اقتراح لتعديل قانون المياه في لبنان: توسيع أطر الخصخصة وصلاحيات وزارة الطاقة والمياه وتقويض حرية إنشاء جمعيات مستخدمي مياه الري

اقتراح لتعديل قانون المياه في لبنان: توسيع أطر الخصخصة وصلاحيات وزارة الطاقة والمياه وتقويض حرية إنشاء جمعيات مستخدمي مياه الري

تناقش اللجان المشتركة اقتراح تعديل قانون المياه. وكانت اللجنة الفرعية المنبثقة عن اللجان النيابية المشتركة برئاسة النائب محمد الحجار أقرّت الإقتراح بعد إدخال تعديلات عليه[1] في 11 أيار 2020، بحضور لافت لممثلة عن المجلس الأعلى للشراكة بين القطاعين العام والخاص والخصخصة مايا شاملي.

وكان قانون المياه قد صدر تحت الرقم 77 في 29/3/2018، وقدّمت “المفكرة القانونية” أبرز تعليقاتها عليه. وبعد شهرين على إصداره[2]، تقدم كل من النواب محمد قباني، حكمت ديب وجوزف معلوف بإقتراح معجل مكرر لإقتراح تعديلي عليه، برّر حينها بأن ضرورة الاستعجال بإصدار القانون كأحد الشروط التي وضعها المموّلون الخارجيون على لبنان لا سيما مؤتمر سيدر أدى إلى اشكاليات عديدة فيه لا سيما في التعريفات وبعض الصياغات. وقد جاء في الأسباب الموجبة للإقتراح أنه و”بسبب الحاجة إلى إصدار قانون المياه قبل انعقاد مؤتمر سيدر 1، والذي لحظ تمويل مشاريع عدة في قطاع المياه تقدر قيمة القروض التي رصدت لها بنحو 6.3 مليارات دولار، كان هناك ضرورة ملحة لإصدار قانون المياه على وجه السرعة”، وأنه وفي “الصيغة التي صدر بها تشوبه الكثير من الثغرات التي تجعل إمكانية تطبيقه شبه مستحيلة”. وفي الجلسة التشريعية التي انعقدت بتاريخ 12 تشرين الثاني 2018 أسقطت صفة العجلة عن الاقتراح المطروح على جدول أعمال الجلسة، وأحيل إلى اللجان النيابية للمناقشة، بعدما اعترض بعض النواب على طلب إقراره بمادة وحيدة.

وبعد التمعّن بالاقتراح[3]، لا بدّ من إبداء الملاحظات التالية عليه:

1- المضي في تشريع الأبواب أمام خصخصة قطاع المياه

يعمد المقترح إلى حذف المواد المتعلقة بمساهمة القطاع الخاص في إدارة المرفق العام المائي (المادتين 62 و63 من االقانون الحالي) واستبدالها بمادتين (59 و60) تحيلان بالنسبة للمشاريع المشتركة إلى أحكام القانون رقم 48 تاريخ 7/9/2017 “قانون تنظيم الشراكة بين القطاعين العام والخاص”، وأحكام القوانين والأنظمة المرعية الإجراء بالنسبة ل”لأشكال الأخرى” من المساهمة. وعرّفت المادة الرابعة من اقتراح القانون “المشروع المشترك” بشكل واسع جداً ك”أي مشروع (…) يساهم فيه القطاع الخاص عن طريق التمويل والإدارة وإحدى العمليات التالية على الأقل: التصميم، الإنشاء، التشييد، التطوير، الترميم، التجهيز، الصيانة، التأهيل والتشغيل”.

واعتبر رئيس مصلحة الليطاني الدكتور سامي علويه في حديث مع “المفكّرة” أن من شأن هذا الأمر أن يفتح المجال أمام “أشكال أخرى من المساهمة” يعني“السماح لوزارة الطاقة والمياه بابتداع أشكال أخرى من الشراكة مع القطاع الخاص تتجاوز الأشكال المنصوص عنها في قانون تنظيم الشراكة بين القطاعين العام والخاص”.

وتعتبر هاتان المادتان فضفاضتين ولا تضعان أية ضوابط أمام مستويات خصخصة القطاع، مع ما يستتبع ذلك من خطورة كبيرة على الطابع الحيوي للمرفق العام المائي، وضرب للوظيفة العامة حيث يحتاج القطاع وتحديداً المؤسسات العامة للمياه إلى 4500 موظفاً ليعمل بشكل فعّال. إلا أن عدد الموظفين اليوم لا يتعدّى 1000، يقترب متوسطهم العمري من 60 عاماً. وما يزيد من قابلية هذا الأمر للإنتقاد، كون إحدى إشكاليات قانون المياه الصادر عام 2018 تمثلت في اعتماد النموذج الفرنسي أي الشراكة بين القطاعين العام والخاص الذي يُعاد النظر به اليوم في فرنسا. فقد باتت معظم المدن الكبرى الفرنسية تعود نحو خيار إيلاء إدارة قطاع المياه إلى البلديات بحسب ما كان أكّده د. رولان رياشي الخبير في السياسات العامة لل”مفكرة” آنذاك.

اعتبر د. علويه في السياق نفسه أن “الغاية النهائية التي كانت من إقرار القانون ومن ثم إعادة النظر فيها (..) متمثلة في تسهيل إشراك القطاع الخاص وخصخصة القطاع والإنتقال من مفهوم المياه كحق إلى مفهومها كسلعة”.

من جهة أخرى يسمح الإقتراح التعديلي للوزارة والمؤسسات العامة الاستثمارية للمياه “عقد اتفاقيات مع القطاع العام من أجل تأمين إدارة مُستدامة للمرفق العام للمياه وتطويره (مادة 58 معدلة)”. واعتبر د. علويه أن ذلك في غاية الخطورة إذ يسمح “بتجيير إدارة واستثمار قطاع المياه إلى جهات أخرى من القطاع العام على نحو يتعارض مع أحكام قانون تنظيم قطاع المياه ويكرس الفوضى في إدارة القطاع وتغييب التخطيط ويخل بالميزان المائي ويتسبب بالهدر المالي ويسمح بتكريس أمر واقع هو فيدرالية مائية موسعة عبر توسيع الجهات المعنية بالقطاع “.

2- تعديل تشكيل الهيئة الوطنية للمياه

يعمد المقترح إلى تعديل تشكيل الهيئة الوطنية للمياه، بحيث تتألف في القانون الحالي إلى جانب رئيس مجلس الوزراء رئيسا، من وزير الطاقة والمياه نائباً للرئيس، ومن وزراء عدة[4]، أضيف إليهم في النسخة المعدّلة وزراء الأشغال العامة والمالية والداخلية والبلديات. لكن الأخطر أن الهيئة تضمّ اليوم إلى جانب هؤلاء مدراء عامين متعدّدين[5] ورؤساء مجالس إدارة المؤسسات العامة الاستثمارية للمياه ومدرائها العامين و”أشخاصاً متخصصين في هذا المجال وممثلين عن البلديات وعن الجمعيات الأهلية الناشطة في مجال المحافظة على الأنشطة البيئية المائية”. ويعمد المقترح التعديلي إلى إلغاء عضوية جميع هؤلاء والإبقاء فقط على”المدراء العامين للمؤسسات العامة الإستثمارية للمياه”، على أن يكون لها إمكانية “دعوة من تشاء من القطاع العام والخاص ومن الجمعيات الأهلية لحضور إجتماعاتها”، أو تشكيل لجنة مؤقتة تقنية “ينضم إليهم عند الإقتضاء أصحاب الإختصاص و/أو الجمعيات الأهلية”. وفي ذلك تراجع قوي في التشاركية وفي صون تمثيل المجتمع المدني في الهيئة الوطنية المناطة حماية الثروة المائية.

3- توضيح صلاحيات وزارة الطاقة

يعمد المقترح إلى توضيح بعض صلاحيات وزارة الطاقة والمياه. وقد اعتبر تقرير اللجنة الفرعية الصادر بتاريخ 11 أيار 2020 أنه، وفي ما خصّ سلطة الوصاية على الهيئة الوطنية للمياه، برز رأيان ضمن اللجنة، أوّلهما رأى بوجوب الإبقاء على الهيئة تحت وصاية رئاسة مجلس الوزراء وعضوية وزير الطاقة والمياه نائبا للرئيس، “وذلك إنطلاقا من الصلاحية الممنوحة لرئيس مجلس الوزراء بموجب المادة 64 من الدستور في التنسيق بين الوزارات، من دون أن يتعارض ذلك مع الدور الممنوح لوزير الطاقة والمياه”. أما الرأي الثاني، فتبنّاه بحسب التقرير الموقّع من رئيس اللجنة الفرعية محمد الحجار “ممثلو وزارة الطاقة والمياه”، وهو يتجه إلى إناطة رئاسة الهيئة بوزير الطاقة والمياه، على أن تتضمّن خبراء وممثلين عن المجتمع المدني. غير أنه جرى التوافق بين أعضاء اللجنة على الصيغة الأولى.

ويعطي المقترح التعديلي (المادة 36-5) لوزارة الطاقة صلاحية الترخيص للأشغال التي “قد تتسبب بأخطار تتعلق بالصحة والسلامة العامتين أو تعيق جريان المياه أو تقلل الموارد المائية أو تزيد بشكل ملحوظ في مخاطر الفيضانات أو تلحق ضرراً بنوعية البيئة المائية أو بالتنوع الحياتي في الوسط المائي”، في حين أنه ليس لها إعطاء أي ترخيص في القانون الحالي. إلا أنه تجدر الإشارة إلى أنه تمّ حذف المادة المتعلقة بنظام التصاريح (المادة 40 من القانون الحالي) عن التجهيزات والمنشآت والأشغال والأعمال التي لا يكون لها حجم مخاطر موازٍ لتلك التي تستوجب الترخيص.

ويمنح المقترح الوزارة والمؤسسات العامة الإستثمارية للمياه المختصة صلاحية اتخاذ كل أو بعض التدابير الإدارية التالية بحق مسبب الضرر، وهي: 1) منع نشاط معين يسبب أخطار جسيمة للنظم البيئية المائية أو منع متابعة تنفيذ هذا النشاط؛ 2) تنفيذ أعمال الإصلاح كإزالة التلوث وصيانة الأماكن على نفقة مسبب الضرر؛3) فرض الإلزامات الإدارية والفنية والغرامات؛ 4) كل تدبير يهدف للوقاية أو الحد من كل ضرر يصيب النظم البيئية المائية”(مادة 27 سابقاً و25 الحالية).

كما يوضّح المقترح أن موظفي وزارة الطاقة والمياه والمؤسسات العامة الإستثمارية  للمياه يشكّلون الضابطة العدلية في ما يتعلق بضبط المخالفات الناشئة عن تطبيق القانون، وأن لهم الاستعانة بقوى الأمن تحت إشراف النيابة العامة المختصة عند الحاجة.

كما يعمد المقترح إلى التوضيح بأن الصلاحية تعود لوزير الطاقة باتخاذ التدابير الوقائية الضرورية لتأمين إدارة مستدامة للمياه، كما اتخاذ، عند وجود عجز مائي، قرار باخضاع بعض فئات الاستخدامات للمياه إلى تدابير معينة قد تشمل التعليق المؤقت للحقوق المكتسبة على المياه أو تخفيض كميات المياه موضوع هذه الحقوق (مادة 88 مقترح تعديلي). غير أنه تمّ حذف ضرورة أن تتّخذ هذه التدابير بالتشاور مع السلطات العامة والجمعيات النقابية للمالكين والفعاليات الاجتماعية والاقتصادية وجمعيات حماية البيئة والمستهلك، والإبقاء فقط على استشارة المؤسسات العامة الاستثمارية للمياه (مادة 94 الحالية).

كما وضّح المقترح أنه تحدّد دقائق تطبيق المادة المتعلقة ب”حقوق الانتفاع التقليدية” بموجب مرسوم بناء على إقتراح وزير الطاقة والمياه.

أخيرا، يعمد المقترح إلى تقييد صلاحية الوزارة في ما خص تحديد الحالات التي يجوز فيها للدولة اللبنانية أن تضع يدها على حقوق الإنتفاع بحيث أصبحت تحدد بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء بناء على إقتراحه (مادة 37 الحالية). كما منحت المؤسسات العامة الاستثمارية للمياه صلاحية إقرار بدلات الخدمات العامة للمياه وليس فقط إقتراحها (مادة 45 مقترح تعديلي).

4- تقييد حرية إنشاء جمعيات مستخدمي مياه الري

يعمد المقترح إلى تقييد حرية إنشاء جمعيات مستخدمي مياه الري وأيضا إلى حذف مبدأ تمتّعها بشخصية معنوية مستقلة. فهذه الجمعيات تنشأ وفق المقترح “بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء بناء على إقتراح وزير الطاقة المستند إلى طلب المؤسسة العامة الإستثمارية للمياه المعنية، على أن تضم هيئتها الإدارية ممثلاً عن المؤسسة العامة الإستثمارية للمياه المعنية. يشترط في جمعيات مستخدمي مياه الري أن لا تبغي الربح، وأن يكون منتسبا إليها 65% على الأقل من المستفيدين من مصدر مائي محدد، يمثلون على الأقل 51% من مساحة المنطقة الجغرافية المستفيدة” (مادة 78 من القانون الحالي و75 مقترح تعديلي).

كما يلغي المقترح المواد المتعلقة ب”الأهداف الرئيسية لإنشاء جمعيات الري”(مادة 81 من القانون الحالي)، ومن النشاطات التي لها ممارستها تأمين استدامتها المادية. فيحذف المقترح من القانون قيام الجمعية ب”استرداد الكلفة وتوفير امكانية الإستدامة المالية والإستمرار، وتوجب أن يتمّ تحديد البدلات، بحيث توفر المصادر المالية المناسبة واللازمة لتمكينها من القيام بكافة موجباتها ومسؤولياتها، على أن تبذل كافة الجهود المعقولة لضمان تحصيل هذه البدلات. تعمل الجمعية على تحديد بدلاتها في ضوء المتوجبات والأعباء والمصاريف المترتبة عن نشاطها، ولا سيما البدلات المتوجبة للمصلحة أو للمؤسسة العامة المعنية” (مادة 80 من القانون الحالي).

كما يلغي المقترح المواد المتعلّقة بإنشاء إتحاد جمعيات مستخدمي مياه الري (مادة 82 من القانون الحالي)، الذي يسمح بحسب القانون الحالي بالتنسيق بين جمعيتين أو أكثر.

5- تعديلات أخرى

يعمد المقترح إلى إجراء تعديلات أخرى هامة، نشير إلى أبرزها وهي التالية:

  • يعمد المقترح إلى تمديد مهلة تسوية أوضاع الآبار المحفورة (من سنة إلى سنتين) مع التفريق بين تلك المحفورة دون ترخيص من الوزارة أو المحفورة قانونا وتلك المحفورة بموجب حق إنتفاع. وللتذكير، يكتفي القانون (المادة 38) بالنسبة للآبار غير القانونية – ومعلوم أن أعدادها أضعاف الآبار القانونية – بإلزام أصحابها التقدم إلى وزارة الطاقة والمياه لتسوية أوضاعهم في مهلة أقصاها سنة من تاريخ نفاذ القانون، من دون وضع أية موجبات مالية أو غيرها عليهم.
  • يعتمد المقترح الحد الأدنى للأجور لدى إحتساب الغرامات وليس مبالغ محددة كما في القانون الحالي. كما يحذف المواد المتعلقة بإمكانية المصالحة والتخفيضات على الغرامات.
  • يقوم المقترح بحذف “الصرف الصحي، أي تصريف المياه المبتذلة ومعالجتها” من تعريف الحق بالمياه وعناصره (المادة 2 الحالية)، والذي يعتبر “أحد عناصر الحق بالمياه” في الصيغة الحالية.
  • يمنع المقترح بيع مياه الأمطار التي يتم تجميعها وتخزينها من الغير، رغم اعتبارها مياهاً غير عمومية. (مادة 9).
  • كما يعمد المقترح إلى حذف بعض التعريفات وتعديل وإضافة بعضها الآخر، كما إلى إجراء بعض التصحيحات اللغوية، وتبديل تراتب بعض المواد، وإلغاء التعابير باللغة الفرنسية من القانون.

بدأت دراسته في 1 نيسان 2019[1]

أي بتاريخ 21 أيار 2018[2]

بالصيغة المقرة في فرعية اللجان [3]

البيئة، الصناعة، الزراعة، الصحة العامة والسياحة [4]

مدير عام الموارد المائية والكهربائية، مدير عام الاستثمار [5]

انشر المقال

متوفر خلال:

غير مصنف



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *