الأحزاب السياسية و”مسار 25 جويلية” بين التصفية المنهجية ووهم الزوال التدريجي


2024-01-10    |   

الأحزاب السياسية و”مسار 25 جويلية” بين التصفية المنهجية ووهم الزوال التدريجي

شكّلت الانتخابات المحلية خطوة جديدة على طريق استكمال مؤسسات البناء القاعدي، الذي مضى الرئيس قيس سعيّد في تنزيله على مراحل منذ انقلابه على الدستور. وعمل “مسار 25 جويلية”  وفق استراتيجية محدّدة اتّبعت خيارات التصفية القانونية والانتخابية والسياسية للأحزاب كفكرة وعمل سياسي. وقد بقيتْ الأحزاب طيلة تلك الفترة حبيسة منطق ردّ الفعل على خطوات الرئيس، بما لم يسمح لها بمراجعة تجربتها خلال فترة الانتقال الديمقراطي. وقعت جميع الأحزاب، بسهولة لافتة،  تحت وطأة تصفية مُفكّر فيها ومحسوبة عبر القمع والخطاب والممارسة السياسية، وصولا إلى سجن أبرز زعماء أحزاب المعارضة بتُهم تصل عقوبتها إلى الإعدام، مما قلّص بشكل كبير قدرتها على الحركة.  ما يطرح أسئلة رؤيتها المرحلية والبعيدة لتحيين استراتيجيات العمل السياسي المعارض.

الأحزاب و”مسار 25 جويلية”: من تصفية المفهوم إلى تصفية التنظيمات

قلب حدث 25 جويلية إحداثيات الساحة السياسية بإعلانه “حالة الاستثناء”، التي تحوّلت عند الرئيس سعيّد إلى مطيّة لتحقيق مشروعه وتغيير النظام السياسي بصفة منفردة، على نقيض هدفها وهو حماية النظام الدستوري القائم. حرص سعيّد تدريجيا على إصدار نصوص قانونية حدّدت أطر ومؤسسات ممارسة الحكم التي تمحورت حول رئيس الجمهورية. فتغيّرت العلاقة بالمعارضة السياسية التي وجدت نفسها على هامش التغيير السياسي من دون القدرة على التأثير عليه. وهي القدرة التي أصبحت تتدهور تدريجيا لصالح استراتيجيّة تضع قواعد النظام السياسي الجديد وصولا إلى استهداف معارضيها مباشرة.

لا يخفي رئيس الجمهورية وأنصاره رفضهم للأجسام الوسيطة خاصة الأحزاب السياسية. ومرجعيتهم في ذلك مشروع البناء القاعدي الذي كلما تحدث عنه معارضوه في البداية إلا واختفى من رادار الاهتمام المباشر. فقد سادت في الفترة الأولى من “مسار 25 جويلية” حالة من التجاهل للمشروع استفاد منها رئيس الجمهورية إلى حدّ بعيد. لم يذكر الرئيس مصطلح “البناء القاعدي” إلا مرة واحدة في تصريحاته معولا على حالة رد الفعل العاجز في الوسط السياسي. فباستثناء المعارضين صراحة للمشروع، ساد أمل وتفكير رغبوي بإمكانية أن تكون نتائجه متوافقة مع ما ينتظره أو يأمله البعض. لكن في المقابل، كانت النصوص القانونية بصدد ترجمته تدريجيا من دون الإحالة عليه. اتهم الوسط السياسي المحللين للمشروع ومعارضيه بالهوس به إلا أنه تبيّن اليوم أننا كنا بصدد تنزيل تدريجي مُوارب وغير مباشر لم يُثبت إلا تعلًق السلطة وأنصاره به. فيما تمّ تصدير خطاب سياسي يُقدّم النزاهة والصدق يُحاكم أخلاقيا منافسيه على أساسه.

كانت أولى استراتيجيات إقصاء الأحزاب تطبيقا لتصور البناء القاعدي عن عدم الحاجة للأجسام الوسيطة، التصفية القانونية والانتخابية القائمة على “تغليب المبدأ على الأشكال والإجراءات”، كما ورد في الأمر الرئاسي عدد 117. وجاءت جميع النصوص التالية ضمن هذا النسق قابلة للتأويل حسب صاحب القرار الذي ضخّ خطابا شعبويّا يتجاوز الأشكال والإجراءات نحو مبدأ متعالٍ وجوهري لشعب “المحليات” و”الصانع للتاريخ” و”المسار الثوري”. في الأثناء، حُمّلت الأحزاب السياسية كلّ أوزار الأزمات، وتبعتها كلّ المفاهيم والمؤسسات الديمقراطية، لتنتهي جميعها مع “التاريخ الجديد” و”الفكر السياسي الجديد” السائد  منذ 25 جويلية. أقصيت الأحزاب، بما فيها المساندة، من  “الحوار” من أجل “جمهورية جديدة”. ولم ير الرئيس حاجة إلى المرور عبر انتخابات تأسيسيّة لوضع دستور جديد، وإنّما منح دستوره عبر استفتاء تحكّم في كلّ مفاصله. فتصفية الأحزاب عبر حلّ جميع مؤسسات الانتقال الديمقراطي وإقصائها من عمليّة التأسيس، لم تكن إلا مقدمة لتصفية مفهومها في تصور وممارسة المشاركة وإدارة مستقبل المنظومة السياسية الجديدة. 

هذه الجريمة اتضحت معالمها في المرسوم عدد 55 لسنة 2022 الذي نقّح القانون الانتخابي فيما يتعلّق بالانتخابات التشريعيّة. فرغم أنه ذكر الحزب لكن تفاصيله جاءت لتفصيل الاقتراع على الأفراد ومنع الأحزاب من تمويل مرشحيها. وفي نفس الاتّجاه، منعت الهيئة العليا المستقلة للانتخابات الأحزاب السياسية من القيام بحملات انتخابية خلال الانتخابات التشريعية مؤكدة أنها تتعامل مع المترشحين كأفراد. لتتضح معالم تصفية الهياكل والتنظيمات في العملية الانتخابية.

لقد تضمّنت استراتيجية التصفية القانونية مساريْن: قطع أولهما صلة الأحزاب بالمؤسّسات القديمة والناشئة، في حين قطع ثانيهما روافد المشاركة السياسية في الوسط الانتخابي والمجتمعي. فلئن صفّت أدوات وفضاءات المشاركة قامت بتجفيف منابع الفكرة نفسها، التي تعرّضت لسحل خطابي رسمي دائم بالتزامن مع “غرف الصدى” الشعبوي في مواقع التواصل الاجتماعي والإعلام التقليدي. ما يؤكد أن حقيقة المنظومة السياسية الجديدة لم تكن في النصوص القانونية بقدر ما كانت تجد تأويلها في تصورات رئيس الجمهورية، ومن خلفه المشروع السياسي للبناء القاعدي. إلا أنه لم يكن إلا بصدد خلق الظرف الموضوعي المناسب محاولا فقط امتصاص عوامل الرفض والصدمة في الساحة السياسية.

بعد أقل من شهرين بعد الانتخابات التشريعية، في فيفري 2023، انطلقت حملة اعتقالات واسعة شملت 12 شخصية سياسية معارضة، تلتها طيلة الأشهر المقبلة إيقافات أخرى. وقبلها صدر المرسوم عدد 54 في 13 سبتمبر 2022. فمثلت تلك مؤشرات على استراتيجية تهيئة الظروف الموضوعية لمراحل تركيز المشروع، عبر استهداف الخطاب السياسي المعارض بتقييده والمحاسبة عليه. فلئن صفّت الأحزاب ممارسة ومفهوما، لم تكن إلا مسألة وقت حتى تتم ترجمة ذلك بالتضييق والقمع على التنظيمات وفق استراتيجية محسوبة ضربت وجودها السياسي بإفراغها من قيادات الصف الأول وغلق مقراتها ومنع اجتماعاتها (باستعمال أمر حالة الطوارئ). وقد بدت السلطة الحاكمة حريصة على ضرب أية مبادرات سياسية أو أية قدرة على التحرك الميداني للهيمنة على كل الساحة السياسية. استغلت في هذا المستوى “الوظيفة القضائية” التي أُخضعت بدورها وأصبحت أداة تجريم المعارضة السياسية بعقوبات تصل إلى الإعدام في قضايا تآمر وذات صبغة إرهابيّة، كلّ المؤشّرات توحي بفبركتها.  .

انتهت سنة 2023، سنة الاعتقالات بامتياز، بالانتخابات المحلية في 24 ديسمبر الجاري. تُمثّل هذه الانتخابات ترجمة لعملية التصفية التدريجية، ولكن ميزتها أنها ترجمة لمشروع البناء القاعدي صراحة. وجاءت تطبيقا لآخر المراسيم، وهو المرسوم عدد 10 لسنة 2023 الصادر في 8 مارس 2023، والمتعلّق بتنظيم انتخابات المجالس المحلّية وتركيبة المجالس الجهويّة ومجالس الأقاليم. انتهت الاستراتيجية إلى وضع نظام سياسي يشتغل دون الأحزاب معوّلا على تصور سياسي خاص عن انتهاء دور الأجسام الوسيطة. لكن رغم ذلك لا تزال الأحزاب تحاول اتباع استراتيجية تموقع ومعارضة تستقوي غالبا بأخطاء السلطة وهشاشة تصوراتها.

الأحزاب السياسية: بين الدور الوظيفي والمعارض

من الآثار الجانبية للشعبوية الحاكمة ظهور حالة حزبية تحت عنوان “المساندة النقدية” التي تضمّ حركة الشعب وحزب تونس إلى الأمام والتيار الشعبي. فيما انقسم  حزب الوطنيين الديمقراطيين بين شقّ مساند وآخر اقترب أكثر من المعارضة. لكنّ التقليد السياسي “الوطني الديمقراطي” يبقى، كعائلة سياسية يسارية، بقدمائه وعدد من الناشطين الحاليين، من أبرز من يوفرون الغطاء السياسي اليساري لمشروع البناء القاعدي. فيما عمليا، لا تبدو السلطة في وارد إعطاء وزن لهذه الحالة الحزبية كلها. وقد حرصت على استثمار مواقف هذه الأحزاب من دون السماح لها بالاستفادة منها. ما جعل محاولة تماهيها مع الزخم الشعبوي المناصر للـ”مسار” في بداياته من دون أيّ أثر سياسي. فقد كانت لفترة طويلة اللسان السياسي للسلطة الذي يُميّع الحدود الفاصلة والضرورية بين النظام والمعارضة. ما يعني أنها لعبت دورا وظيفيا في تركيز تصور السلطة الشعبوية الذي يقفز فوق الوساطة التنظيمية والإجرائية والفكرية للأحزاب.

سجنت أحزاب المساندة النقدية نفسها في الدور الوظيفي في حين لم تكن تمتلك أية أدوات فعل ووزن سياسي. فتحققت أهداف استراتيجية 25 جويلية وفشلت تكتيكات المساندة النقدية للاستفادة المرحلية منه. لم تتردد حركة الشعب، على سبيل المثال، في انتقاد مشروع البناء القاعدي منذ فترة الجدل حول مشروع دستور الرئيس إلا أنها قدمت دائما خطاب “انخراطها ودعمها”. هذه الازدواجية المبررة بالشعب ومصلحة الوطن انتهت بالحركة إلى خسارة دورها الوسائطي تماما. ففي الانتخابات المحلية تركت الحركة لمناضليها حرية المشاركة في الانتخابات ترشحا وتصويتا مؤكدة أن ذلك “من موقع حرصها على استكمال مؤسسات الدولة”، مؤسسات نظام البناء القاعدي في نهاية الأمر. وهي جميعا موعودة بمصير “حراك 25 جويلية” أو مبادرة “لينتصر الشعب”.

فقد كان حزب حراك 25 جويلية قدّم نفسه على أنه مشروع سياسي يعمل كمنظومة حزبية ونقابية وجمعياتية ومنظماتية (أصحاب الأعمال) كتنظيم يتماهى مع هدف فكرة النظام القاعدي بافتكاك الوساطة في جميع أشكالها. إلا أنه في نفس الوقت يتخطى حدود مفهوم الحزب. لذلك فهو يُقدّم نفسه طواعية للعب أخطر الأدوار: وهي ضرب المنظمات الوسيطة الأخرى. وليس الأحزاب وحدها. يبقى رغم ما سبق حالة حزبية هامشية مُتضخّمة خطابيا وغير ذات قيمة سوى إثبات ما نذهب إليه من استفادة السلطة من الوظيفيين مهما كان حجمهم. لا يختلف ذلك عن مبادرة “لينتصر الشعب”، التي وقعها ناشطون سياسيون وحزبيون أيضا وناشطو مجتمع مدني تجمعيون (نسبة إلى الحزب-الدولة الحاكم قبل الثورة) وقوميون ويساريون إلى جانب أحد رموز مشروع البناء القاعدي رضا شهاب المكّي. اللافت فيها أنها قدمت نفسها كـ “إطار وطني شعبي كفاحي أفقي ومفتوح لعموم الشعب التونسي”، وكأول تشكل انتخابي سياسي لمشروع البناء القاعدي خارج النظام ويستجيب لرفض الوساطة. ضم بيان المبادرة نفس الجهاز المفاهيمي لمشروع البناء القاعدي خاصة الطرح الشعبي الأفقي. لكنها انتهت بدورها إلى الذوبان في مؤسسة البرلمان الوظيفي، مع سيطرة المحسوبين على التجمع داخلها. ومصيرها لا يختلف عن حراك 25 جويلية الآنف ذكره.

في المقابل، تبقى الأحزاب المعارضة لمسار “25 جويلية” محافظة على روافد العمل السياسي الحزبي من حيث الفكرة والتنظيم. وهي تتوزع على خريطة إيديولوجية وسياسية متنوعة تشمل الإسلاميين والليبراليين واليساريين. بالإضافة إلى الحزب الدستوري الحر الذي اختار عزل نفسه عن بقيّة المشهد المعارض. تتواجد حركة النهضة إلى جانب قلب تونس وائتلاف الكرامة وحراك تونس الإرادة وحزب الأمل، وحملة “مواطنون ضد الانقلاب” ومبادرة اللقاء من أجل تونس، وتنسيقية عدد من أعضاء مجلس النواب السابق، في جبهة الخلاص الوطني. في المقابل، أخذ شقّ من المعارضة مسافة منها على أساس تنسيب الموقف من الانقلاب لكن يبدو أن جلها اليوم أقرب إلى المعارضة التامة. فنجد ائتلاف صمود قد اجتمع خلال شهر ديسمبر 2023 ضمن منتدى القوى الديمقراطي الذي يضمّ الحزب الاشتراكي وحزب المسار الديمقراطي الاجتماعي وآفاق تونس والحزب الاجتماعي التحرري ومجموعة درع الوطن، إلى جانب عدد من الجمعيات. وقد أعلنت جميعها عن رفضها للنظام السياسي الذي يتم تركيزه. وهي في صدد العمل والتشاور مع تنسيقية القوى الديمقراطية التقدمية المتكونة من حزب العمال والتيار الديمقراطي وحزب القطب وحزب التكتل، والتي كان موقفها من مسار سعيّد أوضح وأكثر تجذّرا.

كنتيجة تراكمية، تعيش المعارضة السياسيّة حالة ضعف استفادتْ منها السّلطة بكل الطرق الممكنة. بالإضافة إلى هشاشة العمل الحزبي لأسباب أعمق من السياق المرحلي، تعيش أحزاب المعارضة حالة انقسام تمنع توحيد جهودها. استثمر رئيس الجمهورية في ضعفها لامتصاص نشاطها المعارض وعزلها عن الشارع الذي يعيش حالة تطبيع مع استقرار النظام السياسي وتوجهاته المؤلمة خصوصا على المستوى الاقتصادي والاجتماعي. يبدو أنّ النشاط الحزبي المعارض قد رجع إلى مربع التنظُّم المعارض الضيق أمام عملية التصفية الموسّعة والاستهداف المركّز. ما جعلها تستعيد استراتيجيات المعارضة السياسية ضد الأنظمة الاستبدادية.

استراتيجيات العمل السياسي المعارض: ضرورة التحيين 

يسود الساحة السياسية المعارضة منذ مدّة نقاش التّرشح من عدمه للانتخابات الرئاسية القادمة. بين الرافض قطعيا وبين من يرى ضرورة الدّفع بـ”مرشح توافقي” لاختراق هيمنة الرئيس الحالي، قدّمت بعض التيارات مرشّحيها، مثل زعيم حزب آفاق تونس الفاضل عبد الكافي الذي أعلن نيّته الترشح منذ أواسط سنة 2023، وزعيمة الحزب الدستوري الحرّ عبير موسي قبل أن يقع إيقافها هي الأخرى. بالمجمل يمثل ذلك معطى بدلالتين. أولاهما تواصل الانقسامات الداخلية التقليدية في المعارضة، خاصة ذات الطابع الأيديولوجي. أما الثانية فتحيلنا على تعذّر وضع تصورات استراتيجية مرحلية وبعيدة المدى، سواء بين اختراق حالة الهيمنة التي تتكرّس حاليا، وبين التفكير في القدرة على المرور أو التمهيد لفترة ما بعد قيس سعيّد على أسس تُجنّب البلاد هنات المراحل السابقة. لكن المتغيّر العملي الذي يعمل على استدامة العجز في المعارضة كان إفراغها من قياداتها ورموزها التي يمكن أن تلعب دور البديل.

لذلك يُظهر تقييمُ استراتيجيات العمل السياسي المعارض منذ 25 جويلية، اكتفاءها بتلك المعهودة بدءًا بالحشد والتظاهر في الشارع، ووسائل التواصل الاجتماعي والإعلام التقليدي والتحالف والتشبيك السياسي. بالإضافة إلى تبني العمل السياسي السلمي مصدّرة لخطاب أخلاقي يتبنى عدالة قضية حقوق الإنسان والحريات مع دعم الإضرابات والاحتجاجات الشعبية. وهي استراتيجيات كانت تبدأ وتدعو الآخرين للإلتحاق بها، في نوع من تجنب حسابات التنازل والتراجع بين خصوم الأمس.

لجأت بعض أحزاب المعارضة أيضا إلى الدبلوماسية السياسية في الخارج عبر محاولة عرض مواقفها من النظام السياسي الناشئ في منابر دولية. غير أن هذه الاستراتيجية سرعان ما خفتتْ بسبب السياق المحلي الذي حوّلها إلى ورقة مضادة بحجة أنها دليل على “الاستقواء بالخارج” و”العمالة”. يقتضي السياق الشعبوي لنظام يلفظ العمل الجماعي المنظم تحيين استراتيجيات التحالف والتشبيك خارج الهياكل الحزبية، خصوصًا على المستوى المحلي حيث يتمّ ضبط السياسة من قبل السلطة. يبدو التشبيك غير السياسي مع ممثلي فئات مهنية وطلابية وأصحاب أعمال ومثقفين ضرورة ملحة ضمن هذه الفضاءات حتى يمكن استعادة العمل الجماعي المُنظم فكرا وممارسة عكس التمشي الرسمي الممنهج. وهو ما يمكن أن يتحول في فترات متقدمة إلى روافد لتجديد الأحزاب تنظيميا وفكريا وإيديولوجيا على أسس جديدة تماما تأخذ بدروس الماضي القريب.

في الاتجاه ذاته، يبدو الاتصال السياسي الرقمي عبر ناشطين جدد خيارا متاحا بل وضروريا من أجل اختراق حالة التطبيع المجتمعي مع اللا-سياسة أو خطاب رفض السياسة لا سيما لدى الأجيال الأصغر سنا. وهي الأجيال التي عاشت فترة الانتقال الديمقراطي وتملك انفتاحا موضوعيا على الخارج. ولا ينفصل ذلك عن التشبيك مع الفاعلين الدوليين لتشكيل جبهات سياسية وقانونية محورها القضايا الوطنية المتعلقة بحقوق الإنسان والحريات العامة والفردية. لعلّ ذلك يمهّد للنّشاط رغم القيود المفروضة.

مع استقرار منظومة الحكم الجديدة، بدأتْ الحياة السياسية في تونس ترزخ تحت  سياسة رسمية صلبة ومنغلقة على نفسها بشكل أكثر خطرا. ما يتطلب تجديد استراتيجيات العمل السياسي المعارض حسب السياق. لكن مع صياغة العمل السياسي من أجل الديمقراطية عبر تجاوز معطلاتها الخاصة بالأحزاب وأزماتها المرتبطة بمؤسساتها وتصوراتها. وذلك حتى لا نتجاهل الأسباب العميقة للتصحر السياسي وغياب استبطان الديمقراطية سواء في المجتمع أو الدولة أو الفاعل السياسي، لعله بذلك يمكن إنصاف مرحلة انتقال ديمقراطي فتحت بعض نوافذ الأمل على مستقبل أفضل.

انشر المقال

متوفر من خلال:

أحزاب سياسية ، تشريعات وقوانين ، مقالات ، تونس ، دستور وانتخابات



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية