الإضرابات تشلّ المحاكم التونسية: سؤال عن الحقوق الاجتماعية وآخر عن حقّ التقاضي


2020-12-15    |   

الإضرابات تشلّ المحاكم التونسية: سؤال عن الحقوق الاجتماعية وآخر عن حقّ التقاضي
تونس

بتاريخ 12-12-2020، وبسبب ما اعتبره تجاهلا لمطالبه، مدّد المكتب التنفيذي لجمعية القضاة التونسيين إضراب القضاة الذي انطلق بتاريخ 16-11-2020 لمدة خمسة أيام أخرى. وكانت الهيئة الإدارية لنقابة القضاة التونسيين قد أعلنت منذ يوم 04-12-2020 ولذات الأسباب عن تمديد إضرابها لأجل غير محدود. من جهتهم، اعتصم كتبة المحاكم وأعوانها بمقرات المحاكم وتوقفوا عن تأمين العمل الاعتيادي بها بداية من تاريخ 21-11-2020 استجابة لدعوة صدرت لهم من الجامعة العامة لأعوان وزارة العدل وأملاك الدولة والملكية العقارية التابعة للاتحاد العام التونسي للشغل. وساندتها النقابة الوطنية لأعوان وإطارات العدلية.

يشترط القضاة لرفع إضرابهم أن تستجيب الحكومة لمطالبهم الاجتماعية ومن ضمنها تحسين تأجيرهم زيادة على تعهدها بالعمل على تسريع إصلاح القضاء ومن ذلك سن قوانينهم الأساسية. فيما تتمسك  نقابات العدلية بجملة من المطالب الاجتماعية لمنظوريها ترفض إنهاء تحركها دون الاستجابة لها، ومن أهمها سن قانون أساسي خاص بهم علاوة على إسنادهم منح خصوصية تلائم أهمية دورهم في منظومة العدالة.

في الجهة المقابلة، رفض حتّى الآن الطرف الحكومي أيّ حديث عن تعهّدات ذات أثر ماليّ لأيّ منهما وبرر موقفه بالصعوبات التي تواجهها المالية العمومية. وعليه، انتهت المفاوضات إلى خانة الأزمة مما أدى إلى تعطيل مرفق العدالة لمدة فاقت الشهر. وقد عطّل تزامن إضراب القضاة مع اعتصام الكتبة النظر في القضايا المعاشية وقضايا المتهمين الموقوفين  بما يطرح السؤال عن واقع الحق في التقاضي. وأدى الحراك الناتج عنهما لإلحاق ضرر بنشاط المهن القضائية الحرة بما أجّج الصراع القطاعي صلب منظومة العدالة خصوصا بين القضاة والمحامين وهو أمر قد يكون له أثر مستقبلي على  عمل المحاكم.

شلل مرفق العدالة: صراعات العدالة تمسّ بالحق في التقاضي

بالنظر لما يظهر من ضعف اهتمام حكوميّ بمرفق القضاء ولتأخّر الدولة في تنفيذ ما التزمت به سابقا من إصلاحات، يبدو تحرّك القضاء وإطارات المحاكم وأعوانها مبررا موضوعيا. وقد فاقم من ذلك ضعف اتّصالي وغياب قدرة على معالجة الاشكاليات في جانب وزير العدل محمد بوستة.

في مقابل ذلك، يلاحظ أن دعوة نقابة الكتبة لاعتصام مفتوح لم يتضمّن استثناءات تضمن استمرارية المرفق القضائي. كما يلاحظ أن نقابة القضاة وجمعيتهم وإن حددت كل منهما استثناءات لا يشملها الإضراب فإنهما لم يتفقا على ماهيتها. وبدت بفعل ذلك التحركات الاحتجاجية صادمة لكونها عطّلت نظر قضايا الموقوفين في وقت تشكو فيه المؤسسات السجنية اكتظاظا لا يلائم انتشار فيروس الكوفيد بها بما يمسّ بصحة المساجين علاوة على حقّهم في المحاكمة. كما أدّت هذه التحركات لتعطيل عمل مرفق القضاء في المسائل المعاشية والحياتية ومنها إقامة حجج الوفيات. ويلاحظ هنا إيجابيا أن جانبا هاما من قضاة النيابة العمومية وكتبة المحاكم بذاك المرفق مارسوا حقهم في الإضراب بتحفظ كبير، بما منع انهيارا حقيقيا لسلطة دولة القانون.

ويبدو من المتعيّن باعتبار ما تبين من أثر سلبي للتحركات الاجتماعية على الوظيفة الاجتماعية لمرفق العدالة التفكير في مواثيق شرف تضمن توازنا بين حق المشتغلين بالعدالة ومنهم المحامين والقضاة وكتبة المحاكم وواجب كل من هؤلاء في احترام استمرارية مرفق القضاء. ويبدو أن نجاحهم في تجاوز تناحرهم الداخلي الذي غذاه الإضراب هو السبيل الواجب لتحقيق ذلك.

الحراك يغذي الصراعات القطاعية: ظواهر يجدر القطع معها

بمجرد إعلان القضاة لتحركهم الاحتجاجي، اصطفّ عميد المحامين ابراهيم بودربالة في جانب المعارضين لهم المنددين بهم والمطالبين بردعهم. في ذات الحين، حرص العميد على عدم معاداة كتبة المحاكم من خلال تأكيده على ضرورة التفاوض معهم والاستجابة لمطالبهم. ومن جانبها، دعت الندوة الوطنية لفروع الهيئة الوطنية للمحامين في البيان الذي صدر عنها بتاريخ 12-12-2020 السلط العمومية في مواجهة إضراب القضاة والمحامين “لتفعيل قاعدة العمل المنجز واعتماد آلية التسخير لضمان الحدّ الأدنى لاستمرارية مرفق القضاء واتخاذ الإجراءات اللازمة من أجل تعطيل القضاء وإنكار العدالة”. 

وقد اعتبر القضاة والكتبة تحريض المحامين السلطة ضدهم موقفا قطاعيا يفتقر لما يحاول أن يبدي من مبدئية خصوصا وأن هياكل المحامين كانت أسبق منهم في إعلان إضرابات شلّت في حالات عديدة عمل المحاكم بالجهات لمدد طويلة. كما برز نتيجة لتلك المواقف تبادل للاتهام بين مختلف مكونات العدالة بشبكات التواصل الاجتماعي وفي الإعلام، بما ينذر بمزيد تعميق الخلافات القائمة بينها وبما قد يضر مستقبلا بقواعد تعاملها بالمحاكم.

ويبدو هنا أن إغراق المشتغلين في قطاع العدالة في خطاب قطاعي أدّى لعدم تفهم بعضهم لمشاغل البعض من خارج قطاعهم وهو أمر يستدعي معالجة جدية بعيدة عما ساد حتّى الآن من حشد قطاعي لم يثمر وكان سببا لاشكاليات تكررت ومسّت بالثقة العامة بمختلف المشتغلين بالقضاء.

انشر المقال

متوفر من خلال:

المرصد القضائي ، المهن القانونية ، تونس ، حركات اجتماعية ، حرية التجمّع والتنظيم ، حقوق العمال والنقابات ، عمل ونقابات ، قضاء ، محاكم مدنية ، نقابات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *