اقتراح لتشريع فئة الأساتذة “المُستعان بهم”:هاجس إسقاط حظر التوظيف


2023-01-18    |   

اقتراح لتشريع فئة الأساتذة “المُستعان بهم”:هاجس إسقاط حظر التوظيف

قدّم عضو كتلة اللقاء الديمقراطي النائب بلال عبدالله بتاريخ 19/9/2022 اقتراح قانون يرمي إلى تعديل المادة 80 من قانون الموازنة العامة والموازنات الملحقة للعام 2019، مفاده السماح ب “التعاقد” مع “الأساتذة المستعان بهم” في التعليم الثانوي منذ العام 2014. للتذكير، تنصّ المادة 80 المذكورة على الحدّ من التوظيف في القطاع العام كما من التعاقد، إلى حين إنهاء عملية مسح كل الإدارات العامة. وكانت قُدّمت عدة اقتراحات لتعدّل المادة 80 لجهة توسيع الاستثناءات (متعلّقة بالتعليم، أو بالبلديات). لكن اقتراح النائب عبدالله يتميّز أنه الأوّل الذي يقدّم بعد تاريخ إنجاز المسح الوظيفي، المنجز من مجلس الخدمة المدنية بتاريخ 31/08/2022.

وقد برّر عبدالله تقديم الاقتراح وفق ما يظهر من أسبابه الموجبة بعوامل عدّة، منها (1) توقّف الدول المانحة عن دفع مستحقات الأساتذة المستعان بهم في التعليم الثانوي، (2) الحاجة إلى الكادر التعليمي في ثانويات التعليم الرسمي، (3) والحرص على مستقبل الثانوية الرسمية وعلى مستوى الشهادة الرسمية وتأثيراته السلبية على مستقبل “أبنائنا”.وكانت اللجنة المركزية لمتابعة ملفّ فائض الناجحين في مباراة مجلس الخدمة المدنية لوظيفة أستاذ أصدرت ردًّا في اليوم نفسه، معبّرةً (1) عن غياب الحاجة إلى هذا القانون كون المادة 80 علّقت التوظيف على شرط إتمام المسح الذي أنجز، و(2) عن أحقية ملء الشغور في الثانويات الرسمية عبر فائض الناجحين في مباريات مجلس الخدمة المدنية حصرا، بعدما تمّ حفظ حقهم بالتعيين من خلال الفقرة الثالثة في المادة 80 المقترح تعديلها.

وقبل إبداء ملاحظاتنا على الاقتراح، لا بدّ من التوقّف عند مفهوم “المُستعان بهم”. تمّ استحداث هذا المفهوم في معرض توصيف أوضاع المعلّمين الذين تولّوا مهامّ تعليم الطلاب السوريين في الدوام المسائي بتمويل دوليّ. وقد توسع استخدامه بقرار من وزير التربية السابق الياس بو صعب لتشمل الذين دخلوا إلى التعليم في الدوام الصباحي في العام 2014 بناء على مقابلات شفهية لمواجهة “الحالة المؤقتة” حسب تعبيره حينها. ويلحظ أنّ استحداث هذه الصّفة تمّ آنذاك لتجاوز غياب الاعتمادات الكافية في وزارة التربية، فأُدرجت أسماؤهم مع المدرسين الذين يعلّمون تلامذة سوريين بعد الظهر، وأصبحت مستحقاتهم تأتي إمّا على شكل منح من الدول الخارجية أو من صناديق المدارس والأهالي والبلديات بدلاً من أن تأتي من موازنة ​الدولة اللبنانية​. ومثلما هو متوقّع، هذه الحالة المؤقتة دامت لثماني سنوات حتى الآن، وبدأت المراسيم  تثبت هذه الصفة اللا قانونية، وكأنّ هذه الفئة تعدّت الأمر الواقع لتصبح مكرّسة في نصوص، أبرزها: المرسوم 9189  الصادر بتاريخ 18/05/2022 الذي أضاف صراحةً فئة المستعان بهم على الفئات التي يحق لها المشاركة في مراقبة الامتحانات الخطية والتدقيق فيها وتصحيحها (بعدما كانت محصورة بأفراد الملاك، أو المتعاقدين  للتدريس بالساعة في المدارس وفي الثانويات الرسمية الذين يكون قد انقضى على التعاقد معهم ثلاث سنوات دراسية على الأقل). وقد حذّر مجلس الخدمة المدنية من ذلك في كتابه آنذاك، موصيًا بعدم جواز عقد صفقات للاستعانة بأي طريقة إلا للقيام بأعمال جسدية وليس للقيام بمراكز ووظائف ملحوظة في الملاك ذلك أنّ الاستعانة بيد عاملة وفق ما يحصل “يخفي استخداما مقنعا له طابع الاستمرار ولا يكون ظرفيا ولا ينتهي بانتهاء المهمة الموكلة إلى شاغلها (…) بما يخالف أصول التعيين والاستخدام المقررة بموجب أحكام قانونية إضافة إلى أنه يؤدي إلى مطالبات من المستعان بهم ومن مقدمي الخدمات للدخول إلى القطاع العام كما حصل مع عمال غبّ الطلب وجباة الإكراء في مؤسسة كهرباء لبنان[1]“. وكان مجلس الخدمة المدنية قد حدد في المسح الشامل الذي أجراه عدد المستعان بهم في التعليم الثانوي ب 752 أستاذ، علما أن (545) منهم تسدّد أجورهم من هبات الدول المانحة و(207) منهم من صناديق المدارس والأهالي والبلديات[2].

وعلى ضوء هذه المعطيات، جاز إبداء الملاحظات الآتية: 

1.     هل ما يزال حظر التوظيف ساريا؟

بالعودة إلى المادة 80 من الموازنة العامة لسنة 2019، نلحظ أنه تمّ إلزام الحكومة أوّلًا بإجراء مسح وظيفي شامل، وثانيًا بوضع “رؤية متكاملة عصرية” للتوظيف والتعاقد في الإدارات والمؤسسات العامة. لكنّ المادة علّقت وقف التوظيف على أشكاله بشرط إتمام المسح حصرًا، لا بشرط وضع الرؤية المتكاملة[3]. وعليه، يتأتّى عن ذلك أن هذا الحظر قد سقط بعدما أنجز مجلس الخدمة المدنية المسح الوظيفي بتاريخ 31/08/2022. هذا ما يؤكّده مجلس الخدمة المدنية في كتابه[4]، كما يؤكّده بيان اللجنة المركزية لمتابعة ملفّ فائض الناجحين المشار إليه أعلاه.

2. اقتراح يطبّع مع آليتي الاستعانة والتعاقد

كما سبق بيانه، برز مفهوم “المستعان بهم” في الدوام الصباحي بشكل غير قانوني ولمدّة مؤقتة في 2014 مثلما بيّنا أعلاه. وعلى الرغم من نية الاقتراح بمعالجة وضعية هؤلاء، إلّا أنّه فعليًّا يشرّع “الاستعانة” كآلية توظيف ويطبّع معها بحجة توقف الدول المانحة عن تسديد رواتبهم (وهي حجة أصلا غير صحيحة طالما أن 207 منهم يتقاضون أصلا أجورهم من صناديق المدارس والبلديات كما سبق بيانه). وليس أدلّ على ذلك أن الاقتراح يكتفي بتعداد الأسباب العملية لنشوء هذه الفئة من دون أي إشارة إلى عدم قانونية أوضاعهم. وما يزيد من قابلية هذا الأمر للانتقاد هو أن الاقتراح يطبّع أيضا  مع آلية التعاقد في التوظيف من خلال استبدال “الاستعانة” بالتعاقد، جاعلا إياه الآلية العادية للتوظيف فيما يفترض أن تكون الاستثناء.

ولإدراك خطورة هذا التطبيع، يذكر أنّ نسبة الموظفين الدائمين انخفضت من 90% من العاملين في القطاع العام في أواخر القرن الماضي إلى 40% في عام 2021 حسبما يظهر في المسح الوظيفي الذي أجراه مجلس الخدمة المدنية. وقد تمّ ذلك بفعل تعميم آلية التعاقد الرضائي لمدة محددة بدلا عن التوظيف في ملاك الإدارات العامة. ف”التعاقد” الذي بات يعرف ب “الخط العسكري” لدخول الوظيفة العامة يلقى انتقادات عدّة: (1) لجهة تعزيز آليات التوظيف التي لا تضمن الكفاءة والمساواة بين جميع المواطنين، إذ إنّ المتعاقدين لا يخضعون لشرط المباراة خلافا للمادتين 12 و95 من الدستور اللتين تفرضان التقيد بالكفاءة في كلّ حين، (2) لجهة هشاشة التعاقد وهشاشة المتعاقدين لجهة أوضاعهم الشخصية، حيث لا يستفيدون من ضمانات الوظيفة العامة، (3) لجهة تعزيز المحسوبية السياسية حيث أن التعيينات تتمّ رضائيا. وهذا يحول المرفق العام إلى امتداد لذراع السلطة السياسية فضلا عن أنه يعزز الزبونية، (4) ولجهة جعل الحقوق التي يضمنها المرفق العام حقوقًا مختلّة بفعل تراجع المرفق العام والكفاءة والتسييس.

3. مرآب “تحصين مستوى الشهادة الرسمية”

تشير النية المعلنة من  الخطوة المقترحة (التعاقد مع المستعان بهم) أنّ الهدف هو تحصين مستوى الشهادة الرسمية والحفاظ على مستقبل الثانوية الرسمية والشباب. لن نتوسّع في العوامل العديدة التي تؤثر سلبًا على الشهادة الرسمية وعلى عملية التعليم إن كان لجهة الطلاب وذويهم في عدم قدرتهم على تحمّل الأعباء الحياتية من النقل إلى الأكل كي يتسنى لهم التعلم، ولا عن وضع المدارس العامة. ولكن نلفت النظر إلى وضع المعلّمين، المتعاقدين أو الداخلين منهم في الملاك الذين يشكون رداءة الوضع بعد فقدان رواتبهم قيمتها ما دفع العديد منهم إلى ترك الوظيفة أو الهجرة، أو إلى اضطرارهم للقيام بأعمال أخرى، وعدم قدرتهم على الوصول إلى المدارس. كل هذه الوقائع  تؤثر سلبًا على قدرتهم على إنجاز مهامهم التعليمية فلا يبقى أمامهم سوى مواصلة تحرّكاتهم  وإضراباتهم التي تعيق بدورها إنجاز السنة التعليمية حسب الأصول.

وعليه، تتجسّد مطالبهم الأساسية بتصحيح الرواتب وإعطاء حوافز للأساتذة والمعلمين (130 دولاراً)حسب ما وعد به وزير التربية. ولكنّهم حتّى الآن، لم يحصلوا إلّأ على بدل النقل المتراكم عن العام الماضي ومساعدة اجتماعية عن شهر واحد من العام الماضي، وصرّح وزير التربية  في 5 كانون الثاني 2023 أنّه لن يستطيع تأمينها.

من هنا، يظهر جليًّا أنّ خطوة التعاقد مع المستعان بهم غير كفيلة بحماية مستوى التعليم الرسمي، فبسبب الأوضاع، حتى المعلمون المتعاقدون أو الداخلون في الملاك، غير محصنين وغير قادرين على تأدية دورهم التعليمي بما يتناسب مع الحفاظ على مستوى التعليم الرسمي.

أضف إلى ذلك القرارات المتناقضة بشأن التعليم التي أتت لتخفف عن الأساتذة عبء التنقّل بما انّ الراتب لا يكفي. نذكر مثلًا قرار وزير التربية والتعليم العالي رقم 723/2022 حول “تنظيم توزيع أيام وحصص التدريس للعام الدراسي 2022/2023 في المدارس والثانويات الرسمية”، الذي حدد العام الدراسي بـ 32 أسبوعاً وخفف المنهج بحجّة الحشو، فيما كان الهدف غير المعلن خفض رواتب المتعاقدين عبر إلغاء 35% من ساعاتهم، وأيضاً خفض 30% من قيمة بدل نقل أساتذة الملاك.

كما انّ هذا القرار خفف النصاب القانوني لأساتذة الثانوي الداخلين في الملاك من 20 ساعة سابقًا إلى 18 ساعة.

إذا كانت “الحاجة متزايدة بالنسبة للكادر التعليمي” (كما ذكرت الأسباب الموجبة)، كيف يُخفف عدد الساعات المطلوبة من المعلمين؟ وهل يجوز تبرير عدم قدرة الدولة على تأمين تحسين شروط العمل والحياة للموظفين، عبر تخفيف ساعات عملهم (أي موجباتهم)، بدل تعزيز حقوقهم؟

4. التجاذب المستمر بين الدولة اللبنانية والجهات الدولية في مسألة تعليم السوريين

أخيرا، يلفت مصدر تربوي نظر المفكّرة القانونية إلى أنّ الدافع الفعلي للاقتراح يعود إلى أنباء في أوّل العام الدراسي عن ضغط من قبل الدول المانحة التي رفضت دفع رواتب المستعان بهم في التعليم الثانوي للدوام الصباحي بعدما رفضت الدولة اللبنانية الخضوع لطلبها بشأن دمج الطلاب السوريين في المرحلة الثانوية مع الطلاب اللبنانيين في دوام واحد. لكن حتى اللحظة، لم يصدر أي قرار فعلي بهذا الاتجاه، علما أن الدول المانحة ما تزال تواصل على دفع المستحقات. ورغم انّ الاقتراح لا يشير بتاتًا إلى مسألة حسن تعليم السوريين، إلّا أنّ نتائج الدراسات تشير إلى أنّه وبالرغم من المبالغ الطائلة المصروفة، يبقى معظم اللاجئين من دون تعليم مناسب ما يهدد جيلًا بأكمله.


[1] ص. 11 تقرير مجلس الخدمة المدنية

[2] ص.44 تقرير مجلس الخدمة المدنية

[3]  المادة 80 تاريخ بدء العمل: 31/07/2019

“تلتزم الحكومة بإجراء مسح وظيفي شامل في إدارات الدولة كافة، ومؤسساتها العامة ومصالحها وصناديقها المستقلة ومجالس الإدارات والمجالس وكل المؤسسات والمسميات التي تمول جزئياً أو كلياً من الدولة، ومسح الملاكات المشغولة والشاغرة، ووضع رؤية متكاملة عصرية بالتعاون مع مؤسسات استشارية متخصصة ومؤسسات الدولة العامة التي تعنى بشؤون الموظفين (مجلس الخدمة المدنية، والتفتيش المركزي) على أن تبلغ نسخة عنه للمجلس النيابي.

خلافاً لأي نص آخر، وإلى حين انتهاء عملية المسح المذكورة أعلاه، توقّف جميع حالات التوظيف والتعاقد الجديد في الإدارات والمؤسسات العامة بما فيها القطاع التعليمي والعسكري والأمني بمختلف تسمياته واختصاصاته تحت التسميات كافة: تعاقد، مياوم، شراء خدمات، (باستثناء الإنفاق ضمن حدود الاعتمادات المخصصة لكل إدارة والعقود التي تجدّد سنوياً) أو ما شابه في القطاع العام بما فيها عملية التطويع بدل المحالين على التقاعد.”

[4] ص. 2 تقرير مجلس الخدمة المدنية

انشر المقال

متوفر من خلال:

لبنان ، مقالات ، المرصد البرلماني ، البرلمان ، إقتراح قانون ، الحق في التعليم



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية