الإتحاد العام التونسي للشغل: الدينامية المعطوبة والإستقطاب الثنائي


2023-08-30    |   

الإتحاد العام التونسي للشغل: الدينامية المعطوبة والإستقطاب الثنائي

بعد أزمة قطاع التربية، وبخاصة التعليم الأساسي، وإثر حَملات الشّيطنة والتخوين التي اعتُقِلَ أثناءها عديد الكوادر النقابية من قطاعات الصحة والشؤون الدينية والتجارة والطرقات السيارة والثقافة، يبدو أنه لم يتبقّى للاتحاد العام التونسي للشغل فضاء مناورة واسع يمكّنه من الدفاع عن دوره التاريخي وعن صورته الأسطورية الآخذة تدريجيا في التآكل في ظل مرحلة سياسية ضبابية ومتقهقرة على المستوى الاقتصادي والاجتماعي، ويمكنّه أيضا من الحيلولة دون انتشار دعاوَي الإصلاح الداخلي التي تَظهر وتختفي ثم تعاود الظهور تحت مسمّى المعارضة النقابية.

بعد الإستتباب النسبي لمنظومة 25 جويلية وتطوّر الخطاب الشعبوي الذي نجحَ في عزل الإتحاد عن فضائه الطبيعي، أصبحت مسألة فهم وممارسة العمل النقابي في السياق الذي تمر به البلاد ضرورة فكرية مُلحة، لعلها تمكّننا من الاقتراب أكثر من  الاحتمالات المستقبلية القادرة على توسيع إمكانيات تأثير المنظمة النقابية سياسيّا واتصاليا وجماهيريا.

قيادَة مَعطُوبة في مواجهة سلطوية مُتحركة

من السّهل على قيادة اتحاد الشغل فهم الإنقلاب العميق الذي خلَقَته إجراءات 25 جويلية، ولكنّه من الصّعب عليه إيجاد التوازن الطبيعي الذي كان عليه منذ عشرية الثورة خاصة بعد أن استحوذ رأس الشعبوية على كل الصلاحيات وتراجَعَ الدور السياسي لكل الأحزاب على اختلاف توجّهاتها خاصة من مرَّ منها بتجربة الحكم. أرغمَ الواقع الجديد الاتّحاد على التراجع ليس لأسباب تكتيكية بل لعدم قُدرته على صياغة البديل الاقتصادي والاجتماعي الواقعي والقادر على نسف أكذوبة الشعبوية التي فرَضَت عليه نَسقًا جديدا في الصراع عن طريق إيقاف العديد من كوادره، بتعلات مختلفة، بما يهدّد حرية العمل النقابي وينشر جوّا من التضليل والتخويف والشيطنة يهدف إلى عزله، ليس عن السياسة فقط بل عن المجتمع بأكمله.

يطرح هذا السياق على قيادة المنظمة الشغيلة مشكلا موضوعيا يتعلق بكيفية الإنتقال من الأساليب “القديمة” إلى الأساليب النضالية الخاضعة لمرجعية نقابية مُستوعبة لمخاطر المرحلة التاريخية الجديدة على المستوى المحلي والعالمي، والمتمثلة خصوصا في اتساع تأثير الحركات اليمينية والشعبوية والهجوم السافر على المقدرة الشرائية.

كان اتحاد الشغل قبل 25 جويلية 2021 طرفًا ثابتًا في المفاوضات حول تشكيل الحكومات، هذا إذا لم يكن له وزير يُمثّله بطريقة غير مباشرة، ولكنه سرعان ما يدخل في خلاف مع الحكومات عندما يُلاحظ تنصّلاً من تفعيل اتفاقية أو توجّهًا نحو تهميشه في مرحلة سياسية معينة. في الحقيقة، خَلقَت منظومة الإنقلاب في مستوى أوّل فهما جديدًا لعلاقة السلطة بالأجسام المُحيطة بها من أحزاب ونقابات ومنظمات مجتمع مدني، حيث أصبحت هذه المكونات مجرّد أجسام وسيطة لا دخل لها في شؤون إدارة الدولة والفضاء السياسي حسب تصورات الرئيس. أما في مستوى آخر فقد عملَت منظومة 25 جويلية على طرح ملفّ علاقة النقابي بالسياسي من خلال تغيير ملامح العلاقة مع قيادة الإتحاد بهدف خَلق رأي عام مُناهض لها. وهو في الواقع سلوك دأبَت عليه الأنظمة الشعبوية التي تُكثر من الحديث عن مطالب النقابات بهدف وصمِها اجتماعيا كمجموعة أنانيّة لا تُراعي مصلحة البلاد وتُدير ظهرها لأزمته الخانقة، ناهيك عن ما تعتمده من وسائل ”نضالية مشبوهة” لبلوغ أهدافها. فما فَعلَه وزير التربية محمد علي البوغديري -الذي سبق وأن دافع عن قرار حجب الأعداد عندما كان في قيادة الإتحاد- من تجميد مرتّب 17 ألف معلّم وإعفاء عدد من المديرين الذين رفضوا الانصياع لبلاغه القاضي بمدّه بقائمات المعلمين الرافضين لتنزيل الأعداد، يُمثّل عِقابًا جماعيّا وتنفيذا لما قاله الرئيس سعيّد ذات مرة حول خلاص الأجر على قاعدة العمل المنجز.

هكذا أصبحت القيادة الحالية للاتحاد منزوعة السلاح ضد منطق ”قوة الدولة” التي تُراهن عليه الشعبوية، وتقلّصَ بالتالي هامش المناورة لديها. فباستثناء بيان الهيئة الإدارية الوطنية لم تتحرك قيادة الإتحاد ضدّ هذا القرار الجائر المُتعلّق بقطاع التعليم الأساسي، والذي يُعدّ إذلالا جماعيّا لقطاع معروف بوَزنه النوعي والكمي في ميزان القوى الداخلي للمنظمة، إضافة إلى رمزيته الاجتماعية. هنَا تأتي الخسارة المتنامية للاتحاد والمُتمثلة في تصاعد صورته السيّئة لدى شريحة هامة من التونسيين، وهي صورة عمّقَتها الشعبوية الناشئة في تواصل مثالي مع ما كانت تفعله الأذرع الإعلامية لحكومة الترويكا إثر الثورة، فرئيس الجمهورية نجحَ في مساعدة هذه الصورة على التآكل بخاصة خلال أزمة قطاع التربية، وجَعلَ الإتحاد يُهرول طلبا للمفاوضات التي لم تُرضي في الأخير القواعد النقابية من معلمين وأساتذة. فأين المشكل إذن؟ أهو في عدم فهم القيادة الحالية للاتحاد للعقل الذي يقود الشعبوية أم هو متعلّق بإعادة قراءة الخصائص الجديدة للعمل النقابي على صعيد المفهوم والممارسة زمن الشعبوية، أم هو متمثل في ضعف التجذر السياسي والإجتماعي للمنظمة في حد ذاتها والذي ظهر أكثر في ظل القيادة الحالية؟

 إن حالة العطالة التي عليهَا المكتب التنفيذي الحالي تتمثل أساسا في ابتعاده عن المشاركة في الملفات الكبرى التي تخصّ مستقبل البلاد، خاصة منها قرض صندوق النقد الدولي. إضافة إلى عدم إصداره إلى حد الآن تقييما لعمل البرلمان، وليس لديه أيضا تصوّر دقيق لمسألة إصلاح التعليم والزّمن المدرسي خاصّة وأن موعد الإستشارة الرئاسية حول التعليم سينطلق يوم 15 سبتمبر المقبل. إلى جانب عجزه عن مجاراة الخطاب الجديد للرئيس الذي يُريد وضع ضوابط للمفاوضات عبر صياغة مناشير تحدّ من حرية التفاوض وتضرب بالتالي الحق النقابي[1]. في الحقيقة، عجزت قيادة المنظمة النقابية عن بناء ممارسة سياسية واضحة تُواجه حالة التعفّن العام الذي طبعَ فترة ما بعد 25 جويلية، إذ أنّ كل المؤشرات تنظر إلى الهاوية، وذلك بسبب عقلية “المساندة النقدية” التي توخّاها الإتحاد بطريقة غير مباشرة إثر إجراءات قيس سعيد، وهاهو يقف الآن مكتوف الأيدي بسبب هذا التكتيك السّلبي الذي ورّطه. فكلنا نتذكر أن الإتحاد قد رحّبَ بتدابير الرئيس الذي خلّص الإتحاد والبلاد من حكم حركة النهضة، ولكن بعد مضي سنتين بقيت المنظمة الشغيلة حبيسة مفهوم ”النقابة المُساهمة” المُتحركة في إطار ما يسمح به الوضع الإستثنائي. فمن المفارقات العجيبة اليوم أن يذهب النقابيون إلى طاولات المفاوضات منزوعين من سلاح حرية العمل النقابي. إن عقلية الوفاق الاجتماعي التي تقود المكتب التنفيذي قد زادَت من ضعفه ومن ارتباكه السياسي ومن تماسكه الداخلي أيضا، لأن الإتحاد ليس بمعزل عن حالة الأزمة التي تشقّ المشهد العام في البلاد، لذلك من الطبيعي أن نجد معارضة لمثل هذا التوجه خاصة إذا أخذنا بعين الإعتبار ما فعلته القيادة في علاقة بتنقيح الفصل 20 من القانون الأساسي للمنظمة.[2]

أرضية ”اتحادنا للمعارضة النقابية”: فليرحل الجميع

انطلقت في الآونة الأخيرة مبادرة نقابية أطلقَت على نفسها “اتحادنا للمعارضة النقابية”، وأصدرت هذه المبادرة ورقة (نص الأرضية) تضمّنت تشخيصا لواقع اتحاد. إذ تَعتبر هذه المبادرة أن المنظمة افتقدت منذ مدة للرؤية الإستراتيجية التي تسمَح لها ببلورة تصوّر اجتماعي واضح، وتمّ “الإكتفاء في غالب الأحيان بما قد يتحقّق من بعض المكاسب المادية والمهنية المباشرة -التي باتت في حد ذاتها مهددة اليوم- دون القدرة على فرض تصوّر نقابي عمالي وطني واجتماعي متجذّر وفاعل في الملفات الحارقة اليوم كالسيادة الوطنية والتنمية والتشغيل والخصخصة والعدالة الاجتماعية”.

تعرّضت الأرضية كذلك إلى مسألة مردودية المنظمة وتأثيرها في التطور العام للأحداث، حيث أن القيادة الحالية تعيش حالة من العجز التام عن حل مشاكل منظوريها، وقد وَردَ في نص المبادرة المذكور: ”لقد دفَعَت القيادة الحالية المنظمة إلى وضع العطالة التامّة وباتت الصراعات العقيمة والفساد ينخران العديد من هياكلها. كما أصبح العجز عن حلّ أبسط الملفّات السّمة البارزة في الأداء النقابي للقيادة المركزية والقيادات القطاعية والجهوية، مما فاقم ظواهر الانسلاخ والعزوف عن الانخراط وعلى تحمل المسؤولية النقابية” .

يعتقد أصحاب هذه المبادرة أن السبب الرئيسي لحالة العجز الشاملة للمنظمة هو اعتماد خيار “النقابة المُساهمة”، وهو خيار بيروقراطي لا يعكس إرادة القواعد وينقلب على الخط النقابي العمّالي الذي تأسست عليه المنظمة. وخيار البقرطة تحوّلت جرّاءه المنظمة إلى مجرد ظل للسلطة، ناهيك عن العقلية الانقلابية التي مكّنت القيادة من تغيير الفصل 20 أثناء المؤتمر الإستثنائي الغير إنتخابي، وهي خطوة  سلبية وذات دلالات متعددة، حيث تطرح بكل مشروعية تساؤلاً حول نوعيّة الكادر النقابي الذي مرّرَت من خلاله القيادة الحالية مقترح التمديد، ممّا يشير إلى تردي الوضع الداخلي المتمثل في هيمنة المركزية النقابية على التوازنات،[3] الأمر الذي سمحَ لها بتمرير ما لم تستطع القيادات السابقة فعله حتى زمن الدكتاتورية. فالجميع يعلم أن قضية التسقيف قد طُرحت منذ مؤتمر جربة 2002 أين تمكّن النقابيون من فرض دورتين كحدّ أقصى لأعضاء القيادة، أما في مؤتمر المنستير سنة 2006 حَاولَت مجموعة الأمين العام السابق عبد السلام جراد المُمثلة لجناح البيروقراطية تعديل نفس الفصل، إلا أن انقسام النقابيين وتكتّلهم ضد هذه الخطوة حال دون ذلك بالرغم من الحصار البوليسي الذي رافقَ المؤتمر والذي تمّ خلاله منع عديد النقابيين من المشاركة في المؤتمر. فرَض المشكل نفسه من جديد سنة 2010 بمناسبة انعقاد المجلس الوطني الذي فوّضه المؤتمر السابق للنّظر في قضية الفصل العاشر، ولكن مع احتدام الصراع مع السلطة برزت معارضة نقابية[4] على درجة جيدة من التنظيم، وإثر ثورة 2011 رحلَ الخط الذي كان يُمثل البيروقراطية النقابية داخل المكتب التنفيذي للمنظمة بعد انعقاد مؤتمر طبرقة في ديسمبر 2011.

في الواقع، لم تقطع المبادرة المذكورة مع المبادرات السابقة للمعارضات النقابية المرتكزة على مسألتي علاقة الإتحاد بالسلطة وعلى الديمقراطية الداخلية، فاعتمادها على مفاهيم مثل البيروقراطية والزبونية يجعلها تندرج صلب نظريةافتكاك النقاباتلألكسندر لوزوفسكي. ولكن العنصر الجديد هذه المرة يتمثّل في مطالبة أصحاب الأرضية المكتب التنفيذي الحالي بالرحيل لأنه انقلبَ على قوانين المنظمة. كما طالبوا بإعادة هيكلَتها على أسس ديمقراطية تتماشَى مع ثِقل المرحلة التاريخية التي تمرّ بها البلاد ومع التمدّد الذي تشهده القطاعات المهنية الراجعة بالنظر للاتحاد، وذلك عبر تكوين ”هيئة نقابية مؤقتة تتولى تسيير الشأن النقابي إلى حين إنجاز المؤتمر 24 للاتحاد العام التونسي للشغل”[5] وهو ما يمكن إعتباره حلاّ مؤقتا لهياكل المنظمة. أما في علاقة بالإنتماءات السياسية لأصحاب المبادرة، تُشير المعلومات المتوفرة لدينا إلى حد الآن بأن الأرضية قد صيغَت عموما من قبل نقابيين مستقلين من جهة ومن آخرين ممن كانت لهم تجارب تنظيمية سابقة في أحزاب يسارية وفي المعارضة النقابية كذلك (تجربة اللقاء النقابي الديمقراطي المناضل قبل الثورة) دون أن ننسَى مساهمة بعض النقابيين المنتصرين لـ”مسار 25 جويلية” والذين لا يُشكلون وزنا هاما داخل المبادرة، ولكن من المهم هنا التساؤل حول دلالات الإلتقاء الموضوعي بين أصحاب الأرضية من جهة وبين السلطة من جهة أخرى التي تسعى بشكل صريح إلى محاصرة الإتحاد واستثمار أزمته الداخلية وهو ما يفسّر إيلاء نص المبادرة لمسألة التموقع داخل المنظمة الأهمية اللازمة بطريقة ضمنية من خلال الحديث عن  الإنقلاب على الفصل 20.    

إن مسألة تفكيك البيروقراطية داخل الإتحاد مرتبط عضويا بمراجعة خطّه النقابي العام الذي أدارَ ظهره لمنخرطيه، خاصة منهم العمّال، وهو ما يُحيل مباشرة إلى الطابع الطبقي العميق الذي حادت عنه المنظمة، فنصّ الأرضية يُقرّ صراحة بأن إتحاد الشغل قد أمسى من توابع السلطة وليس بمقدوره تحدّيها إلا على مستوى الخطاب فقط، ممّا يعني أنه تحوّل منذ مدة، وخاصة في عهد قيس سعيد، إلى مجرد “نقابة صفراء” ليس لها أي وجود نضالي. في هذا المستوى بالذات تُعاني أرضية ”اتحادنا للمعارضة النقابية” من مبالغة في توصيف وضع المنظمة، فطورا تتحدث عن مهادنة السلطة وطورا عن سلبية المكتب التنفيذي الحالي الذي أصبح حاميا للفساد وشراء الذمم، وهذا يعكس في الواقع لخبطة في المفاهيم عند أصحاب المعارضة وعدم وضوح الموقف السياسي من السلطة الحالية واتجهاتها المستقبلية.

ولا يمكن إرجاع المنظمة -حسب نص الأرضية- إلى جذورها العمّالية إلا بإعادة هيكلَتها ليتمّ القضاء على البيروقراطية وهكذا يتحرر الإتحاد ويرجع إلى دوره الطبيعي. إن سهولة الطرح هنا قد تخفي عديد الاستفهامات حول الوزن النقابي لأصحاب المبادرة، فالوقائع تُشير إلى أنها لا تزال نخبوية، ولها ارتباط مباشر بالسياق السياسي الحالي بسبب توقيت إطلاقها، وهي تحتوي نقاطا خلافية أهمّها الموقف من السلطة، خاصة في ظل وجود نقابيين مُساندين للرئيس سعيد والذين سيكون لهم ربّما تأثير على مستقبل هذه النسخة الجديدة من المعارضة النقابية. على مستوى آخر، وإذا تمعّنا قليلاً في ما يكتبه أصحاب المبادرة على صفحات التواصل الإجتماعي نُلاحظ أنهم لا يمتلكون تصوّرا واضحا بخصوص المسائل الإقتصادية والإجتماعية، على غرار هيكلة المنشآت العمومية ومراجعة منظومة الدعم وإصلاح المنظومة التربوية ومسألة المديونية وإصلاح الصناديق الإجتماعية، بل إن نظام الخطاب عندهم يتَحرّك من داخل العقل النقابي القائم على التوازنات الداخلية، فطرح مسألة إعادة هيكلة الإتحاد هي العنصر الجامع لعناصر المبادرة من معارضين ومساندين لرئيس الجمهورية، وهي كذلك المدخل الوحيد لقلب الطاولة على المكتب التنفيذي الحالي وبالتالي تمثل فكرة التموقع داخل المنظمة المحرك الرئيسي لعملية الدعاية ضد قيادة الإتحاد.        

إن ما تُقدّمه الوثيقة من قراءة لعلاقة اتحاد الشغل بالسلطة يحتاج إلى بعض الدقة حتى تتطابق مع الواقع، لأن المُنظّمة تعاني من عدم فهم لأشكال النضال النقابي في ظل الشعبوية وذلك راجع لسببين أولهما ”النمطية النضالية” وثانيهما ثقافة الشراكة المبالغ فيها. في علاقة بالسبب الأول، لم يكلّف المكتب التنفيذي الحالي نفسه عناء البحث عن أسلوب نضالي جديد، ميدانيا واتصاليا، يستطيع من خلاله افتكاك المبادرة من الرئيس، بل حافظ على منسوب ضعيف من خطاب المعارضة بسبب خوفه من المرسوم 54 وهذا واضح للجميع. أما في علاقة بالسبب الثاني، واصلت القيادة النقابية في نهج التفاوض السلبي الذي جعلها في موقف ضعف وهو ما تجلّى أثناء أزمة التعليم الثانوي والأساسي، حيث همّش اللهث وراء المفاوضات القدرة على التعبئة والاحتجاج بالرغم من ارتفاع نسبة العضوية النقابية syndicalisation التي تُميّز قطاع التعليم.

إن الدّيمقراطية النقابية التي تُمثل مركز ثقل الإستقطاب الثنائي بين المعارضة النقابية والمكتب التنفيذي الحالي هي أشبه بالصراع الذي لا ينتهي، لأن مبررات وجوده لا تزال تعتمل في الواقع الداخلي للمنظمة ما دام الكادر النقابي النوعي الذي يُناضل باستقلالية عن القيادة النقابية غير متجذّر. كما أن إرجاع الإتحاد إلى مهدِه الطبقي الأول يحتاج إلى مراكمة تاريخية قادرة على إعادة الاعتبار للعمل النقابي في القطاع الخاص وليس النظر له كمجموعة نيابات مندرجة في ميزان القوى داخل المؤتمر. ولكن الأهم من ذلك هو الإنتباه أكثر إلى التساؤل حول ما إذا كان الاتحاد العام التونسي للشغل لا يزال يُمثل التعبيرة الاجتماعية الوحيدة الآن في سياق تعمّقَ فيه التطرق من جهة إلى مسألة انتهاء الدور الاجتماعي للنقابات واقتصارها فقط على المسألة الشغلية مما يعني تحوّلا في طبيعة المنظمة النقابية في حد ذاتها، وإلى تنامي الحركات الاجتماعية من حيث التنوع والإتساع وهي بصدد فرض نفسها في تونس وفي العالم كبديل عن النقابات في طرح المشاكل الكبرى كالتنمية والعدالة والتحرر السياسي.      


[1] وهو ما ظهر من خلال المنشور 20 (خاصة النقطة الأولى) الذي أصدرته حكومة نجلاء بودن والقاضي بتنظيم عملية التفاوض على مستوى المركزية النقابية فقط بعد ترخيص مسبق من رئاسة الحكومة

[2] خلال مؤتمر استثنائي غير انتخابي انعقد يومي 08 و09 جويلية 2021، تمّ تنقيح الفصل 20 من القانون الأساسي لاتحاد الشغل، حتى يُسمح لأعضاء المكتب التنفيذي بالترشح أكثر من ولايتين، وقد أثار هذا التنقيح موجة من المعارضة النقابية داخل الاتحاد (الهامش من وضع المحرر).

[3]   تمت المصادقة على عقد المؤتمر الغير انتخابي بنسبة 96 بالمائة، أي بموافقة 505 من أصل 560 مقترع.

[4] يقول المؤرخ ”خميس العرفاوي” في مقالة بعنوان ”الحركة النقابية التونسية وثورة 14 جانفي 2011: تجربة اللقاء النقابي الديمقراطي المناضل 2009 -2011” بدأ النقاش حول مسألة التصحيح النقابي في أوت 2009 ليتم في 14 جويلية 2010 الإعلان رسميا عن ميلاد هذه المعارضة التي حددت لنفسها أهدافا أهمها إزاحة البيروقراطية النقابية الممثلة في شق عبد السلام جراد وإرجاع الإتحاد إلى أهدافه الطبيعية خاصة وأن البلاد في ذلك الوقت تعيش حالة من الغليان الاجتماعي”.

[5] النقطة الثالثة من أرضية ”اتحادنا للمعارضة النقابية”

انشر المقال

متوفر من خلال:

تونس ، حراكات اجتماعية ، حقوق العمال والنقابات ، مجلة تونس ، عمل ونقابات ، مقالات



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية