الرئيس التوافقي المنتخب حديثاً، فؤاد شهاب (1958-1964)، بمعالجة الظروف الاجتماعية والاقتصادية الناجمة عن عدم الاستقرار السياسي، وباشر بالتالي في سياسات الإصلاح والتنمية. وطلب شهاب الاستعانة بخبرات المعهد الدولي للبحوث والتدريب من أجل التعليم والتنمية (IRFED)، برئاسة الأب الدومينيكاني الفرنسي لويس جوزف لوبريه، الذي كانت ”بعثته“ تنشط في أجزاء أخرى من ”العالم الثالث“. وفي تقرير أوّلي بعنوان ”احتياجات وفرص التنمية في لبنان 1960-61“ (Besoins et Possibilités de développement du Liban 1960–61 )، بيّنت بعثة IRFED الوعد السياحي الذي يقدّمه لبنان وأوصى بتطويره كقطاع رئيسي في الاقتصاد الوطني (Mission IRFED 1961: 35–9). وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ لبنان ربّما قد خسر في مطلع ستينيات القرن الفائت جزءاً كبيراً من روّاده المصطافين العرب، وبخاصة الفلسطينيين منهم، نتيجة انقطاع فلسطين عن لبنان بعد تأسيس الدولة الصهيونية، والمصريين، بعد ظهور الاشتراكية. لكنّه، كما لاحظت الدراسة، بدأ في اكتساب مصطافين جدد من الدول العربية النفطية، ونال حصة من الطفرة السياحية العالمية. عدا عن ذلك، ونظراً لأنّ السياح الآتين من شمال أوروبا كانوا ينجذبون بشكل متزايد إلى وجهاتٍ في جنوب البحر الأبيض المتوسط​​، فقد طُرحت ”إمكانيّة أن يصبح لبنان وجهَة مستقبلية إلى جانب إسبانيا وإيطاليا، ومؤخراً يوغوسلافيا [السابقة] واليونان“ (Mission IRFED 1961: 311)، وهو تكرار لدعوة غاي بارا قبل خمس سنوات.

وتحقّقت توصيات بعثة IRFED في مشاريع المجلس الوطني لإنماء السياحة في لبنان المُنشأ حديثاً، والذي تأسّس عام 1962 استجابة لإعادة هيكلة مؤسسات الدولة. وفيما أدّت المفوّضيّة دوراً تأسيسياً في بناء اقتصاد لبنان السياحي بعد الاستقلال وفقاً لمعايير محدّدة دولياً، فإنّ المجلس الوطني لإنماء السياحة في لبنان هو الذي سعى إلى وضع لبنان على الخارطة العالمية للسياحة على البحر الأبيض المتوسط. وترأّس المجلس شارل حلو إلى حين انتخابه رئيساً للجمهورية اللبنانية عام 1964، حيث انتقلت القيادة بعد ذلك إلى نجل بشارة الخوري، ميشال، وخلَفه بعدها حبيب كيروز.

وقد أسنِدت إلى المجلس الوطني لإنماء السياحة في لبنان مهمّة تطوير قطاع السياحة عبر تحقيق الأهداف المعلنة التالية: الترويج للسياحة الدولية وإجراء البحوث والتخطيط للمشاريع السياحية وتنفيذها محلياً. وخصِّصَت ميزانية كبيرة للترويج للسياحة اللبنانية في الخارج من خلال استراتيجية منسّقة من الأنشطة التي تضمّنت: دعوة مندوبين من وكالات سفر أجنبية والصحافة الدولية، فضلاً عن شخصيات عامة بارزة، لزيارة لبنان، ومنحهم تأشيرات مجامَلة، مع برنامج كامل من الأنشطة السياحية التي صمّمَت بهدف التعريف والإثارة؛ المشاركة في المؤتمرات والمعارض السياحية العالمية، فضلاً عن فتح مكاتب سياحة في الأسواق السياحية الرئيسية في أوروبا وأميركا الشمالية؛ وإطلاق حملات دعائية بلغات متعدّدة.

كتيّب "دليل فنادق لبنان"، للمجلس الوطني لإنماء السياحة في لبنان، تصميم ورسم منى باسيلي صحناوي، 1969.
كتيّب ”دليل فنادق لبنان“، للمجلس الوطني لإنماء السياحة في لبنان، تصميم ورسم منى باسيلي صحناوي، 1969.

في البداية، اعتمد المجلس على التعاقد لإنتاج معظم مواد الدعاية الدولية الهامّة. وكلّف مصوّرين محترفين، بمن فيهم مصوّرون دوليون مشهورون مثل فولفيو رويتر، لتوثيق ما وصف بمناطق الجذب الرئيسية في لبنان. ولاحقاً، في أواخر ستينيّات القرن الماضي، أنشأ المجلس قسماً داخلياً لتصميم الرسوم ليتولّى كافّة منشوراته الترويجية، واختار لقيادة هذا المشروع الجديد الرسّامة منى باسيلي صحناوي التي قدّمت خلال فترة عملها في المجلس التي امتدت لأربع سنوات -من عام 1969 إلى عام 1972- الصورة الشبابية والخاصيّة الجمالية الحديثة التي سعى المجلس إليها من أجل وضع لبنان في دائرة السياحة الدولية على البحر الأبيض المتوسط. وبخروجه عن الخط الترويجي السابق لجبل لبنان كمكان اصطياف للسيّاح القادمين من البلدان العربية، أعاد المجلس الوطني لإنماء السياحة في لبنان رسم الصورة السياحية الجديدة للبنان وصوغ خطابه الذي استهدف إلى حدّ كبير الجماهير الأوروبية والأميركية الشمالية.

حداثة سياحة البحر الأبيض المتوسط ​​وقدم الأساطير الفينيقية

شكّل الساحل اللبناني، باعتباره الموقع الجديد للترفيه والسياحة الدولية الذي دعا إليه غاي بارا في منتصف خمسينيّات القرن الماضي وأعادت ذكره بعثة IRFED في مطلع الستينيات، المشهد الجوهري في الحملات الترويجيّة للمجلس الوطني لإنماء السياحة في لبنان. وبدت المناظر الطبيعية للبحر الأبيض المتوسط على الملصقات والإعلانات وصفحات الكتيّبات المصوّرة، ​​مليئة بالوعود. وأظهرت الصور الفوتوغرافية بألوانها الزاهية أنشطة الترفيه العصري المشبعة بأشعة الشمس، والأجسام الشابة المشرقة (بخاصّة منها الأنثويّة) وهي تمارس الرياضات المائية بأنواعها أو تأخذ حمامات الشمس بالقرب من أحواض السباحة في بعض النوادي الشاطئيّة أو على امتداد الشواطئ الرملية. ولم يكن هذا مجرّد مشهد يعرَض للسياح بل كان جزءاً من تحوّل خطابيّ ومرئي وجمالي نحو البحر كموقع جديد للترفيه المحلّي. وإنّ الصحافة الفرنكوفونية والعربية، بخاصّة في نهاية ستينيّات القرن الفائت وبداية السبعينيّات، مليئة بالصّور التي تشبه في خطابها تلك الموجودة في حملات المجلس الوطني الترويجيّة.

إعلان سياحي عن لبنان، صمّمته منى باسيلي صحناوي للمجلس الوطني لإنماء السياحة في لبنان، نشر في مجلة "ذي إيكونوميست" في 27 كانون الأول 1969 و2 كانون الثاني 1970.
إعلان سياحي عن لبنان، صمّمته منى باسيلي صحناوي للمجلس الوطني لإنماء السياحة في لبنان، نشر في مجلة ”ذي إيكونوميست“ في 27 كانون الأول 1969 و2 كانون الثاني 1970.

وعلى الرغم من وجود حفنة من النوادي الشاطئية منذ ثلاثينيات القرن الماضي،[1] إلّا أنّ عدد هذه النوادي والمنتجعات قد بلغ بحسب مسح أجري عام 1971 سبعين نادياً ومنتجعاً على طول الساحل اللبناني، 83% منها في بيروت ومحيطها (الأنوار 1971). أمّا بالنسبة لعدد الفنادق في بيروت فقد بلغ بحلول منتصف السبعينيّات، كما هو مذكور في الأدلة السياحية عن لبنان، عشرة أضعاف تلك المدرجة في منتصف الخمسينيّات. وقد جاءت هذه الزيادة نتيجة لخطط وسياسات التنمية الحكومية، التي نادى بها المجلس الوطني لإنماء السياحة في لبنان، والتي أعطت الأولوية للشواطئ. فعلى سبيل المثال، سهّل مرسوم صدر في عام 1963 تقديم القروض الائتمانية لتطوير المشاريع السياحية والفنادق والنوادي الشاطئية على طول الساحل. ومع وجود أسماء مثل ريفييرا وبوريفاج، استلهمت الفنادق الجديدة على الشاطئ اللبناني من فنادق الساحل الفرنسي الجنوبي والتزمت بالتسميات الفرنسية التي اعتمدتها أقدم نوادي الشواطئ في لبنان التي يعود تاريخها إلى فترة الانتداب الفرنسي، مثل: سان جورج وسان ميشال وسان سيمون وكوت دازور.

وأصبحت بادئة ”سان“ في تسميات النوادي الشاطئية منتشرة في لبنان لدرجة أن الشواطئ العامّة عُرِّب اسمها ليصبح ”سان بلاش“. كما أنّ غلبة الريفييرا الفرنسية في تصوّر الوعد السياحي الذي يقدّمه لبنان ظهرت جليّاً في رؤى رواد الأعمال لتطوير السياحة. فعلى سبيل المثال، اقترح غاي بارا بناء مرسى على الساحل اللبناني شمال بيروت يمكن للسياح الوصول إليه عبر البحر، عارضاً خليج جونيه كموقع مناسب لتشابهه مع كوت دازور؛ كذلك اقترح غاي بارا بحماسة جعل مدينة جبيل الفينيقية القديمة موقعاً حديثاً للفن والترفيه لتصبح ”سان تروبيز لبنان“ (البستاني 1966: 12).

وقد صحب التحوّل الجغرافي من الجبل إلى الشاطئ في لبنان اهتمام خاص بمنطقة البحر الأبيض المتوسط ​​كموقع ترفيهي حديث في مجال السياحة الجماعية الدولية الناشئة. فانتشرت الصور المغرية لثقافة شاطئية تتسم بالعصرية من سان تروبيز وكان ونيس إلى كابري. وسعت الدول الواقعة على أطراف الريفييرا الفرنسية والإيطالية، مثل: إسبانيا واليونان وتونس وتركيا، إلى تخصيص مساحة على شواطئها للترحيب بالاقتصاد السياحي المتوسطي المزدهر. ولم يكن لبنان استثناءً.

ويشير تاريخ التنمية السياحية في تلك البلدان المتوسطية إلى تحوّلات طرأت على الخطاب البصري وعلى استعارات الحداثة التي غالباً ما تقودها الدولة، تشبه تلك التي شهدها لبنان في ذلك الوقت (Hazbun 2008 ؛ Emmanouil 2012؛ Pelta 2011). وقد لا تختلف الحالة اللبنانية في ما يخصّ توحيد الجهود المبذولة في سبيل تطوير القطاع السياحي ليتناسب مع الأسواق والأذواق السياحية في شمال أوروبا وأميركا، مع نماذج التنمية الاقتصادية السائدة. لكن، يبدو أن هناك المزيد من المخاطر في التحوّل الجغرافي-السياحي للبنان تجاه البحر المتوسط، والذي لا يحدّده اقتصاد السياحة العالمي والجغرافيا السياسية للحرب الباردة فحسب.

فقد رسِمت أيضاً على الصعيد المحلي السياحة المتوسطية الغربية الهوى، من خلال السياسات الثقافية للقومية اللبنانية، والتي ازدادت حدّة في عداوتها للقومية العربية المتصاعدة في لبنان والمنطقة. ولا بدّ من النّظر إلى هذا البعد الثقافي في ضوء التاريخ الاستعماري الغربي للبلاد، والنخبة المسيحية الحاكمة وما تبعها من سياسات الهويّة الطائفية، وتعقيدات صِلات لبنان بالشرق العربي والإسلامي منذ تأسيسه. وقد ربِط ساحل البحر الأبيض المتوسط ​​كموقع جديد للترفيه العالمي، تماماً كما نظيره الجبلي، بأساطير القومية اللبنانية التأسيسية. فكما سبقت الإشارة، لم يكن استحواذ صورة سويسرا على تصوّر الوعد السياحي اللبناني في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي بعيداً عن توظيف القوميين للمناظر الطبيعية الجبلية في لبنان. فأنصار هذا النوع من القوميّة اللبنانية أنفسهم، ربطوا أيضاً الأمّة وشعبها من ناحية الأصول بفينيقيا القديمة. ولهذا الغرض، استنفر ميشال شيحا متخيّل جغرافي مختلف يتمحور حول البحر المتوسط وعاصمته بيروت، ففي النهاية حوض البحر الأبيض المتوسط منطقة فينيقية بامتياز. وبالتالي، أعيد البحر المتوسط القديم، في إعلانات المجلس الوطني لإنماء السياحة في لبنان، ثقافياً إلى حضن الخطاب القومي اللبناني، وبات موقعاً حديثاً للترفيه العالمي. وعليه، فإن عبارة ”بيروت: باريس الشرق“ سترتقي لتحل محلّ ”لبنان سويسرا الشرق“. ويمكن أن تكون تلك العبارة الأخيرة قد ظلّت سائدة لكنّها ما عادت تشير إلى الوعد السياحي الأصلي المرتبط بالمناظر الجبلية، على الأقل منذ ستينيات القرن العشرين. وأدّى هذا التغيير إلى تحويل الرؤية السياحيّة الوطنية من الجبال إلى العاصمة الساحلية المتوسطيّة. ولا بد من الإشارة، من الناحية التاريخية، إلى أنّ إظهار هذا التبديل يعدّ أمراً بالغ الأهمية في حال أراد المرء أن يفهم المكانة الجديدة التي احتلّتها بيروت في اقتصاد السياحة والترفيه، وأن يكشف استبدال الجبل بالبحر في المخيّلة الوطنية ما بعد الاستقلال.

شهدت صناعة السياحة في لبنان نمواً ملحوظاً في الستينيّات وهو ما انعكس زيادة في عدد السياح الدوليين، غير أنّ هذا النمو توقّف بسبب الحرب العربية- الإسرائيلية عام 1967، ثمّ بعد القصف الإسرائيلي لمطار بيروت الدولي في 28 كانون الأول 1968 الذي أدّى إلى تدمير ثلاثة عشر طائرة ركاب. ووضعت تلك الأحداث بيروت وسط منعطف سياسي ثوري عربي جديد. ويكفي القول هنا إنّ هذا المنعطف لم يكن إيجابياً من منظور رهان الدولة اللبنانية على السياحة الدولية والمستثمرين بها. فعدم الاستقرار السياسي المتزايد، منذ أواخر الستينيّات فصاعداً، كان من شأنه أن يجعل البلاد وجهةً أقلّ أماناً للسياحة الجماعية الدولية التي ازدهرت في أماكن أخرى على البحر الأبيض المتوسط. وبالتالي، اضطر المسؤولون عن السياحة في لبنان للضغط بشدّة في مواجهة صورة بلد بحالة اضطراب ثوري، مشدّدين على إظهار العكس تماماً: أي ساحل متوسطيّ مشمس ومدينة كوسموبوليتية عصرية. وفي الواقع، فقد أكّد تقرير وزاري سنوي عن السياحة بين عامي 1969 و1970 على قيمة الحملات الإعلامية التي تروّج لـ ”حسن الضيافة اللبنانية“ ليس فقط من أجل تعزيز اقتصاد الترفيه الذي هزّه النزاع السياسي بل كشكل من أشكال الدبلوماسية الدولية غير المباشرة (الحسن، 1970).

ولكن كانت أوجه القصور الكارثية في رؤية وطنية قائمة على السياحة اقتصادياً وثقافياً، واضحة للثوريين آنذاك بقدر وضوحها للمعارضين في شوارع لبنان اليوم. وتشهد الكلمات التالية، المأخوذة من مقالة نُشرت عام 1968 في ”ملحق النهار“، على الآمال الثورية غير المحققة التي لا يزال صداها يصدح بقوّة في احتجاجات الجيل الجديد، بعد 50 عاماً:

“ما نريد من الثورة هو أن لا نعود فنتّكل على شطارتنا كلبنانيين. شبعنا تدجيلاً. شبعنا حياة سمسرة وحياة بيع ”سياحة“ وحياة بيع ”اصطياف“ وما تخلّف وراءها من مؤامرات ودعارات ومقامرات وغيرها من حياة الفسق والفجور. نريد أن نعيش حياة شريفة مبرمجة تضمن لنا حياة المستقبل. الطبقة الحاكمة اليوم لا تستطيع أن تؤمّن معيشتنا ليوم غد. (أبو خليل، 1968: 10)

غرافيتي في شارع من شوارع بيروت، 2012. تصوير المؤلّفة.
غرافيتي في شارع من شوارع بيروت، 2012. تصوير المؤلّفة.

** هذه المقالة مقتبسة جزئياً من كتاب زينة معاصري الجديد، Cosmopolitan Radicalism: The Visual Politics of Beirut’s Global Sixties (Cambridge University Press 2020). (الراديكالية الكوزموبوليتية: السياسة البصرية لستينيّات بيروت العالمية) 

تعريب: فاطمة عطوي

قائمة المراجع

  • إيلي أبو خليل (1968)، اسمها على كلّ الشفاه، الملحق، جريدة النهار، 17 تشرين الثاني، ص. 10.
  • حسن الحسن (1970)، التقرير السنوي عن السياحة وأوضاع وزارة السياحة 1960-1970، بيروت: وزارة السياحة.
  • حسن الحسن (1973)، السياحة في لبنان: ماضياً وحاضراً ومستقبلاً، بيروت: مطبعة سليم.
  • شوقي البستاني (1966)، بروسبر غي بارا، الملحق، جريدة النهار، 19 حزيران ص. 12.
  • الأنوار (1971)، لبنان شاطئ الجمال، ملحق خاص لجريدة الأنوار، الأحد 13 حزيران، بيروت.
  • Emmanouil, Marina (2012) ‘Graphic Design and Modernisation in Greece, 1945–1970’, PhD thesis, The Royal College of Art / Victoria & Albert Museum.
  • Escobar, Arturo (1995) Encountering Development: The Making and Unmaking of the Third World, Princeton, NJ: Princeton University Press.
  • Gates, Carolyn (1998) Merchant Republic of Lebanon: Rise of an Open Economy, London: I.B. Tauris.
  • Gay-Para, Jean Prosper (1962) L’Evolution touristique du Liban 1951–1962, Beirut.
  • Gendzier, Irene (1997) Notes from the Minefield: United States Intervention in Lebanon and the Middle East, 1945–1958, New York: Columbia University Press.
  • Gendzier, Irene (2018) ‘The Question of Development’, International Journal of Political Economy, 47(2), 95–111.
  • Hazbun, Waleed (2008) Beaches, Ruins, Resorts: The Politics of Tourism in the Arab World, Minneapolis, MN: University of Minnesota Press.
  • Kassir, S. (2003) Histoire de Beyrouth, Paris: Fayard.
  • Latham, M. E. (2000) Modernization as Ideology: American Social Science and ”Nation Building“ in the Kennedy Era. Chapel Hill: University of North Carolina Press.
  • Menassa, Gabriel (1948) Plan de reconstruction de l’économie libanaise et de reforme de l’état, Beirut: Société Libanaise d’économie politique.
  • Mission IRFED – Liban (1961) Besoins et Possibilités de développement du Liban 1960–61, Etude Préliminaire, Beyrouth: République Libanaise, Ministère du Plan.
  • Tabet, Jaques (1924) Pour faire du Liban la Suisse du Levant: aperçu sur les conditions politiques, économiques et touristiques des deux pays, Paris: Ramlot.
  • Traboulsi, Fawwaz (2007) A History of Modern Lebanon, London: Pluto Press.
  • Pelta, R. (2011) ‘Visit Spain: The Image of Spain in the State’s Tourist Poster (1928–1975)’, The Poster, 2(2), 109–46.

1. من بين هذه الفنادق: فندق السان جورج (1932) و Bain Français في منطقة عين المريسة، وسان سيمون (1935) وسان ميشال (1937) في ضواحي بيروت الجنوبية.

انشر المقال

متوفر من خلال:

اقتصاد وصناعة وزراعة ، بيئة وتنظيم مدني وسكن ، بيئة ومدينة ، سياسات عامة ، لبنان ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *