الأعلى للقضاء في تصوّرات هياكل قضائيّة (1/2):


2015-04-13    |   

الأعلى للقضاء في تصوّرات هياكل قضائيّة (1/2):

أدى تعهد مجلس نواب الشعب التونسي بمشروع قانون المجلس الأعلى للقضاء لتحول الصراع بين هياكل القضاة والهيئة الوطنية للمحامين حول المجلس الأعلى للقضاء لصراع تصورات ومشاريع ساحته لجنة التشريع العام بمجلس نواب الشعب. وقد اكتفت جمعية القضاة التونسيين بإيداع مشروعها للقانون الأساسي للمجلس الأعلى للقضاء بمجلس نواب الشعب دون أن تتولّى نشر نصه. وكذلك، فعلت نقابة القضاة التي قدمت ملاحظات على مشروع القانون الحكومي الى لجنة التشريع العام بمجلس النواب. بالمقابل، اختار كل من اتحاد القضاة الاداريين والهيئة الوطنية للمحامين ان ينشرا مشروع قانونيهما على العموم بعد ايداعه بمجلس نواب الشعب. وتعد الخطوة التي بادر اليها الهيكلان المهنيّان هامّة باعتبار أنها تؤكد أن تصور قانون المجلس الاعلى للقضاء يجب أن يخرج من الدوائر المغلقة لساحة النقاش العام.

ويبدو من المفيد دراسة المشروعين الذين عرضا للنقاش العام في اطار مقارنة بينهما وذلك باعتبار ان مشروع الهيئة الوطنية للمحامين يعبر عن تصور قطاع المحاماة لقانون المجلس الاعلى للقضاء فيما يجسد مشروع اتحاد القضاة الاداريين تصور جانب القضاة لذات المشروع ومقارنة تصور القطاعين قد يكشف عن مبررات صراعهما السابق حول مشروع قانون المجلس الاعلى للقضاء المقترح من الحكومة ويحدد نطاقه ويبين بموازاة ذلك الثوابت المشتركة بينهما (المحرر).

يسجل بداية ان المشروعين المعلن عنهما (مشروع اتحاد القضاة الاداريين ومشروع هيئة المحامين) تم التقدم بهما في اطار مساهمة من هذين الهيكلين في مناقشة مشروع القانون الاساسي للمجلس الأعلى للقضاء والذي كانت تقدمت به الحكومة التونسية للمجلس التشريعي. ولكن، لا يقلل هذا الأمر من أهميتهما. فالمشروعان لم يقدما كمشروعين بديلين عن المشروع الحكومي، انما على أنهما يحملان تصورات بديلة عن التصورات الاصلية المتنازع فيها في هذا المشروع. وهي تصورات لا بد أن تسترعي انتباه الذين يسعون الى ايجاد حلول لانهاء الصراع القطاعي الحاصل بين القضاة والمحامين حول تركيبة المجلس.  

ورغم اتفاق المقترحين على عدد من المسائل التي تتعلق بهيكلة المجلس الأعلى للقضاء والتي سجلا بشأنها تمايزاً بالنسبة الى المشروع الحكومي. لكنّهما عادا ليختلفا في تركيبة المجلس الأعلى للقضاء مستعيدين الخلاف المركزي لقطاعيهما.  

اتفاق على وجوب تخفيض عدد أعضاء المجلس الاعلى للقضاء
اتفق المقترحان على وجوب تخفيض عدد أعضاء المجالس العليا للقضاء، بالنسبة الى المشروع الحكومي. وهذا ما نتبينه من خلال الجدول الآتي:

*يمكنك تحميل الجدول (1) على الرابط أدناه 

ويتفق اتجاه التخفيض لعدد أعضاء المجلس الأعلى للقضاء مع ملاحظات لجنة البندقية حول الموضوع والتي اتجهت لاقتراح أن يكون عدد أعضاء المجلس الأعلى للقضاء الجملي 54 .

كما ينسجم مع  ملاحظات "المفكرة" على مشروع القانون فيما يتعلق بعدد أعضاء المجلس الاعلى للقضاء. فقد أشارت تلك الملاحظات الى أنّ "تضخم عدد أعضاء المجلس الأعلى للقضاء قد يؤدي لسلبيات من أهمها:
–       استنزاف المجالس لاعتمادات هامة على مستوى امتيازات وأجور أعضائه بما يتعارض مع قواعد حسن التصرف،
–       صعوبة تفرغ أعضاء المجالس لعملهم صلبها، فضلا عما قد يؤديه عدم التفرغ من تهميش لأدوارهم".
 
هياكل المجلس الاعلى للقضاء أربعة وليس خمسة
انتهى مشروع القانون الحكومي الى استحداث هيكل جديد هو التركيبة الجامعة للمجلس الأعلى للقضاء، أنيطت به بعض الصلاحيات التي كان يفترض أن تعود للجلسة العامة أو للمجالس العليا. واللافت أن هذا الهيكل المستحدث والذي يضم كل أعضاء المجلس، لم يرد ذكره في الدستور كما لم يتعرض له المشروع.

واذ نبهت "المفكرة" الى ضرورة التقيّد بالدستور، بدا الهيكلان المهنيان متوافقين معها بهذا الخصوص، فألغيا الاشارة الى الهيكل الخامس المختلق. كما يلحظ أن المشروعين لم ينخرطا في الدعوة لادماج القضاء العسكري بالمجلس الاعلى للقضاء، تلك الدعوة التي رعاها مرصد استقلال القضاء ونجح في تحويلها لموضوع نقاش في لجنة التشريع العام بمجلس نواب الشعب. ويتناغم هذا الاتجاه مع ملاحظات خبراء لجنة البندقية كما يتطابق مع ملاحظات نقابة القضاة حول مشروع قانون المجلس الأعلى للقضاء. ويبدو بالتالي توافق المشروعين والملاحظات التي وردت على المجلس التشريعي في خصوص هيكلة المجلس الأعلى للقضاء عاملا يساعد على حسم الجدل حول هذه الهيكلة بشكل يحترم نص الدستور وروحه بما يمنع استحداث هيكل جديد. كما يمنع جعل القضاء العسكري جزءا من مكونات المجلس الأعلى للقضاء.

اختلافات في تصور تركيبة المجلس الأعلى للقضاء
الاختلاف الأول تناول عدد أعضاء المجالس القضائية الثلاثة. فاذ اقترح اتحاد القضاة الاداريين أن يكون عدد القضاة في هذه المجالس متساويا (18 عضوا لكل منها)، تجنبا لما يعدّه هيمنة عددية للقضاء العدلي على المجلس الاعلى للقضاء، أبقت الهيئة الوطنية للمحامين على الغلبة العددية لمجلس القضاء العدلي بالتناسب مع عدد القضاة العدليين.

أما الاختلاف الثاني، والأبرز، فهو أن الهيئة الوطنية للمحامين اختارت في سياق حساباتها الفئوية أن يشغل المحامون مجمل المناصب المتروكة لغير القضاة بالمجلس الأعلى للقضاء العدلي والاداري (الثلث). ويتبدى ذلك من نصوص مباشرة وغير مباشرة بهذا الخصوص. فبعدما نص المشروع على وجوب تعيين 11 محاميا من أصل الأعضاء 17 من غير القضاة، وضع معايير لتعيين الأشخاص المتبقين (4) من غير القضاة في المجلسين العدلي والاداري على نحو لا يتوفر الا لدى المحامين. فقد عرّف مشروع القانون في مبادئه العامّة المستقلّ المتخصّص في القانون بكونه "الذي لا ينتمي لأيّ حزب سياسي ولا يخضع لأيّ علاقة تبعية أو سلطة رقابة من شأنها المس من استقلاليته…ويكون مختصا في المجال القانوني…". وبقراءة هذا التعريف، نعي أنه ينطبق على فئة مهنية واحدة هي المحامون. فالتخصص المطلوب هو بالنسبة الى هذين المجلسين التخصص القانوني مما يقصي  شخصيات المجتمع المدني الحقوقية بدعوى اشتراط أقدميّة مهنيّة في المجال القانوني، وتعريف الاستقلالية يُقصي تلقائيا من يعملون بالوظيفة العمومية (ومن بينهم الأساتذة الجامعيين) بدعوى خضوعهم لسلطة رئاسية، كما يُقصي مساعدي القضاء من عدول وخبراء بدعوى خضوعهم لسلطة رقابة تعني الانتماء لمهنة حرة لا تبعية رئاسية فيها ولا يخضع العاملون فيها للرقابة.

بالمقابل، ترك مقترح هيئة المحامين مجالا لتعيين العضوين المتبقيين من غير القضاة في مجلس القضاء المالي من بين الخبراء المحاسبين، بالنظر الى نوع هذا المجلس. 

*يمكنك تحميل الجدول (2) على الرابط أدناه

وبذلك، فرضت الهيئة الوطنية للمحامين احتكار قطاع المحاماة شبه الكامل لثلث تركيبة المجلس الاعلى للقضاء من غير القضاة. وانتهت لتصور ان يكون نائب رئيس المجلس الاعلى للقضاء من المستقلين أي من المحامين.

ويتعارض هذا التوجه مع تصور مشروع اتحاد القضاة الاداريين الذي يبدو أكثر اعتدالا في توجهه نحو جعل "الثلث من غير القضاة بالمجلس الاعلى للقضاء اداة في تحقيق انفتاح المجلس بعيدا عن الاعتبارات الفئوية". فقد اقترح مشروع اتحاد القضاة الاداريين ان يكون الثلث من غير القضاة مكونا بمجالس القضاء وفق الجدول التالي:

*يمكنك تحميل الجدول (3) على الرابط أدناه

وقد حرص المقترح على الموازنة بين توزيع تعيين الأعضاء من غير القضاة بالمجلس الأعلى للقضاء بين معينين من السلطة السياسية ومنتخبين من هياكل مهنية ويحقق هذا الاختيار فكرة ضرورة  ايجاد علاقة بين المجلس الاعلى للقضاء والسلطتين التشريعية التنفيذية، وهو أمر لم ينتبه له مشروع الحكومة.

ويلاحظ في هذا الاطار ان لجنة البندقية اعتبرت عند سماعها من قبل لجنة التشريع العام ان تدخّل السلطة السياسية في تعيين نسبة من اعضاء  المجلس الاعلى للقضاء يعد بمعية شفافية اعمال المجلس الاعلى للقضاء و نشر تقاريره ومناقشة موازنته من قبل مجلس نواب الشعب الوسيلة الامثل لتحقيق الرقابة العامة على اعمال المجلس الاعلى للقضاء.

كما لمشروع اتحاد القضاة الاداريين ميزة ثانية، مفادها الابتعاد عن مجاملة القطاعات المهنية. فمجال اختصاص القضاء المالي هو المالية العمومية والخبراء المحاسبون ليسوا من المتخصصين في هذا المجال. ويصحح هذا المقترح توجها فرضه المشروع الحكومي ومشت فيه الهيئة الوطنية للمحامين. واذ ضمن اتحاد القضاة الاداريين في مشروعه تواجدا هاما للمحامين بمختلف مجالس القضاء، فانه لم يقبل بالمقابل بتغوّل المحامين بالمجلس الأعلى للقضاء.

استقلالية المجلس
كما تميّز مشروع اتحاد القضاة الاداريّين بأنه نصّ صراحةً على كون أعضاء المجلس الأعلى للقضاء (بما فيهم الأعضاء من غير القضاة) "يلتزمون بحيادية المجلس واستقلاليته، وذلك دون المساس بحريّاتهم وحقوقهم العامة". ويبدو هذا التنصيص مهما لجهة ان المشروع الحكومي وبعده مشروع الهيئة الوطنية للمحامين اعتبرا أن الاستقلالية بالنسبة لغير القضاة تعني الحرمان من الحق في الانتماء السياسي.

كما يلاحظ ان مشروع الهيئة الوطنية للمحامين اقترح بعث لجنة برلمانية تتكون من عشرة من اعضاء مجلس نواب الشعب يعهد لها مجلس نواب الشعب باجراء بحث برلماني على عمل المجلس الاعلى للقضاء كلما تبين "خرق المجلس لواجباته او سوء تطبيق لها". وتنتهي اللجنة لاعداد تقرير واقتراح القوانين والقرارات  التي تجب. ويبدو هذا الاقتراح مستجيبا لاسئلة نواب مجلس نواب الشعب حول الادوات التي تكون بيدهم للحؤول دون تغول القضاة. الا ان فكرة اللجنة التي تمارس تفقدا على عمل المجلس الاعلى للقضاء قد تتحول لاداة لفرض وصاية السلطة السياسية على هذا المجلس خصوصا وان مقترح الهيئة يمهد لذلك من خلال تصور اصدار قوانين ملزمة  للمجلس الأعلى القضاء.

ولا تمنع سلبية المقترح من تسجيل طرح مشروع قانون الهيئة الوطنية للمحامين ومشروع اتحاد القضاة الاداريين بجرأة للسؤال حول اساليب ضمان الشفافية في عمل المجلس الاعلى للقضاء. فقد انتهى المشروعان لتقديم تصورات تدعم هذه الشفافية. وفي هذا المجال، طرح مقترح هيئة المحامين تمكين ثلث أعضاء المجلس الاعلى للقضاء من الحق في دعوة جلسته العامة للانعقاد. كما اشترط مشروع اتحاد القضاة الاداريين أن تكون عضوية المجلس الاعلى للقضاء بالنسبة للاعضاء غير المعينين بصفاتهم لدورة واحدة غير قابلة للتجديد، تجنبا للزبونية والمحاباة الانتخابية في عمل اعضاء المجلس.

ويتضح مما سلف أن الحسابات القطاعية كانت السبب في منع تطور التصورات في خصوص تركيبة المجلس الاعلى للقضاء. ونأمل أن يستفيد مجلس نواب الشعب من تطور النقش الحاصل، بعيدا عن التكتلات القطاعية التي يخشى أن تبرز بفعل سيطرة كتلة المحامين على 37 مقعدا بمجلس نواب الشعب من جملة مقاعده 217.

يمكنك تحميل مشروع اتحاد القضاة الاداريين على الرابط ادناه

يمكنك تحميل مشروع الهيئة الوطنية للمحامين  للقانون الاساسي للمجلس الاعلى للقضاء على الرابط أدناه

انشر المقال

متوفر من خلال:

المرصد القضائي ، تونس



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية