الإصلاحات التعليمية في تونس: تاريخ سياسي بامتياز


2020-06-30    |   

الإصلاحات التعليمية في تونس: تاريخ سياسي بامتياز

ليس غريبا أن يكون التعليم، بما يمثله من صناعة أجيال المستقبل، أحد أهم رهانات الصراع الفكري والسياسي. تونس لم تشذ عن القاعدة. فقد كان التعليم في قلب المشاريع التحديثية منذ القرن التاسع عشر، بإنشاء المدرسة الحربية بباردو سنة 1840 وخاصة المدرسة الصادقية سنة 1875، أي قبل سنوات قليلة من احتلال البلد من الفرنسيين. كما طالت التعليم الزيتوني التقليدي آنذاك وحتى النصف الأول من القرن العشرين محاولات عديدة للإصلاح جوبهت في معظم الأحيان بمقاومة شديدة، حفاظا على امتيازات معينة أو خوفا من التجديد أو ريبة من مبادرات أتى بعضها من السلطة الإستعمارية[1]. هذا الإنقسام بين التعليم التقليدي والتعليم العصري أنتج صراعا بين نخبتين، كثيرا ما كانت السياسات التعليمية محوره. صراع ظهر في معظم الإصلاحات التربوية بعد الاستقلال، سواء في رهان توحيد التعليم، أو في السؤال حول لغة التعليم بين التعريب وثنائية اللسان، وصولا إلى البرامج وخاصة تلك المتعلقة بالتربية الدينية والفلسفة. معظم هذه "الإصلاحات"، التي سميت بأسماء الوزراء الذين أشرفوا على صياغتها، ارتبطت كذلك بالسياق السياسي الذي أتت فيه، فتقلبت بتغير الخصم السياسي الأكثر خطرا في نظر السلطة.

 

التعليم في زمن الاستعمار : تعددت الأنظمة وقلّ المتعلمون

لقد كان تعميم التعليم ومجانيته من أهم مطالب الحركة الوطنية في زمن الاستعمار، بداية من الشباب التونسي في أول القرن العشرين[2] وصولا إلى الحزب الدستوري القديم ثم الجديد[3]. فلم ينص أمر 15 سبتمبر 1888، وهو بمثابة أول قانون ينظم التعليم في تونس، على إجبارية التعليم ومجانيته، خلافا للقوانين الفرنسية التي سبقته بسنوات والذي استوحى منها معظم أحكامه. فقد اقتصر رهان لويس ماشويل، مدير التعليم العمومي الذي صاغ هذا النص، على الحد من انتشار المدارس الحرة لدى الجاليات الأوروبية، وفرض تدريس الفرنسية فيها في إطار التنافس الفرنسي-الإيطالي الذي طبع الفترة الأولى من الإستعمار[4].

في الأثناء، بقي معظم الأطفال التونسيين محرومين من التعليم. فرغم إنشاء المدارس الإبتدائية الفرنكو-عربية المتاحة للتونسيين ولأبناء الجاليات الأجنبية، وبعضها خصص للفتيات، إلا أن عددها ظل قليلا جدا بالمقارنة مع عدد الأطفال في سن التمدرس[5]، كما أنها جوبهت بريبة من طرف نسبة كبيرة من الأهالي نظرا لتدريسها البرامج الفرنسية وتهميشها اللّغة العربية.

ريبة دفعت قدماء "الصادقية" لبعث "مدارس قرآنية" عصرية، تجمع بين التعليم الديني (كما يدل اسمها) وجزء من البرامج الفرنسية. لم تكن المدارس القرآنية مختلطة، ولكن خصص بعضها للفتيات، وكانت بمثابة مدارس حرة ولكن ممولة من إدارة التعليم العمومي وخاضعة لرقابتها، وتتميز عن الكتاتيب التي تكتفي بتعليم القرآن واللغة العربية عن طريق مؤدبين وبطريقة تقليدية.

ارتفع ضغط الحركة الوطنية في الأربعينات من أجل تعميم التعليم الإبتدائي وتعريبه، مما أثمر سنة 1949 ما عرف بإصلاحات لوسيان باي، مدير التعليم العمومي آنذاك، والتي انطلقت من مقترح الجامعة الوطنية للتعليم التابعة للإتحاد العام التونسي للشغل واقتضت زيادة في ساعات التدريس بالعربية، بالإضافة إلى برنامج يهدف لبلوغ نسبة تمدرس قصوى عند سكان المدن في أفق سنة 1969[6].

غير أن نسبة التمدرس بقيت ضعيفة جدا في صفوف التونسيين إلى حدود الاستقلال. فقد بلغت في سنة 1953 أقل من 15%، في حين أنها كانت تتجاوز 94% لدى الأطفال الفرنسيين في تونس في آخر الأربعينات كما لم يتجاوز عدد التلاميذ التونسيين في التعليم الثانوي غداة الاستقلال 12 ألفا[7].

 

سؤال التعليم يطرح مباشرة بعد الاستقلال

ليس مفاجئا إذن أن يحتل ملف التعليم موقعا بارزا في سلم الأولويات مباشرة بعد الاستقلال. تمثلت أهم الرهانات آنذاك في تعميم التعليم، استجابة لعطش عدد كبير من التونسيين لذلك، وتوحيده وتونسته.

قام الجلولي فارس، الذي شغل خطة وزير التربية في حكومة الطاهر بن عمار الثانية، ببعض الإصلاحات التي شملت تأميم المدارس القرآنية العصرية وإصلاح التعليم الزيتوني وبسط إشراف الوزارة عليه. ثم تولى الأمين الشابي، عضو المجلس القومي التأسيسي وكاتب عام نقابة التعليم الثانوي، وأخ الشاعر أبو القاسم الشابي، وزارة التربية القومية في الحكومة التي ترأسها الحبيب بورقيبة في أفريل من سنة 1956.

يروي محمد المزالي، الذي كان مدير ديوانه آنذاك قبل أن يعود ليتولى الوزارة في السبعينات، كيف أن سياسة الأمين الشابي لم تقنع اللجنة القومية لإصلاح التعليم في ثلاث نقاط أساسية: وهي نسق تعميم التمدرس، ومحتوى البرامج ونسق التعريب[8]. فقد دافع الشابي على ترفيع تدريجي لطاقة استيعاب المدارس العمومية خوفا من أن يكون ذلك على حساب جودة التعليم، وعلى تعميم استعمال العربية كلغة للتدريس على جميع أقسام الإبتدائي. لكن اللجنة انتصرت للرؤية المقابلة، التي كان يقودها محمود المسعدي، الأديب ومدير التعليم الثانوي آنذاك بالوزارة، بعد تحكيم من بورقيبة نفسه[9]. ونتيجة لذلك، استقال الشابي من الوزارة في شهر ماي من سنة 1958، ليعوضه محمود المسعدي.

 

قانون 1958: إجبارية ومجانية التعليم للجميع

لم يكن محمود المسعدي فقط أحد أهم الأدباء في تاريخ تونس، بل ناضل منذ الثلاثينات في صفوف الحركة الوطنية، كما انتخب رئيسا للجامعة القومية لنقابات التعليم وأمينا عاما مساعدا للإتحاد العام التونسي للشغل منذ تأسيسه سنة 1948 إلى سنة 1954.

تولى المسعدي كتابة الدولة للتربية القومية لمدة عشر سنوات كاملة. لكنه لم ينتظر أكثر من ستة أشهر لإصدار أول قانون ينظم التعليم بعد الاستقلال، وهو القانون عدد 118 لسنة 1958 المتعلق بالتعليم.

جعل هذا القانون أربعة أهداف جوهرية للعملية التربوية، أولها "تزكية الشخصية وتنمية المواهب الطبيعية عند جميع الأطفال ذكورا وإناثا بدون أي تمييز بينهم لاعتبار جنسي أو ديني أو اجتماعي".

ويبقى أهم مكسب جاء به قانون سنة 1958 هو إقرار اجبارية التعليم من سن السادسة إلى سن الثانية عشر. ولئن ترك تحديد التاريخ الذي يبدأ فيه تطبيق الإجبارية إلى نصوص لاحقة، فإن منطوق الفصل الثاني من القانون ترجم الروح السائدة آنذاك : "أبواب التربية والتعليم مفتوحة في وجوه جميع الأطفال ابتداء من سن السادسة". كما أقر الفصل الثالث مجانية التعليم في جميع درجاته، ضمانا لتكافؤ الفرص. وقد صاحب هذا الإقرار التشريعي استثمار كبير في البنية التحتية التربوية، إذ لم تكن المدارس الموجودة قادرة على استيعاب عدد الأطفال في سن التمدرس. فاستحوذ التعليم على ما بين خمس وثلث الميزانية كل سنة، وارتفع عدد المدارس في عقدين (1958-1978) من 889 إلى 2423 مدرسة، وعدد قاعات التدريس من 4495 إلى 14441[10]، أي أن تلك الفترة شهدت زيادة بقاعة درس جديدة كل 17 ساعة. وخلافا لما أتى في خطة ليسيان باي سنة 1949، لم يقتصر الإستثمار في التعليم على المدن، بل أن ثلاثة أرباع المدارس الإبتدائية الجديدة وقع بعثها في الأرياف. هذا الاستثمار مكن من زيادة عدد تلاميذ الإبتدائي، بين 1960 و1970، من 360 إلى أكثر من 900 ألف، وعدد تلاميذ الثانوي من 35 إلى 180 ألف[11].

 

كما وحّد قانون 1958 التعليم، حيث نصّ الفصل السابع منه على أن "التعليم الابتدائي واحد بالنسبة للجميع"، وهو ما يعني أن التعليم الديني، سواء في الكتاتيب القرآنية أو في المدارس المسيحية أو اليهودية لا يعفي من التعليم الإبتدائي الرسمي الإجباري. توحيد لم يمر دون ارتفاع أصوات بعض المدافعين على التعليم التقليدي الديني، وعلى مركزية جامع الزيتونة في المنظومة التعليمية[12]. وقد عرفت تلك الفترة أيضا توحيدا للقضاء، الذي كان هو الآخر منقسما على أنظمة عديدة حسب الدين أو الجنسية، وكذلك توحيد قانون الأحوال الشخصية مع صدور مجلة الأحوال الشخصية سنة 1956.

ولكن، رغم التنصيص على عدم التمييز بين الذكور والإناث في القانون المنظم للتعليم، فإن قانون 1958 لم يقر الاختلاط بين الجنسين في المدارس. بل أن الأمرين اللذين صدرا في سنتي 1961 و1964 نصا صراحة على تقسيم المدارس الإبتدائية إلى مدارس للذكور وأخرى للإناث وأخرى مختلطة، ولم يتم تعميم الإختلاط إلا في سنة 1968 مع الوزير أحمد بن صالح[13]. كما بقيت نسبة الأمية، رغم كل المجهودات، مرتفعة نسبيا لدى النساء وفي الأرياف[14].

 

رهان تعريب التعليم: اختلاف في المبدأ أم في الرزنامة؟

لم يقتصر الخلاف بين سياسة الأمين الشابي وسياسة محمود المسعدي على نسق نشر التمدرس، وإنما تعلق كذلك بمسألة تعريب التعليم، إذ دافع الشابي على تعريب فوري للتعليم، في حين حافظ المسعدي على توزيع اللغات الذي كان قائما عند الإستقلال، مع تونسة البرامج وخاصة تلك المتعلقة بالتاريخ والجغرافيا والتربية المدنية[15].

ومن اللافت أن المسعدي، وهو من أهم الأدباء التونسيين الذين كتبوا باللغة العربية، كان من بين المدافعين على تعريب التعليم في زمن الاستعمار[16]. لكن، ورغم أن ثنائية اللسان كان لها (ولايزال) مدافعون في النخبة التونسية، يبدو الخلاف بين مشروع المسعدي وبورقيبة من جهة، ومشروع الشابي الذي استأنفه المزالي بعد ذلك من جهة أخرى، هو في أولوية المسألة، خاصة في غياب موارد بشرية كفيلة بتحقيقها سريعا. فقد صرح بورقيبة نفسه في خطابه أمام المدرسة الصادقية الذي قدّم فيه إصلاح 1958، بأن "التعليم بالمدارس الثانوية سيكون متجها الى التعريب واستعمال اللغة العربية حيث تكون لغة التدريس لجميع المواد، إلا إذا اقتضت الضرورة والظروف وذلك لأجل مؤقت، استعمال اللغة الفرنسية للإستفادة من الإمكانيات التي بأيدينا، ريثما تعدّ المدارس التكوينية الإطارات الضرورية للتعليم باللغة العربية في جميع المواد"[17]، إذ أن نسبة مهمة من إطار التدريس المتوفر عند الاستقلال كانت من الفرنسيين. نفس الحجة يقدمها أحمد بن صالح في كتابه، حيث يقول أن تعريب جميع المواد لم يثر أبدا إشكالا مبدئيا، وإنما طرح فقط إشكالا تطبيقيا[18]. رأي لا يشاطره محمد المزالي، الذي يعتبر أن سياسة الستينات تراجعت حتى على مكتسبات في التعريب افتكتها الحركة الوطنية من سلطات الحماية، وصولا إلى قرار بن صالح تدريس الفرنسية منذ السنة الأولى عوض الثالثة[19].

ما من شك أن اللغة الفرنسية أثارت ولا تزال صراعا بين من يعتبرها "غنيمة حرب"[20] وجب استثمارها، ونافذة على الحداثة والعالم، ومن يعتبرها من رواسب الإستعمار التي لا مبرر لها، ومعيارا للتمييز الطبقي والجهوي والإجتماعي، وصولا إلى الدفاع عن استبدالها بالانجليزية كلغة ثانية. نفس الجدل يطال اللغة العربية، إذ هنالك من يعتبرها لغة تجاوزها العصر وسبب تخلفنا ويربط بينها وبين صعود الإسلاميين[21]، وصولا إلى المطالبة بالشروع في التحضير لاعتماد العامية التونسية كلغة تعليم[22]. جدل كثيرا ما غلب عليه (من الجهتين) التشنج وغابت عنه الحجج الموضوعية، رغم أهمية الأسئلة التي يطرحها.

 

إصلاحات المزالي في السبعينات: ما أخفته شجرة التعريب

بعد تخلّي بورقيبة عن تجربة التعاضد في خريف 1969، كانت حقيبة التربية آخر وزارة تُسحب من أحمد بن صالح، تمهيدا لمحاكمته. عين بورقيبة مكانه محمد المزالي، الذي كان مدير ديوان الأمين الشابي في نفس الوزارة، والمعروف بمناصرته الشديدة لتعريب التعليم. شغل المزالي منصب وزير التربية مدة ثماني سنوات[23]، سمحت له بإدخال إصلاحات عميقة على المنظومة التعليمية، أهمها تعريب التعليم. فقد استكمل المزالي تعريب كافة المواد، ومنها العلمية كالحساب والإيقاظ العلمي، بالنسبة لكل مستويات التعليم الابتدائي. أصبحت الفرنسية تدرس فقط كلغة أجنبية، وابتداء من السنة الرابعة[24]. أما في التعليم الثانوي، فقد بقيت الفرنسية لغة تدريس المواد التقنية والعلمية، في حين تم تعريب مواد التاريخ والجغرافيا والفلسفة[25]. كما عرفت البرامج التعليمية تحويرات عديدة، وذلك وفق نفس الرؤية التي تهدف، أولا وقبل كل شيء، إلى "استرداد هويتنا الوطنية والحفاظ على خصوصيتنا الثقافية"[26]. عرفت إصلاحات المزالي انتقادات واسعة، حيث اتهمت بأنها ماضوية. فقد أدى التعريب السريع لمواد التاريخ والجغرافيا والفلسفة إلى تعويض عدد كبير من المدرسين التونسيين من ذوي التكوين العصري والمتعاقدين الفرنسيين بمدرسين جدد من ذوي التعليم الزيتوني أو الدارسين في جامعات شرقية، وكان هؤلاء متشبعين بأفكار تقليدية نقلوها إلى الناشئة[27]. كما أصبح تدريس الفلسفة مركزا على الفلسفة العربية الإسلامية، وهي المادة التي كان يدرّسها المزالي نفسه في الصادقية، بل وعلى الغزالي بالتحديد[28] وهو الذي كتب "تهافت الفلاسفة". أما التربية المدنية، فأسند تدريسها إلى أساتذة التربية الاسلامية، التي تقرر أيضا مضاعفة وقتها، بعد اجتماع للمجلس الأعلى للتربية[29].

هذه الاجراءات التي تم إقرارها، إن لم يكن بمبادرة من بورقيبة، فعلى الأقل بموافقته، لا يمكن قراءتها بمعزل عن السياق السياسي لآخر الستينات. فقد شهدت تلك الفترة تعاظم قوة اليسار في الجامعة، وارتفاع أصواته ضد سياسات النظام كما حصل مع إضرابات مارس 1968. كما أن ما حصل في شهر ماي من نفس السنة في فرنسا كان حاضرا في أذهان السلطة وساهم في قمعها بشدة التحركات في الجامعة. لكن الإجابة لم تكن فقط قمعية، وإنما أيضا ثقافية، ببعث جمعيات المحافظة على القرآن الكريم، وكذلك تربوية. فطلبة الجامعة هم نتاج المنظومة التربوية التونسية، وبالتالي ارتأت السلطة السياسية خوض المعركة ضد أفكار اليسار ابتداءً من المدرسة[30]، بتغيير محتوى البرامج باسم الهوية "العربية الإسلامية".

لا يزال اسم محمد المزالي، الذي تحمل مسؤوليات عديدة في الحكم ومنها الوزارة الأولى، مرتبطا أولا وقبل كل شيء بسياسته التعليمية. حتى أن بورقيبة، عندما قرر إقالته سنة 1986 وقد أمضى أكثر من ست سنوات في الوزارة الأولى وكان خليفته المنتظر، شرح له قراره بقوله : "يا سي محمد عربت ياسر (كثيرا) التعليم؟ قلت لك لا تعرّب!"[31]. فكان أحد أول القرارات التي اتخذها بورقيبة يومين بعد إقالة المزالي، إعادة تدريس الفرنسية منذ السنة الثالثة.

 

محمد الشرفي: "الوزير المصلح" الذي كفّره الإسلاميون

تولى محمد الشرفي، أستاذ القانون المدني وأحد رموز حركة آفاق اليسارية في الستينات ورئيس الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، وزارة التربية في 11 أفريل 1989، أي سنة ونصف بعد الإنقلاب "الطبي" لبن علي. كانت للشرفي رؤية إصلاحية للمدرسة، تقوم على مصالحتها مع العصر والدولة ومبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان. فقد كان يعتبر أن التعليم في تونس يتبع توجها رجعيا، على عكس توجه الدولة الحداثي، وأن المدرسة التونسية لا تربي الأطفال على حب تونس وعلى الإندماج في مجتمعهم، وإنما على مُثُل ومرجعيات تناقض ذلك[32].

وضع الشرفي كأولوية مطلقة مراجعة البرامج المدرسية. بل أنه قرر، أمام استحالة إعداد وطبع كتب مدرسية جديدة في بضعة أشهر، سحب كتابي التربية الإسلامية للسنتين الخامسة والسادسة من التعليم الإبتدائي وتعويضهما بكتاب للمختار السلامي، مفتي الجمهورية آنذاك، حول الإجتهاد في الإسلام. فقد وجد في الكتابين مضامين خطيرة، كحق الزوج في ضرب زوجته، والخلافة بصفتها النظام السياسي الوحيد المشروع في الإسلام، وحدّ الردة لتارك الصلاة وقائمة بالمفكرين الذين تحرم قراءتهم، مثل جان بول سارتر[33].

أعلن الشرفي عن ذلك في ندوة صحفية في شهر سبتمبر من سنة 1989، وشرح رؤيته للمدرسة وخطورة ما وجده في الكتابين المسحوبين. كانت احتجاجات الإسلام الرسمي ضد قرارات وزير التربية قد بدأت منذ أشهر[34]، لكن ردة فعل حركة النهضة كانت أقوى بكثير. فقد أصدرت بيانا بإمضاء عبد الفتاح مورو، عنوانه "لا للسخرية من الإسلام"، يتهم الشرفي بتكريس "مشروع بورقيبة المحارب للإسلام واللغة العربية" و"بالتهجم على مقدسات الأمة ومشاعرها". لم يكن هذا البيان سوى مقدمة لتحركات ميدانية عنيفة، فقد تواصلت الاحتجاجات والإضطرابات في المعاهد والجامعات بقيادة الطلبة الإسلاميين طيلة سنة ونصف، وخرجت مسيرات تصدح بشعار "لا إله إلا الله والشرفي عدو الله".

ساهمت هذه الإضطرابات، بالإضافة إلى انتخابات 1989، في تطور علاقة بن علي بالإسلاميين، بعد فترة أولى شهدت استجابة لبعض مطالبهم وإشراكهم في الميثاق الوطني، إلى قطيعة مطلقة وقمع غير مسبوق. وتحول الشرفي، لدى النهضة، إلى رمز لما أسمته "سياسة تجفيف المنابع"، ولتحالف جزء من اليسار مع نظام بن علي. لكن الأرجح، حسب قراءة شكري المبخوت، هو أن قرار المعركة لدى الطرفين كان محسوما، وأن بن علي لم يختر شخصية مثل محمد الشرفي إلا استعدادا لها، من دون أن يعني ذلك أن هذا الأخير، بما حمله من مشروع إصلاحي، كان مجرد أداة فيها[35].

 

قانونا 1991 و2002: ترجمة تشريعية للمقاربة التحديثية للتعليم

أشرف محمد الشرفي على صياغة إطار قانوني جديد نسخ وعوّض قانون 1958، وهو القانون الأساسي عدد 65 لسنة 1991 المتعلق بالنظام التربوي. ويضع الفصل الأول منه ثلاث عشرة غاية للنظام التربوي، منها ترسيخ الوعي لدى الناشئة بالهوية الوطنية التونسية وتنمية الحس المدني والشعور بالإنتماء الحضاري وطنيا ومغاربيا وعربيا وإسلاميا وتدعيم التفتح على الحداثة والحضارة الإنسانية لديها، وتربيتها على الوفاء لتونس والولاء لها، وإعدادها لحياة لا مجال فيها لأي شكل من أشكال التفرقة والتمييز على أساس الجنس أو الأصل الاجتماعي أو اللون أو الدين، وتمكين المتعلمين من إتقان اللغة العربية وحذق لغة أجنبية على الأقل بشكل يمكنهم من الإطلاع المباشر على إنتاج الفكر العلمي ويؤهلهم لمواكبة تطوره والمساهمة فيه.

كما كرّس قانون 1991 مفهوم التعليم الأساسي، الذي يشمل بالإضافة إلى التعليم الإبتدائي (ست سنوات)، ثلاث سنوات في المدارس الإعدادية تسهل الانتقال إلى المرحلة الثانوية. هذا الإصلاح سبق الإعداد له منذ الثمانينات، واضطر محمد الشرفي لتطبيقه، رغم أنه كان يفضل ترك إمكانية المرور للتعليم المهني بعد المرحلة الإبتدائية[36]. نصّ القانون على إجبارية التعليم الأساسي بين سنّ السادسة والسادسة عشرة، واقتضى تدريس كل المواد الإنسانية والعلمية والتقنية في المدارس الإبتدائية والإعدادية باللغة العربية.

بقي الشرفي في الوزارة إلى غاية سنة 1994، أي سنوات بعد انكشاف الوجه الدكتاتوري لبن علي، وذلك حرصا منه على استكمال إصلاحه بإصدار الكتب المدرسية الجديدة والنصوص التطبيقية اللازمة[37]. ورغم أن قانون 1991 لم يعمر أكثر من عشر سنوات، فإن القانون التوجيهي عدد 80-2002 الذي نسخه حافظَ على نفس فلسفته ومبادئه. صيغ هذا القانون تحت إشراف وزير التربية آنذاك منصر الرويسي، وهو أيضا من خريجي مدارس اليسار السياسية، لكنه، على عكس محمد الشرفي، انخرط في نظام بن علي منذ 1987 إلى غاية الثورة. جاء قانون 2002 لمواكبة التطورات والمعايير الدولية في مجال التربية والتعليم، من ذلك مثلا اعتماد "مقاربة الكفايات" والتركيز على التقييم الدوري والمنتظم لكافة مكونات التعليم المدرسي. لكن إصلاحات الرويسي شملت كذلك تغيير طريقة احتساب معدل الباكالوريا، بما سمح بالترفيع كثيرا من نسبة النجاح. ونتيجة لذلك، ارتفعت أعداد الطلبة في التعليم العالي من دون أن تكون آفاق الشغل متوفرة لهم.

لايزال قانون 2002 إلى الآن، ورغم بعض التعديلات الطفيفة، هو الذي ينظم التعليم في تونس. فرغم أن تعطل المصعد الإجتماعي الذي كانت تمثله المدرسة العمومية وانسداد الآفاق أمام نسبة كبيرة من المتعلمين كانت من بين أهم الأسباب التي أدت إلى ثورة 2010-2011، عجزت الحكومات المتعاقبة من بعدها على إنجاز إصلاح شامل للتعليم. فهل أن الحسابات والتوازنات السياسية، بعد أن حكمت معظم الإصلاحات التعليمية في الجمهورية الأولى، أصبحت تعطّل فتح هذا الملف الحساس في تونس الديمقراطية ؟

 

  • نشر هذا المقال  بالعدد 18 من مجلة المفكرة القانونية | تونس |. لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه:

التعليم، قلعة تونس المتصدعة

 


[1] هادي بوحوش ومنجي العكروت، تاريخ الإصلاحات التربويّة بالبلاد التونسيّة، الجزء الأول من القسم الثاني : محاولات وتجارب لتطوير المنظومة التعليميّة الزّيتونيّة، نشر في موقع المدونة البيداغوجية، سبتمبر 2014.

[2] علي المحجوبي، أثر فكر خير الدين باشا في الحركة الوطنية التونسية، نشر في "بيت الحكمة، خير الدين التونسي: وقائع الندوة التي انتظمت ببيت الحكمة يوم 4 ماي 2010، ص. 17.

[3] نفس المصدر، ص. 21 وما بعدها.

[4] هادي بوحوش ومنجي العكروت، تاريخ الإصلاحات التربويّة بالبلاد التونسيّة، الجزء الثاني من القسم الثاني : إرساء التعليم العصريّ العموميّ في أواخر القرن التاسع عشر، نشر في موقع المدونة البيداغوجية، سبتمبر 2014.

[5] Noureddine Sraieb, L'idéologie de l'école en Tunisie coloniale (1881-1945), Revue des mondes musulmans et de la Méditerranée, Année 1993, p. 248.

[6] Noureddine Sraieb, Mutations et réformes des structures de l’enseignement en Tunisie, Annuaire de l’Afrique du Nord, Paris, 1968, p. 56.

[7] نفس المصدر، ص.

[8] Mohamed Mzali, La parole de l’action. Conversation avec Xavière Ulysse, Publisud, 1984, p. 161.

[9] محمد المزالي، ص. 278. اللافت هو أن المزالي، في الحوار مع كزافيير اوليس الذي صدر وهو وزير أول، نسب الحسم للجنة نفسها، لكن بعد إعفائه من الوزارة الأولى، كتب أن اللجنة انقسمت بين رأيين وأن الحسم أتى من بورقيبة.

[10] الهادي التيمومي، تونس 1956-1987، دار محمد علي للنشر، 2006، ص. 57.

[11] Mohamed Mzali, La parole de l’action. Conversation avec Xavière Ulysse, Publisud, 1984, p. 163.

[12] الهادي بوحوش والمنجي عكروت، الإصلاحات التعليميّة الكبرى بالبلاد التّونسيّة زمن الاستقلال : القسم الأول : إصلاح التّعليم لسنة 1958، أكتوبر 2014، نشر في موقع المدونة البيداغوجية.

[13] الهادي بوحوش، المنجي عكروت وإبراهيم بن عتيق، مسألة التفرقة بين التلامذة حسب الجنس، نشر في موقع المدونة البيداغوجية، فيفري 2018.

[14] Cécile de Bouttemont, “Le système éducatif tunisien”, Revue internationale d’éducation de Sèvres, 2002, p. 129-136.

[15] Noureddine Sraieb, Mutations et réformes des structures de l’enseignement en Tunisie, Annuaire de l’Afrique du Nord, Paris, 1968, p. 56.

[16] الهادي التيمومي، تونس 1956-1987، دار محمد علي للنشر، 2006، ص. 54.

[17] جريدة الشروق، من الذاكرة الوطنية: 1958: المسعدي والإصلاح التربوي، 31 جويلية 2015.

[18] Ahmed Ben Salah, Pour rétablir la vérité, Réformes et développement en Tunisie 1961-1969, Editions Cérès, p. 74.

[19] محمد المزالي، سبق ذكره، ص. 164.

[20] على حد تعبير الأديب الجزائري كاتب ياسين.

[21] شكري المبخوت، تاريخ التكفير في تونس (الجزء الثاني). تكفير أبناء بورقيبة، مسكيلياني للنشر والتوزيع، 2019، ص. 163.

[22] نشأت بعد الثورة جمعيات مثل جمعية "دارجة" تدافع على اعتماد العامية التونسية كلغة، كما بدأت حركة لترجمة الكتب للدارجة، شجعها استعمال الدارجة في الكتابة على وسائل التواصل الاجتماعي. لكن النقاش حول تهيئة أسباب اعتماد العامية التونسية كلغة ليس جديدا، وإنما توجد كتابات منذ السنوات السبعين تشدد على أهمية أن يكون تعليم الصغار باللغة العامية.

[23] وذلك على فترتين بين 1969 و1980، تخللها مروره بوزارة الصحة بين 1973 و1976.

[24] محمد المزالي، سبق ذكره، ص. 170.

[25] نفس المصدر، ص. 171.

[26] نفس المصدر، ص. 171.

[27] محمد الشرفي، الإسلام والحرية، سوء التفاهم التاريخي، دار بترا، 2008، ص

انشر المقال

متوفر خلال:

الحق في الصحة والتعليم ، تونس ، مجلة تونس ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *


طورت بواسطة Curly Brackets