الاقتصاد الاجتماعي والتضامني في تونس… بين زمنين


2020-11-17    |   

الاقتصاد الاجتماعي والتضامني في تونس… بين زمنين

بعد ثلاثة أشهر من صدور القانون المتعلّق بالاقتصاد الاجتماعي والتضامني في تونس، غيّب الموت المناضل السياسي والنقابي أحمد بن صالح، الذي أطلق تجربة التعاضد كخيار تنموي رسمي للدولة، قبل أن تجرفه ارتدادات فشل التجربة خارج السلطة وإلى غياهب السجن والمنافي. تزامنٌ يكثّف من رمزية اللحظة التي أعيد فيها بعث هذا المنوال التنموي؛ بين ماض مثقل بالخيبة ومركون لغياهب النسيان وانسحاب رمز تاريخي لتجربة التعاضد، وبداية جديدة بأسس وقواعد مختلفة خصوصا على صعيد العلاقة مع المركز السياسي والمالي، محمّلة بمهام إقتصادية واجتماعية ضخمة في زمن الجائحة وأعباء تراكمات خمسة عقود من السياسات الليبرالية التي تبنّتها الدولة بعد سنة 1969 تاريخ انتهاء تجربة بن صالح في بناء ما أسماه يوما “الفضاء الجديد”.
إذن، ووسط مناخ من الخوف المزدوج، من جائحة عصفت بالأرزاق قبل الأرواح، ومن مشهد سياسي مضطرب غرق أطرافه في صراعات التموقع وتحصين مربّعات النفوذ والصلاحيات، خرج قانون الاقتصاد الاجتماعي والتضامني بصدى مكتوم وسط صخب اليومي السياسي والإحصائيات الدورية للإصابات الجديدة بفيروس كورونا وضجيج التحرّكات الاحتجاجية التي لم تتوقف لحظة منذ رفع الحجر الصحي الشامل، ليقدّمه المدافعون عنه ومناصروه كمفتاح الحلّ لمأزق المنوال التنموي الراهن وبوّابة لإنفاذ العدالة الاجتماعية ورفع المظلمة عن جهات ظلّت عقودا في الظلّ. ولأن هذا الأمل يستحقّ أن يصير واقعا، ولأنّ “أنسنة” المنوال الاقتصادي باتت ضرورة، ولأنّ مئات الآلاف من مواطني هذا البلد الذين لفظتهم المنظومة الاقتصادية الراهنة جديرون بمستقبل أفضل، كان يجب أن يُسلّط الضوء على هذا الملّف وأن يتمّ تفكيكه من مختلف الزوايا بحثا عن مواطن الضعف التي قد تنسف التجربة في مهدها وتنتج عقودا جديدة من الخيبة والإحباط.

تحليل ديناميات الاقتصاد الاجتماعي والتضامني في تونس مشروط بفهم أفضل للعوامل التاريخية والثقافية والسياسية.

بين صفحات العدد 19 من المفكرة القانونية، انتقلنا بين زمنين، نافضين الغبار بداية عن جذور الممارسات التضامنية وأشكالها في الثقافة الشعبية التونسيّة. لنتتبّع لاحقا مسار المأسسة منذ بدايات القرن العشرين عبر المنظمات النقابية وصولا إلى تجربة التعاضد في أواسط الستينيات. حقبة كانت محمّلة بالأحلام الكبرى في ذروة مرحلة بناء دولة ما بعد الاستقلال. إلاّ أنّ النظام الذي تبنّى الفكرة واستثمرها سياسيا لتركيز حكمه، لم يجد حرجا في أن ينفضها من ذمّته ساحبا بن صالح إلى مذبح السلطة متّهما وقربانا. تلك اللحظة التي كانت تاريخية بأتمّ معنى الكلمة على صعيد التغيير الجذري للسياسات الاقتصادية للبلاد، خلّفت سردية رسمية قاتمة عن تجربة التعاضد، شُطبت منها العديد من الفقرات. فحاولت المفكّرة القانونية النبش عن حكايات أخرى مغايرة لما دُوّن في دفاتر النظام والوقوف على رواية المهزومين. إذ إن تحليل ديناميات الاقتصاد الاجتماعي والتضامني في تونس مشروط بفهم أفضل للعامل التاريخي والثقافي والسياسي كأداة أساسية في البناء المستقبلي ونجاح هذا المشروع.
وكما تركت تجربة التعاضد وشماً في ذاكرة من تبنّوها ونفّذوها كما في ذاكرة من ناصبوها العداء، فإنها خلّفت وراءها نسيجا متكاملا من الهياكل والمؤسسات التي لم تزُل بنهاية التعاضد في تونس وظلّت قائمة تحت إشراف ورقابة الدولة. في هذا السياق، سعت المفكرة القانونية إلى استعراض مختلف مكوّنات الاقتصاد الاجتماعي والتضامني ليس فقط على صعيد البعد القانوني والتراتيب والنصوص المنظمة لعملها، بل على مستوى واقعها الراهن اقتصاديا وماليا، عبر مؤشرات مختلفة تفسّر في جانب منها أسباب فشل التجربة السابقة وتعكس من جهة أخرى أفق قدرة هذه الهياكل على القيام بالمهام المنوطة بها وحدودها.
وحتّى لا يبقى القانون حكرا على القانونيين، لم نكتفِ بتشريح القانون الجديد والتمعّن في دلالات وارتدادات فصوله المختلفة، بل تتبّعنا مراحل تشكله ورصد مختلف الأطراف المحليّة والأجنبية التي ساهمت في إعادة طرح الأسئلة حول بديل للمنوال الراهن. كما تناولنا تجارب دوليّة أثبتت أنّ قطاع الاقتصاد الاجتماعي والتضامني قادر على توفير طريق ثالث لمن سُدّت أمامهم طرق القطاع العام والخواص. وهنا كان لزاما المرور عبر الأشخاص الذين عملوا على صياغة القانون لاستكشاف فلسفته وغاياته. لكنّ الأهمّ كان استعراض مواطن الخلل في النسخة المُصادق عليها والتي ستواجه في مرحلة التطبيق إشكاليات ضخمة. فمعضلة الإنفاذ كانت حاضرة هي الأخرى في تناول المفكرة القانونية لملفّ الاقتصاد الاجتماعي والتضامني. لا من منطلق عدمي أو لإحباط العزائم، بل لبسط صورة كاملة عن المناخ الاقتصادي العام الذي رأى فيه هذا القانون النور، وعلاّت الهياكل ومنظومات التمويل المرتبطة به. لا لشيء، سوى لتجنّب مآل التجربة السابقة وحتّى يكون مسار الإنفاذ أكثر ثباتا وقدرة على الديمومة والاستمرار.

تجارب دولية عدة أثبتت أنّ قطاع الاقتصاد الاجتماعي والتضامني قادر على توفير طريق ثالث لمن سُدّت أمامهم طرق القطاع العام والخواص

لم يقتصر عمل المفكرّة القانونية في هذا الملّف على الاستعراض التاريخي أو التقني أو القانوني للاقتصاد الاجتماعي والتضامني، بل سلّطنا الضوء على تجارب لم تنتظر النصّ لتعتمد هذا المنوال التنموي حلاّ لأزمة المجتمعات المحليّة التي تخلّت عنها الدولة ولم تسل لعاب القطاع الخاص، في حالة من التطوّر الذاتي لمجموعات الرفض أو كتل المظلومين من الاحتجاج إلى الافتكاك ومن المساندة إلى طرح البدائل. حيث كانت تجربة جمنة حاضرة لا في سياق حالة الاحتفاء فقط، بل عبر طرح إشكالية التطوير والتحديات التي تنتظرها في ظلّ عدم قدرتها على تجاوز النمط التقليدي لعلاقات الإنتاج. كما لم تغب مبادرات عدد من مكونات المجتمع المدني في توظيف الاقتصاد الاجتماعي والتضامني لإنصاف الفئات الهشة وخصوصا من النساء ضحايا العنف والاقصاء الاقتصادي.

لماذا هذا العدد؟
الإجابة ببساطة لأننا نأمل أن يشكل قانون الاقتصاد الاجتماعي والتضامني طوق النجاة لفئات اجتماعية تخلّت عنها الدولة وظلمتها الجغرافيا وتعامت عنها رؤوس الأموال الخاصة. ولأننا نأمل أن نجاح هذا المشروع القديم-الجديد يتطلّب قراءة عميقة ومحايدة لمسار تاريخي طويل ومعقّد وراهن اقتصادي صعب وشائك. وأخيرا لأننا نأمل بقدرة الفطرة الإنسانية المبنية على العمل الجماعي والتشاركي والتضامني في إعادة تأسيس العلاقات الاجتماعية وتقويم الاختلال الطبقي وبناء مجتمعات تنتج لتسعد لا لتخلق فرقا من المسحوقين والساحقين.

 

نشر هذا المقال بالعدد 19 من مجلة المفكرة القانونية | تونس | لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه:
الاقتصاد الاجتماعي والتضامني بين زمنين

انشر المقال

متوفر خلال:

اقتصاد وصناعة وزراعة ، تونس ، حراكات اجتماعية ، حركات اجتماعية ، حقوق العمال والنقابات ، عمل ونقابات ، مجلة ، مجلة تونس



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *