الإستقلال بالنسبة لمحافظة الجنوب: أن تأخد الدولة دورها فيها


2015-11-23    |   

الإستقلال بالنسبة لمحافظة الجنوب: أن تأخد الدولة دورها فيها

عيد الإستقلال، بعد بداية الحراك المطلبي ومن منظوره، ليس كما قبله. المسألة تتعلق بمفهوم الإستقلال "الحقيقي"، أي إستقلال الشعب عن سلطة لا تؤمن له معايير العيش الكريم، وهي بهذا المعنى، وبالإضافة الى مصادرة حقوقه الأساسية، لا تمثله. والحال أن الإستقلال عن الإنتداب الفرنسي ليس الدافع خلف التحرك الممتد بين اليوم السبت في مراكز المحافظات وغداً في العاصمة بيروت تحت شعار "عيد إستقلال الشعب".

 أمام سراي صيدا، محافظة الجنوب، ينفذ مجموعة من المواطنين وقفة رمزية  يشارك فيها ممثلون عن المجموعات وجمعيات ناشطة في الحراك بالإضافة الى مجموعة من طلاب مدرسة صيدا الوطنية التابعة لمؤسسة معروف سعد. مشاركة الأطفال، خاصة بالنسبة للصفوف الأصغر تبدو لافتة، لا سيما أنهم يشكلون الأكثرية في ظل غياب الحضور الكبير للناشطين من صور والنبطية. وقد تسجل هنا بعض المآخذ حول إشراك أطفال لم يصلوا عمر الإدراك الفعلي في حراك ذات طابع مطلبي حقوقي، لاسيما انه تمّ صبغ مشاركتهم بلباس واحد وهو لباس الجيش اللبناني. هذا بالاضافة الى حملهم على رفع العلم اللبناني، ولافتات تحمل كلاماً لا يعرفون تهجأته بعد. لكن مشاركة الطلاب الأكبر سناً بالمقابل، تعكس هموماً صادقة لأبناء هذه المنطقة، وتتوحد بطبيعة الحال في الكثير منها مع أبناء الوطن.  

المعلمة بارعة بوجة من المدرسة نفسها توضح في حديث مع "المفكرة القانونية" كيفية تفاعل الأطفال مع الحراك المطلبي منذ البداية. وتحدد لهذه الناحية الطلاب في صفي الخامس والسادس تأسيسي. فالأخيرين، "يسألون عن سبب نزول الشباب الى الشارع، أما بعد التفجيرين الأخيرين في برج البراجنة، بدأ يظهر تأثرهم بما يشاهدونه عن الحراك والمطالب التي يسمعونها". هذا الحدث المفصلي بالنسبة اليهم دفعهم للتساؤل "كيف يكملون حياتهم؟ وكيف يكون الإستقلال حقيقي وهناك تفجيرات؟". تضيف البوجة ان التناقضات التي يسمعها الأطفال في سردنا لرواية الإستقلال، تدفعهم لطرح أسئلة إضافية عن الموضوع.

تأثر الأطفال بما يشاهدونه ويسمعونه عن الحراك الشعبي، يعكس توسعاً في أصداءه عبر المناطق بعد أن حافظ لفترة لا بأس فيها على طابع مركزي. وكأنهم بوعيهم الحديث يستدركون صعوبة مستقبلهم. وذلك من دون أن يلتمسوا صعوبات إضافية خاصة بمناطقهم. وهذا الحال لا ينطلي على شاب تخطى هذه المرحلة، وإنتقل الى العاصمة بحثاً عن فرص إضافية، لعدم توفرها في منطقته الجنوبية.

يشرح مجيد مروة من قرية الزرارية في قضاء النبطية المشارك في التحرك امام سراي صيدا، لـ"المفكرة" أن لـ"أهالي منطقة الجنوب هواجسهم التي تضاف الى تلك التي تعيشها باقي المناطق بالتساوي". فـ"الجنوب منطقة عرفت بحرمانها تاريخياً، والدولة نسيت أن الجنوب جزء منها فسمحت للأحزاب الطائفية والمناطقية أن تحل محلها". في هذا الصدد يعبر مروة عن رغبته "أن تكون الدولة"، أي المؤسسات الرسمية، "هي الحاضنة لهذه المنطقة وأن تكون مسؤولة عن شؤونها بالأخص بالنسبة للوظائف والخدمات التي يفترض أن تتيحها للمواطنين". يعزز مروة موقفه من خلال مشاركة تجربته الشخصية المشابهة لتجربة أبناء جيله. يقول "أجبرت على النزوح الى العاصمة بيروت بسبب غياب فرص العمل، وعدم وجود نقل عام يسمح لنا بالسكن في مناطقنا والعمل في العاصمة". لم يكن الإنتقال سهلاً، فالـ"مدخول متواضع جداً في البداية، وبدلات السكن مرتفعة جداً". يضيف مروة أنه خيار "صعب جداً بالنسبة لشاب في مرحلة بناء الذات، يبدأ من النقطة صفر".

النزوح نحو العاصمة ليس الخيار الذي يتخذه أو يستطيع أن يتخذه الجميع. والبقاء في منطقة الجنوب يعني التعامل مع المزيد من العقبات. يوضح بلال حامد من قرية الزرارية أيضاً أنه أستدعي الى مخفر منطقته للتحقيق معه على خلفية كتاب رفع به. الشبهة حوله تتعلق بـ"تشوه غير معروف الأسباب في قدمه". والحقيقة أنه مصاب بإعاقة على إثر إصابته بشلل الأطفال في صغره. ربط الكتاب هذه "الشبهة" بـ"تنقله من الجنوب الى مجدل عنجر محل ولادته"، والواقع أنه لو كان يتنقل داخل الجنوب فقط  لما شكل الأمر شبهة. أما الدافع خلف إبتكار شبهة مكتملة العناصر المناطقية، فهي"المشاركة في الحراك في بيروت". بالنسبة لبلال "لا إستقلال ما دام غير قادر على التنقل بين منطقة ولادته ومنطقة سكنه، ولا إستقلال ما دام لا يستطيع أن يتنقل في لبنان من أقصى جنوبه الى أقصى شماله".

يؤكد رائد عطايا من حملة "جايي التغيير" أن المشاركين في الحراك في المناطق يعانون أيضاً "قمع السلطة كما يعانيه المشاركون في الحراك المركزي، ويكون القمع أسوء في المناطق بسبب غياب التغطية الإعلامية". يضيف الى الهواجس الأمنية، مشكلة النفايات التي تطال الجنوب بشكل كبير، بسبب "إنتشار المكبات العشوائية في القرى، وبشكل متصل إنتشار المحارق". تضاف اليها مشكلة الكهرباء، حيث تصل ساعات التقنين الى ستة مقابل ساعتين أو أربعة من التغذية. والحال أن "صوت منطقة الجنوب وكل المناطق يجب أن يسمع".
 

انشر المقال

متوفر من خلال:

بيئة وتنظيم مدني وسكن ، حريات عامة والوصول الى المعلومات ، المرصد البرلماني ، لبنان



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية