الانتخابات التشريعية في تونس: الشعب لا يريد مشروع الرئيس


2023-01-30    |   

الانتخابات التشريعية في تونس: الشعب لا يريد مشروع الرئيس
من صفحة التلفزة الوطنية التونسية على الفايسبوك

“نسبة المشاركة لا تقاس فقط بالدور الأول بل بالدورتين، ومثل هذا الموقف القائم على التشكيك من جهات لا دأب لها إلا التشكيك…مردود على أصحابه بكل المقاييس بل هو شبيه بالإعلان عن نتيجة مقابلة رياضية عند انتهاء شوطها الأول”. هكذا علّق سعيّد على نسبة المشاركة الضئيلة التي تحصّل عليها خلال الدور الأوّل من انتخابات 17 ديسمبر 2022، ممنيا نفسه بنسبة أعلى خلال الدور الثاني. جاءت إجابة الشعب في الدور الثاني قاطعة مدوّية، بنسبة مشاركة تكاد تكون مطابقة للنسبة السابقة: 11،3% من المسجلين.

يوم 29 جانفي، أينما وليت وجهك تجد مراكز الاقتراع خاوية والأصابع غير محبّرة. مشهد اعتدنا الآن رؤيته ونحن في ثالث موعد انتخابي مفروض بسلطة “التدابير الاستثنائية”. موعد ضربته هيئة الرئيس استكمالا لمسار خطّه صلب خارطة طريقه المعلنة في 17 ديسمبر 2021، غاب عنه الناخبون ولم يحضره حتى ممثلو المترشحين. فراغ مكاتب الاقتراع لم تستسغه هيئة الانتخابات التي تمسكت في جلّ التدخلات الاعلامية بكونها لعبت دورها على أكمل وجه والذي لخّصته في 3 مهام، أولها إعلام المواطنين بيوم الانتخاب، ثانيها تمكين الهيئات من الإمكانيات البشرية واللوجستية وثالثها التعريف بالمترشحين باعتبار أنّ من بين أسباب عزوف الناخبين في الدور الأول جهلهم بالمترشحين، حسب قولها. لذلك أرسلت الهيئة، حسب تصريحات الناطق الرسمي بها، أكثر من 120 مليون رسالة قصيرة للناخبين لتذكيرهم بموعد الانتخابات ودعوتهم للتعرّف على المرشحين. لم تنفع هرسلة الناخبين والناخبات طوال الفترة السابقة للانتخابات، ولا ابتزازهم من طرف أنصار الرئيس في وسائل الإعلام بخطر “عودة المنظومة السابقة”، في دفع الناس للانتخاب.

لتفادي أيّ إحراج…فلنحجب المعلومة

منذ السويعات الأولى لانطلاق الدور الثاني للانتخابات، أدانت منظمة مراقبون المعنيّة بمراقبة سير العمليّة الانتخابية تعمّد العديد من رؤساء مكاتب الاقتراع، خلافا لما جرت عليه العادة، حجب نسب المشاركة. خلال المحطات الانتخابية السابقة، كانت الجمعيات الناشطة في هذا المجال تقوم بتجميع نسب المشاركة في عيّنة من المراكز بصفة دورية خلال يوم الاقتراع وتمكين المواطنين والمواطنات من تتبع ارتفاع نسبة المشاركة وذلك ممارسة لدوره في إتاحة المعلومة للمتابعين ولمقارعة أو مسايرة أرقام هيئة الانتخابات. خلال الدور الثاني، امتنع العديد من رؤساء المكاتب عن الإفصاح عن هاته الأرقام لجمعيّة “مراقبون” مكتفين بالإعلانات الرسميّة لهيئة الانتخابات خلال نقاطها الإعلامية في ضرب صارخ للحقّ في النفاذ إلى المعلومة وفي منع تامّ لإمكانية التثبّت ممّا إذا كانت الأرقام المفصح عنها قريبة للواقع من عدمه. هذا الحجب الذي اعتبرته العديد من المنظمات التونسيّة “مسّا صارخا لمبدأ الشفافية وإتاحة المعلومة، مما يضعف من الثقة في العملية الانتخابيّة”، جوبه في الجهة المقابلة وعلى لسان الناطق الرسمي للهيئة، محمد التليلي المنصري، بتكذيب وجود أي تعليمات بالحجب والتعلّل بانشغال رؤساء المراكز بتنظيم العمليّة الانتخابية وبالتشكيك في الاتهامات نظرا لقصور الجمعيات على تغطية عموم المراكز ونشر استنتاجات عامّة. تصريحات سرعان ما تمّ تفنيدها على لسان أحد رؤساء المراكز بساقية الزيت من ولاية صفاقس الذي أكّد خلال مداخلة على إذاعة ديوان إف إم أنّ جاءتنا تعليمات في آخر دور تكوينية تلقيناها لعدم الإفصاح على نسب المشاركة.

حجب المعلومة لم يقتصر على نسب المشاركة فقط بل امتدّ إلى منع الصحفيين من الدخول إلى مراكز الاقتراع وتغطية العملية الانتخابية في القيروان والكاف ونابل والمنستير وتونس العاصمة. وهو ما أكّد عليه ائتلاف الجمعيّات الشريكة لملاحظة الانتخابات خلال ندوة صحفية. ذات المنع تمّ تسليطه على الملاحظين الراجعين بالنظر إلى جمعيّة “شباب بلا حدود” من دخول مراكز ومكاتب الاقتراع أو ملاحظة ما يجري في ساحة الاقتراع ومحيطه أو أيضا حضور عمليّة افتتاح الصناديق. اعتمد رؤساء المراكز في ذلك تعلّة وجوب الاستظهار ببطاقات جديدة مغايرة لتلك المعتمدة في الدور الأوّل. وهو ما أكّد الناطق الرسمي لهيئة الانتخابات خطأه حيث أنّ بطاقات الاعتماد تبقى سارية المفعول للدورين. يُضاف لما سبق، عملية الاعتداء بالعنف المادي واللفظي على ملاحظتين لمرصد شاهد في مركز البطان من ولاية منوبة ومركز بسيدي مخلوف من ولاية مدنين.

كل الإخلالات التي تمّ رصدها طيلة يوم الاقتراع لاقت ردّا من قبل الهيئة خلال الإعلان عن النسب الأوّليّة للاقتراع، حيث أكّد رئيس الهيئة على أنّه سيتمّ تحميل المسؤولية لكلّ من ادّعى وجود إخلالات لا وجود لها فعلا وسيتمّ تتبعهم أمام القضاء بتهم الثلب والشتم.

نسبة المشاركة: سؤال محرج للسّلطة

من المعلوم أنّ نسبة المشاركة مثّلت الرهان الأكبر في هذا الدور الثاني من الانتخابات، حيث راهن رئيس الجمهورية على التأكيد على عمقه الشعبي من خلاله في حين راهنت هيئته المطيعة على حسن إتمامها للمهمة التاريخية التي أوكلها لها الرئيس، خصوصا بعد تحميلها وزر النسبة الهزيلة للمشاركة في الدور الأوّل من الانتخابات التشريعية -المتعلقة بالغرفة الأولى من البرلمان- والتي بلغت 11.22% والتي بررها الرئيس وهيئته بـ“غياب المال السياسي” و”نزاهة” العملية السياسيّة.

نسبة المشاركة مثلت اليوم السؤال المحوريّ في هذه الانتخابات باعتبارها ترجمة لمشروعيّة المجلس القادم وتثبيتا أو دحضا لشعبيّة الرئيس. إلاّ أنّها لم تختلف عن سابقتها، وذلك خلافا لتوقعات الهيئة التي كانت ترجّح نسبة بين 20 و30%. حتّى تعلّة تضخم الجسم الانتخابي، التي دأبت الهيئة على استعمالها منذ “الاستفتاء” لتبرير انخفاض نسبة المشاركة بخيار التسجيل الآلي للناخبين، تعرّت حقيقتها أكثر فأكثر هذه المرّة. فقد حرصت الهيئة على تفصيل نسبة المشاركة، حسب المسجلين إراديّا والمسجّلين آليّا. رغم هذا الإجراء المخالف للمنطق وللمعايير المعمول بها، لم تتجاوز نسبة المشاركة 14,5% من بين المسجلين إراديّا، في حين بلغت نسبة مشاركة المسجّلين آليا 2,15%. ساهمت الهيئة، بذلك، في فضح عبثيّة انتخاباتها وتأكيد مقاطعة الشعب لها. لم يجد أعضاء مجلس الهيئة هذه المرّة ما يفسّرون به ضعف الإقبال، مفضّلين توعّد من يتّهمهم بتزوير الانتخابات بتتبعات جزائيّة.

أي مشروعيّة لمجلس منتخب من عشر الناخبين؟

لا يمكن قراءة نسبة المشاركة في الانتخابات التشريعية، من دون مقارنتها بالمحطات الانتخابية السابقة. فلئن دأبت نسبة المشاركة على التراجع منذ الثورة إلى اليوم، فإنّها اليوم بلغت أدنى درجاتها. في الواقع، سجّلت انتخابات المجلس الوطني التأسيسي مشاركة أكثر من 4.3 مليون ناخبا، والانتخابات التشريعية لسنة 2014 أكثر من 3.5 مليون ناخبا، في حين لم تقلّ في تشريعيات 2019 عن 2.9 مليون ناخب. على الرغم من تراجعها ظرفيا خلال الانتخابات البلدية ل 2018 بمشاركة 1.9 مليون ناخبا، فانّها لم تنحدر يوما على عتبة المليون ناخبا كما هو الحال بالنسبة لهذه الانتخابات التشريعية التي سجلت في دورها الأوّل مشاركة هزيلة بلغت 1.025.418 وتقهقرت في دورها الثاني إلى عتبة 887.638 ناخب.

عديدة هي المعطيات التي أكدتها هذه الانتخابات التشريعية، فالمجلس الذي وعد به الرئيس الشباب لم يمثل الشباب من جملة ناخبيه سوى 4.8%، والمجلس الذي بشّر نظام الاقتراع بذكوريّته، لم تتجاوز نسبة ناخباته الثلث من المصوّتين، والمجلس الذي أكّد الرئيس على كونه سيمثّل الإرادة الحقيقية للشعب لم يمثل سوى أصوات 11% من الناخبين. فهل سيدرك الرئيس الأستاذ الدرس الموجع الذي ألقاه عليه الشعب ويتدارك نتائجه؟ أم أنه سيكابر ويستمرّ في المفاضلة بين أصوات الأقليّة الصادقة وأصوات الأغلبيّة الخائنة، مكابرة لن تغيّر في افتقار المجلس للمشروعيّة شيئا ولن تغيّر كذلك شيئا في كون المجلس القادم سيكون غرفة تشريع تابعة للرئيس تفتقد للعمق الشعبي ومعزولة عن فضائها السياسي والمدني، في ظلّ المقاطعة المتواصلة لجلّ الأحزاب السياسية والقوى المدنيّة للمسار؟

ناهيك عن كون هذا المجلس ليس مكتمل النصاب باعتبار أنّ دوائر الخارج بقيت شاغرة المقاعد في ظلّ عجز المترشحين عن تحصيل التزكيات. فهل سيتخلّى الرئيس عن أحد أهمّ أضلع مشروعه لاستكمال مؤسساته أم سيتواصل العبث الانتخابي من أجل مشروعه المتهافت، الذي يرى فيه خلاص الإنسانيّة جمعاء؟

لا غرابة في التحصيل على نسبة مشاركة هزيلة خاصّة وأنّ هذه الانتخابات التشريعية هي ثمرة مسار أحادي خطّه سعيّد بمفرده ومفتقر لأبسط شروط الديمقراطية. كما لا غرابة في تأكيد الشعب لعزوفه عن المشاركة في مسار 25 جويلية التي أدلى بها سابقا في محطّة الاستفتاء و الدور الأوّل للانتخابات التشريعية. فانتخابات 17 ديسمبر، التي أرادها الرئيس مرحلة أساسية في تنزيل مشروعه، قد تساهم على العكس في تعجيل القطع نهائيا مع هذا المسار.

انشر المقال

متوفر من خلال:

الحق في الوصول إلى المعلومات ، مقالات ، تونس ، دستور وانتخابات ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية