الإعتداء على المحامين الأربعة: صورة مصغرة عن تركيبة الدولة


2016-02-10    |   

الإعتداء على المحامين الأربعة: صورة مصغرة عن تركيبة الدولة

وسط هوَّة كبيرة بين "وحش التفلت الأمني" و"إبن العائلة العريقة صاحب الحيثية والأعمال الخيرية"، تتربع رواية عن هذه الدولة، باتت من أدبياتها الكلاسيكية. لا تناقضات جديدة في رواية الإعتداء على أربعة محامين بينهم عضو مجلس نقابة، من قبل "رجال عصام الدامرجي". هي التناقضات المعتادة، التي تجتمع في كل شخصية من الشخصيات التي "تتمتع بحيثية معينة". فينبش تاريخه المليء بـ"المساعدات الخيرية لعشرات العائلات البيروتية" ليقال في سياق الحديث عن الإعتداء على محامين، أنه معروف أنه "رجل محترم".

ما تقدم، ليس الا مجموعة إقتباسات من حديث لـ"المفكرة القانونية" مع المحامي رفيق حاج، وكيل عصام الدامرجي "منذ حوالي 8 سنوات"، وهو أيضاً "صديقه". وأهم ما يؤكد عليه حاج، قبل الخوض بأي تفصيل، هو "الإلتزام بالتضامن مع النقيب بإجراءاته وبالإضراب"، وأنه لا يتكلم بصفته وكيلاً عن الدامرجي. فوكالته "غير صالحة شكلاً في هذه القضية ويحتاج لإذن من النقابة ليترافع عن الدامرجي بما أن خصمه هي النقابة نفسها، ومحامون زملاؤه".

وقبل الخوض في آراء النقابة و"الصديق"، لا بد من إستعادة للحدث الأساس. مساء يوم الجمعة الفائت توجه المحامون الأربعة، عضو مجلس النقابة زاهر عازوري وكل من رائد حمدان زينب دحبول وزينب الحاج الى المبنى الذي يسكن فيه الدامرجي بصفتهم وكلاء عن سكان آخرين في المبنى. خلال تواجدهم هناك تعرضوا للضرب والإعتداء عليهم من قبل مجموعة من أشخاص تابعين لـ"الدامرجي"، وهي مجموعة مسلحة. وقد أصيب حمدان إصابةً بالغة على الإثر، وهو يمكث في المستشفى منذ ذلك الحين، بعد أن أخضع لعملية في ساقه بسبب تعرضها للكسر، بالإضافة الى جروح في الرأس، ورضوض في الجسم. وتحتاج إصابته إلى المكوث حوالي 3 أشهر في المنزل، وفقاً لما نقله مقربون منه للمفكرة.

يوضح مفوض قصر العدل في نقابة المحامين ناضر كسبار لـ"المفكرة القانونية" أن المحامين الأربعة توجهوا الى المبنى لتمثيل وكلائهم، المتواجدين خارج لبنان، في اجتماع لجنة المالكين. ويفترض أن تتم مناقشة مجموعة من النقاط في الإجتماع من بينها إنتخاب رئيس جديد للجنة التي يترأسها الدامرجي منذ 12 سنة. وعادةً تحصل الإجتماعات في قاعة موجودة في مدخل المبنى، الا أن المحامين وجدوها مقفلة عند وصولهم بأمر من الدامرجي. يكمل كسبار مستعيداً حادثة مشابهة، عندما امتنع الدامرجي عن فتح القاعة أمام المالكين السنة الفائتة وأجرى الإجتماع في منزله. المسألة نفسها هذه السنة، مع وجود رجال "مفتولي العضلات عند باب القاعة بأمر من الدامرجي". وعندما أصر المحامون على الدخول الى القاعة لعقد الإجتماع، حصل ما حصل من إعتداء بالضرب عليهم.

يوضح كسبار أيضاً، أن توقيف الدامرجي احتاج لتدخلات عديدة من قبل النقابة مع أكثر من جهة أمنية. وهو اليوم موقوف لدى الشرطة القضائية، بينما تجري عملية التحري عن الأشخاص الباقين الضالعين بالإعتداء. كما يشير الى الطريقة المميزة في توقيفه والتي لا يلقاها أي مواطن، فخرج بسيارته ورافقته سيارات أمن الى مكان توقيفه.

لهذه الناحية، يجد الحاج أن هذا هو الأسلوب الذي يجب على كل المواطنين أن يعاملوا به عند توقيفهم، أي بإحترام، والذي يستطيع أن يفرض احترامه هذا "برافو عليه". يروي الحاج قصة شبيهة ولكن غير متطابقة. فوفقاً له، وقبل 5 أيام من الحادث، قام الدامرجي بزيارة عازوري في النقابة لحل المشكلة القائمة. والحال أن الدامرجي يعتبر أنه صاحب الحق برئاسة اللجنة على ما يبدو. يعزو الحاج ذلك الى أسباب عديدة، منها أن الموكلين لا يسكنون فعلياً في المبنى كونهم مستقرون بشكل دائم خارج لبنان، وبعضهم من جنسيات أجنبية. بالإضافة الى كون البرجاوي قد تكلف من ذمته الخاصة ما يزيد عن 120 ألف دولار كمصاريف مبنى، بدلاً عنهم وفقاً له. 

يشير الحاج هنا الى وجود "إجراءات شكلية على المحامين إتباعها قبل دخول أماكن مقفلة". ليضيف مأخذاً آخر على المعتدى عليهم، ذلك أن "الغلط انو تفوت كمحام بوقت مش مظبوط بيعمل مشكل". والمقصود بالوقت غير الصحيح، وفقاً لصديق الدامرجي، أن "يوم الجمعة لم يكن التاريخ المحدد لإجتماع لجنة المالكين بل كان محدداً في 11 من الشهر الجاري".  وبناءً عليه "وبصفة الدامرجي رئيس لجنة المالكين، له أن يقفل الصالة ويفتحها متى شاء". يضيف أنه من "الواضح أن رجلاً له مكانته ويحمل جواز سفر أجنبي وهو من عائلة بيروتية عريقة ولديه حيثيته، لديه ظروف لا تسمح لأحد بالدخول إلى المكان الذي يسكن فيه".

بغض النظر عن تفاصيل الحادث، تبقى الحقيقة الساطعة هي حقيقة تركيبة الدولة، التي لا حصانة فيها لأحد إلا الأقوياء. والأخيرون يكتسبون حصاناتهم بسلاحهم ورجالهم وتطاولهم على القانون.

خلال الإضراب التضامني الذي أعلنته نقابة المحامين اليوم على إثر الإعتداء، وعقد في إطاره نقيب المحامين في بيروت أنطونيو الهاشم مؤتمراً صحافياً، أعلن فيه: "إهتزت ثقتنا بالمؤسسات الرسمية". يستذكر الهاشم "كل الذين تعرضو قبل المحامين الأربعة، أي رانيا غيث، وسيم كوثراني وغيرهم". هذه الملفات لم تصل الى خواتيمها بعد، ولكن "النقابة تعرف كيف تسير الأمور ولن ترضى أن تسير كما كانت في السابق". ويعلن أن "القضاء تعاون معنا" وبالتالي لا إجراءات إضافية عن اضراب اليوم، فـ"تحركات النقابة قانونية وأمام القضاء".

وعليه يؤكد نقيب محامي بيروت  أن ما جرى "لا يمكن تجاوزه أو السكوت عنه، فنقابة المحامين لن تكون شاهد زور على سقوط الدولة، سنلاحق المعتدين بكل ما نملكه من قوة الحق وحجة القانون". يضيف هاشم مذكراً "ان المادة 76 من قانون تنظيم مهنة المحاماة وما يوازبها من قانون العقوبات واضحة تماما، فكل جرم يقع على محام أثناء ممارسته المهنة أو بسبب هذه الممارسة يعرض الفاعل والمشترك والمتدخل والمحرض للعقوبة نفسها التي يعاقب بها عند وقوع هذا الجرم على قاض".

الأهم فيما قاله الهاشم أن التساؤلات التي يعد بطرحها لا تقف عند حدود الإعتداء بل تصل الى "من يغطي تراخيص السلاح ولماذا نقل المعتدي بسيارته بدل من أن يساق مغفوراً بسيارة قوى الأمن، ولماذا تقاعست القوى الأمنية عن الحضور الى موقع الجريمة قبل حصولها علماً أنها تلقت إتصالين من المحامين".

التزام الهاشم بطرح هذه الأسئلة، في إطار سياق كامل من النقد الموجه ضد الحالة الأمنية في الدولة تبناه في خطابه اليوم. وإلتزامه بعدم السماح بـ "لفلفة القضية، فيخطئ من يظن أننا سنراعي مصلحةً أو سنساير موقعاً أو نخشى نفوذاً"  يعني أن تلتزم النقابة بطرح الأسئلة "المحظورة" وهي تتعلق ببناء الدولة وبناء الفساد وانتشاره في مؤسساتها. فهل تلتزم نقابة المحامين فعلاً بهذه القضية كقضية شأن عام ومصلحة عامة، أم ستعيدها الى حدود واقعة شخصية مسّت بحصانة المحامين؟!

انشر المقال

متوفر من خلال:

محاكمة عادلة وتعذيب ، لبنان ، مقالات



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية