اقرار الهيئة الوقتية للرقابة على دستورية القوانين في تونس: مبدأ المواجهة وحصر الرقابة بمشاريع القوانين


2014-04-21    |   

اقرار الهيئة الوقتية للرقابة على دستورية القوانين في تونس: مبدأ المواجهة وحصر الرقابة بمشاريع القوانين

صادق المجلس الوطني التأسيسي التونسي يوم 15/04/2014 على القانون الاساسي الذي يتعلق ببعث "الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية مشاريع القوانين". و يعد صدور هذا  القانون حدثا هاما على اعتبار انه اول قانون يستحدث مؤسسة نص عليها الدستور التونسي الجديد. كما تعتبر هيئة رقابة دستورية القوانين التي ركزها القانون الجديد خطوة هامة نحو ارساء ثقافة الالتزام بعلوية احكام الدستور. وتأتي المصادقة على قانون الهيئة تنفيذا لأحكام الفصل 148 من الدستور الذي اقتضى ان يتولى المجلس الوطني التأسيسي سن قانون اساسي ينظم عمل الهيئة الوقتية للرقابة على مشاريع القوانين ويسمح بعث هيئة الرقابة على دستورية مشاريع القوانين بسد الشغور المؤسساتي في المجال خلال الفترة التي تفصل بين تاريخ انشائها وتاريخ تركيز المحكمة الدستورية. اذ اسند الفصل 120 منه للمحكمة الدستورية دون سواها مهام الرقابة القضائية على القوانين سواء كانت رقابة سابقة تطال مشاريع القوانين او رقابة لاحقة على القوانين النافذة. وبالنظر لكون ارساء المحكمة الدستورية يستدعي انتظار اجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية وتركيز المجلس الاعلى للقضاء ليتسنى للسلط المذكورة تعيين اعضاء المحكمة  وفق مقتضيات احكام الدستور، فقد قرر الفصل 148 من الدستور ان تستحدث هيئة تختص بالرقابة على مشاريع القوانين خلال المرحلة الانتقالية التي تسبق ارساء المحكمة الدستورية و يوكل لهذه الهيئة  مهام الرقابة على مشاريع القوانين.

كان من المتوقع ألا يثير قانون هيئة الرقابة على دستورية مشاريع القوانين اختلافات بين الاطراف السياسية التي تشكل المجلس التأسيسي بالنظر لكون فكرة بعث الهيئة كانت ثمرة لتوافقات سياسية عدلت المشروع الاصلي للدستور الذي كان يقضي ان تتولى الجلسة العامة للمحكمة الادارية مهام الرقابة على دستورية مشاريع القوانين. غير ان سعي كتل نيابية لنزع الصبغة القضائية عن الهيئة في مقابل تمسك جانب آخر منهم بضرورة الاعتراف بها  أجبر رئيس المجلس الوطني التاسيسي الاستاذ مصطفى بن جعفر على الالتجاء  للجنة التوافقات[1] التي سبق له ان استحدثها بمناسبة مناقشة مشروع الدستور. وقد توصل بفضلها الى حسم النقاط الخلافية بعيدا عن تشنجات الجلسة العامة. ادخلت ثقافة "التوافق" التي تعد خاصية ميزت عمل المجلس الوطني التأسيسي  تعديلات هامة على قانون هيئة الرقابة على دستورية مشاريع القوانين واثمرت هيئة قضائية مستقلة تراقب مشاريع القوانين. الا ان الهيئة الجديدة تظل عاجزة بفعل اختصاصاتها عن ضمان رقابة كاملة على دستورية القوانين.

هيئة قضائية مستقلة تراقب مشاريع القوانين:
اكد الفصل الاول من القانون على ان هيئة مراقبة دستورية القوانين "هيئة قضائية". ويبدو منح الصبغة القضائية لهيئة الرقابة على مشاريع القوانين ينسجم مع تركيبتها كما حددها الفصل 148 سابعا لجهة ان نصف اعضائها من القضاة، اذ ان الهيئة يرأسها الرئيس الاول لمحكمة التعقيب وتضم في عضويتها رئيسي المحكمة الادارية ودائرة المحاسبات علاوة على ثلاثة اعضاء من المختصين في القانون يعينهم كلا من رئيس الجمهورية ورئيس المجلس الوطني التاسيسي ورئيس الحكومة. وأدى الاقرار بالصبغة القضائية للهيئة الى إعطائها اختصاصا حصريا في النظر في دستورية مشاريع القوانين التي تمت المصادقة عليها من قبل المجلس النيابي واحيلت لرئاسة الجمهورية لختمها. وحصر القانون حق التقاضي امامها على رئيس الجمهورية او رئيس الحكومة او ثلاثين نائبا من نواب المجلس التاسيسي او من نواب مجلس نواب الشعب لاحقا. كما ربط القانون القيام امام الهيئة  باجراءات شكلية رتب على عدم احترامها بطلان الطعن وهي شكلية الطعن الذي يجب ان يكون بعريضة مكتوبة موقعة من قبل من رفعها وتودع بكتابة الهيئة واضافة مؤيدات الطعن للعريضة في تاريخ تقديمها. وضمن القانون مبدأ المواجهة امام الهيئة فالزم رئيس الهيئة بتوجيه اعلام فوري لرؤساء الجمهورية والمجلس النيابي والحكومة بالطعن يرفق وجوبا بنسخة من ملف الطعن. ومكن في مقابل ذلك رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة او ثلاثين نائبا  من حق الدفاع عن دستورية مشروع القانون، وذلك في اجل ثلاثة ايام من تاريخ تلقيهم لملف الطعن من خلال تقديم ملاحظات كتابية للهيئة حول دستورية مشروع القانون. ولم يتعرض القانون الذي توجه نحو ارساء الاجراءات الكتابية كسبيل وحيد للمراجعة امام الهيئة على مدى جواز انابة محامي من قبل اطراف دعوى الدستورية. وهذا الأمر قد يلقى انتقادا على خلفية أن الدستور التونسي نص في الفصل 105 منه على المحاماة كمكون اساسي من مكونات النظام القضائي. ويبدو من اشتراط القانون ان يتولى "النواب الذين يطعنون في دستورية مشروع قانون او الذين يختارون الدفاع عن دستورية مشروع قانون محل طعن في دستوريته ان تتضمن عريضتهم "اسم من يمثلهم"، ان امكانية انابة محام لتمثيلهم تظل قائمة رغم عدم وضوح النص القانوني بهذا الشأن.

وبمجرد تلقي عريضة الطعن ومضي اجل تلقي الجواب عنها تصبح القضية جاهزة للفصل وعلى الهيئة البت في موضوعها في اجل عشرة ايام من تاريخ ايداع ملفها ويمكن تمديد هذا الاجل لمرة واحدة لمدة اسبوع واحد. الا انه يمكن اختصار الاجل المذكور لاسبوع واحد في صورة تقديم مطلب استعجال في البت يحظى بموافقة الهيئة. وتصدر الهيئة قراراتها بعد المداولة بين اعضائها بشكل سري لتقرر باغلبية اعضائها اولا مدى صحة الطعن شكلا ولتنتهي لاحقا في صورة قبولها بالطعن شكلا للبت بحكم يصدر باسم الشعب وينشر بالجريدة الرسمية في دستورية مشروع القانون. ويكون لحكمها حجية ملزمة لكافة السلط في الدولة: ففي صورة قضائها بعدم دستورية مواد قانونية، يكون رئيس الجمهورية ملزما بعدم ختم مشروع القانون وبرده للمجلس التشريعي الذي يعيد التداول في شأنه طبق قرار الهيئة في اجل عشرة أيام. وفي هذه الصورة، يكون ارجاع مشروع القانون للهيئة وجوبيا لتعاود النظر فيه مجددا بعد التعديل ويبدو ان نظرها رغم عدم وضوح النص القانوني، يكون منحصرا بالضرورة في النقاط التي سبق لها ان قضت بعدم دستوريتها وشملها التعديل دون سواها. ويلاحظ هنا ان المشرع مكن الهيئة في صورة اعادة النظر اذا ما تبين لها ان الفصول التي شابتها عدم الدستورية ظلت متعارضة مع الدستور من ان تقرر جواز نشر القانون دونها ان كان ذلك ممكنا دون الاضرار بمجمل مشروع القانون، بما يسمح من تجاوز ما قد تبديه السلطة التشريعية من معارضة لقرارات الهيئة.

ويبدو مما سلف أن هيئة الرقابة على دستورية مشاريع القوانين تضمن لحد بعيد "ضمان علوية الدستور" فيما سيصدر عن المجلس التشريعي من قوانين مستقبلا وهو أمر يؤكد موقف الكتل النيابية التي تمسكت بان يتم سن قانون الهيئة وارساؤها قبل اتمام مشروع القانون الانتخابي ويكشف عن صواب رؤية السلطة التأسيسية التي ضبطت اجلا اقصى لارساء الهيئة[2]. الا أن التصور الدستوري الذي كرسه القانون لرقابة دستورية القوانين خلال المرحلة التي تسبق ارساء المحكمة الدستورية يؤكد محدودية هذه الرقابة.

هيئة الرقابة على دستورية مشاريع القوانين لا تضمن علوية الدستور بشكل كامل:
منع الدستور في احكامه الختامية على مختلف المحاكم اجراء الرقابة على دستورية القوانين وكرس قانون الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية مشاريع القوانين ذات المنع. وقصر الدستور نظر الهيئة على مشاريع القوانين فيما زاد القانون في حصر مجال نظر الهيئة ليجعله مقتصرا على مشاريع القوانين التي يثار في شانها طعن بعدم الدستورية. وينتهي التوجه الدستوري والتشريعي الى الزام المحاكم بالقضاء بموجب قوانين قد تتعارض بشكل صريح مع الدستور لكونها صدرت قبله وكانت احكامها غير متلائمة معه او لانها وان صدرت في ظل الدستور الجديد حظيت بمساندة واسعة من النواب بما منع من الطعن فيها رغم تعارضها مع الدستور بفعل الانسجام بين مكونات السلطة التشريعية والتنفيذية حولها. ويبدو منع القضاء من ممارسة رقابة الدفع بعدم الدستورية خلال المرحلة التي تسبق ارساء المحكمة الدستورية غير مبرر ويكرس حالة فراغ مؤسساتي تمنع فعليا من تحقيق علوية الدستور وتمكن من مواصلة خرق القانون لاحكامه. وقد ارتبط منع القضاء من ممارسة الرقابة على دستورية القوانين فعليا بردة فعل اعضاء المجلس الوطني التاسيسي على احكام القضاء التي صدرت عن المحكمة الادارية قبل سن الدستور وابطلت اعمال لجنة فرز هيئة الانتخابات لتعارضها مع الدستور المؤقت. وتكشف حالة الفراغ المؤسساتي التي تسجل اليوم مجددا عن  اثر التعاطي السياسي الارتجالي الذي يمنع البناء الحقيقي لدولة المؤسسات. وفي مقابل ذلك، يبين اثر"التوافق" الذي مكن من ارساء هيئة قضائية تحترم مبدأ المواجهة وتتمتع بالاستقلالية تراقب دستورية مشاريع القوانين على ان بناء مؤسسات الدولة خلال المرحلة الانتقالية يحتاج الى توافق يحد من اثر الصراعات السياسية. 



[1]         لجنة التوافقات هي لجنة غير قانونية تركيبتها غير مضبوطة ومهامها وصلاحياتها غير محددة باي نص قانوني ، وأحدثت هذه اللجنة بمقتضى قرار من مكتب المجلس الوطني التاسيسي و لم يتعرض النظام الداخلي للمجلس الوطني التاسيسي  لهذه اللجنة ويذكر هنا أن تجربة التوافقات حول الدستور انتهت بتعديل النظام الداخلي للمجلس التأسيسي لاضفاء شرعية على حصيلة أشغال لجنة التوافقات الا ان التدخل التشريعي حصر عمل لجنة التوافقات على الاعمال الدستور –يراجع الفصل 141 فقرة اخيرة من النظام الداخلي للمجلس الوطني التاسيسي                                                                                    
[2]استدعت  صياغة مشروع قانون الهيئة ودراسته صلب اللجان الفنية بالمجلس التأسيسي الا يحال مشروع قانون هيئة الرقابة للمداولة بالجلسة العامة  الا قبل نصف شهر فقط من نهاية الاجل الدستوري .وبعد ان اضطر رئيس المجلس الوطني التاسيسي لتاجيل جلسة المصادقة على مشروع القانون يوم 11 افريل 2014 بسبب ضعف نسبة حضور النواب عاد المجلس لينعقد يوم 12 افريل 2014 بعد ان  ويبدو ان تحديد الدستور لاجل اقصى لتركيز الهيئة لعب دورا ايجابيا في تحفيز السلطة التشريعية على تحقيق الاستحقاق الدستوري و.بما منع فعليا من اصدار قوانين هامة خصوصا منها القانون الانتخابي دون الخضوع لرقابة مستقلة تتعلق بدستوريتها .
انشر المقال

متوفر من خلال:

مقالات ، تونس



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية