قانون لإعفاء مصنّعي لقاح كوفيد 19 من المسؤولية: مخاطر حيال تعميم اللامسؤولية وحرمان المتضرّرين من تعويض عادل

قانون لإعفاء مصنّعي لقاح كوفيد 19 من المسؤولية: مخاطر حيال تعميم اللامسؤولية وحرمان المتضرّرين من تعويض عادل
(وكالة الصحافة الفرنسية)

صدّق البرلمان قانون “تنظيم الاستخدام المُستجدّ للمُنتجات الطبية لمكافحة جائحة كورونا Covid-19” (رقم 211) في جلسة برلمانية انعقدت في 15/1/2021 خصّيصاً لهذه الغاية. وقد تمّت صياغة هذا القانون وإقراره على عجل استجابةً لشروط شركة “فايزر” الأميركية بإعفائها من المسؤولية على خلفية أي عوارض تتّصل باستخدام اللقاح الذي صنّعته كونه لا يزال في مرحلة الاستخدام الطارئ.

وكانت شركة فايزر وشريكتها “بايونتك” الألمانية قد حصلت على “تصريح الاستخدام الطارئ” Emergency Use Authorization (EUA) من إدارة الغذاء والدواء الأميركية FDA بعدما أنهت تجاربها السريرية التي أظهرت فعالية بنسبة 95% للّقاح.

وبالطبع، يجد مبدأ التشريع ما يبرّره بأنّه ليس بوسع الشركات المصنّعة تحت ضغط العجلة أن تتحمّل الكلفة المادية الباهظة التي ستنتج عن مطالبتها بتعويضات في حال بروز أيّ خلل فيه، ولا سيّما أنّ التشريع اللبناني لا يتضمّن قوانين تلحظ الاستخدام الطارئ للأدوية أو اللقاحات بل على العكس يؤكّد على المسؤولية الكاملة للشركات المصنّعة له (القانون رقم 530 المتعلّق بشروط تسجيل واستيراد وتسويق وتصنيف الأدوية في لبنان). إلّا أنّ الخيارات والتفاصيل التي تمّ تضمينها في القانون تبقى قابلة للانتقاد، سواء بما يتّصل بتعميم رفع المسؤولية تحت غطاء إعفاء الشركة المصنّعة من المسؤولية أو بما يتّصل بحق المصابين بعوارض اللقاح بالتعويض.

تعميم رفع المسؤولية تحت غطاء إعفاء الشركة المصنّعة من المسؤولية

لا يكتفي الاقتراح بمنع ملاحقة الشركات المصنّعة للقاح كورونا على خلفية الأعراض التي قد تصيب مستخدميه، إنّما يعمّم رفع المسؤولية ليشمل “كلّ من له دور في تطوير، تسويق أو استخدام اللقاح” وذلك لمدّة سنتين من نفاذ القانون، مع بعض الاستثناءات على منع الملاحقة هذا. وهذا الأمر يستدعي الملاحظات الآتية:

1. على عكس المسودّة الأولى للاقتراح التي تناولت حالة الاستخدام الطارئ للأدوية واللقاحات بشكل عامّ (“في حالات الأوبئة والأمراض السارية والمعدية الجائحة وحالات التسمّم الكيميائي والنووي”)، جاء القانون في صيغته النهائية لينظّم الاستخدام المستجدّ للمنتجات الطبية المتعلّقة حصراً بجائحة كوفيد-19.

2. كرّس القانون مبدأ عدم جواز ملاحقة مقدّمي الرعاية الصحية في لبنان (أطباء وصيادلة وممرضين والمؤسّسات الاستشفائية والعاملين في القطاع الصحي) بالإضافة إلى مصنّع المُنتج الطبّي، وحامل شهادة التسويق والموزّع. وقد تم استبدال “الإعفاء الحكمي من المسؤولية الذي يمنع ترتيب أي تبعات قانونية”، بـ “منع الملاحقة (…) جرّاء تطوير أو إدارة أو استعمال أيّ منتج للعلاج الطبي في إطار جائحة كورونا”. ومؤدّى ذلك هو إسقاط أي دعوى أو شكوى في هذا الشأن شكلاً.

3. شمل تعريف القانون لـ”تطوير أو إدارة أو استعمال أي منتج للعلاج الطبي” كلّ المراحل التي تتعلّق بالمنتج الطبّي، بما فيها عملية النقل والتخزين والتوضيب. أي أنّ الضرر الناجم عن النقل أو التخزين أو التوضيب أو وصف المنتج من قبل طبيب أو مختصّ يقع تحت غطاء منع الملاحقة، وهو ما لا يبدو مبرّراً على الإطلاق.

ومن الملفت هنا أنّ القانون سمح صراحة للقطاع الخاص بتطوير وإدارة واستعمال أي منتج للعلاج الطبي في حال جائحة كورونا، على أن يبقى ذلك خاضعاً لترخيص وزير الصحة وفقاً للأصول ذات الصلة بالاستخدام الطارئ. وبفعل غياب أيّ قانون يشرّع وينظّم أصول الاستخدام الطارئ هذه في لبنان، يمنح القانون وزير الصحة صلاحية واسعة جداً في الترخيص لأيّ منتج مرتبط “بالعلاج الطبي في حالة جائحة كورونا” مع كل ما يستتبع ذلك من رفع للمسؤولية عن سلسلة طويلة من منتجيه وصولاً إلى موزّعيه.

4. استثنى القانون من مبدأ عدم الملاحقة حصول “وفاة أو إصابة بالغة سببها المباشر سوء سلوك قصدي”، مستخدماً تعريفات تضيّق أكثر من إطار إمكانية الملاحقة ممّا يجعلها مستعصية على التطبيق. وقد اعتمد القانون تعريفاً ضيّقاً “للإصابة البليغة”، كتلك التي تهدّد الحياة أو تتطلّب عملية جراحية لمنع تعطّل إحدى وظائف الجسم بشكل دائم أو التي ينتج عنها ضرر دائم لأي تركيبة من الجسم. ومؤدّى ذلك التشدّد في إمكانية الملاحقة كون التثبّت من حدوث “إصابة بليغة” أحد الشروط التي يجب توافرها من أجل إعمال الاستثناء الذي يجيز هذه الملاحقة.

أما بشأن تعريف “سوء السلوك القصدي” فقد عرّفه القانون كأيّ عمل أو إغفال يُقدِم عليه : (أ) قصداً بنيّة تحقيق هدف غير مشروع؛ (ب) عن علم وبغياب أيّ مبرّر قانوني أو واقعي؛ (ج) بتجاهل خطر معروف أو واضح يكون كبيراً لدرجة يصبح معه مرجّحاً بشكل كبير أن يتخطّى الضرر الفائدة المرجوة.

ومن غير المفهوم شمول منع الملاحقة حالات الخطأ المرتكب من قبل المصنّع أو مقدّمي الخدمات الطبيّة (خارج حالات ارتكاب سوء سلوك قصدي بتعريفه الضيّق المبيّن أعلاه)، حيث أنّ تبرير رفع مسؤولية المصنّعين ومقدّمي اللقاح يرتبط بالاستخدام الطارئ له، وهو ما يُعرف بـ [1]aléa thérapeutique من دون جواز توسيعه ليشمل حالات الخطأ القصدي.

ونتيجة ما تقدّم، يبدو المبدأ المعتمد هو اعفاء المصنّع (ومقدّمي الخدمات الصحية) بشكل واسع جداً من التبعية، مع حصر إمكانية الملاحقة عن الأضرار الناجمة عن استخدام اللقاح. في المقابل، يسجّل أنّ أنظمة أخرى اعتمدت سبلاً أخرى للحدّ من المخاطر التي تتحمّلها الشركات المصنّعة نتيجة للحالة الطارئة التي تسبّبت بها جائحة كوفيد-19. وهذا ما نستشفّه من الموقع الرسمي للاتحاد الأوروبي لجهة تضمين العقود المبرمة مع الشركة المصنّعة تعهّداً من الدول الأعضاء بتعويضها عن أيّ مسؤولية تكون قد تكبّدتها، نتيجة تحمّلها مخاطر جرّاء المهل القصيرة جداً في تطوير اللقاحات (12 شهراً عوض 10 سنوات)، في إطار الشروط الحصرية المحدّدة في هذه العقود، من دون أي تعديل في قواعد المسؤولية المنظّمة في “المسؤولية الناجمة عن المنتجات”. وبذلك، يبقى مثلاً عبء إثبات فعالية اللقاح وعدم تشكيله ضرراً على عاتق الشركة المصنّعة.

حق التعويض من دون معايير أو ضوابط

مقابل الإعفاء من المسؤولية وفق ما تقدّم، يحمّل القانون الدولة مسؤولية تعويض المستخدمين المصابين بعوارض. وأبرز الملاحظات التي يقتضي تقديمها هنا الآتية:

– أنشأ القانون لجنة “متخصّصة” وعلمية في وزارة الصحة مهمّتها تقييم وتحديد الأضرار الناتجة عن استعمال المنتج الطبي الخاص بجائحة كورونا، والبتّ في طلب التعويض في مهلة شهرين من وروده. وتحدّد اللجنة في كلّ ملف طبيعة الضرر وأسبابه ومقدار التعويض. ويفتح القانون إمكانية تقديم طعن في القرار أمام القضاء الإداري فقط في حالتَي عدم البتّ في الطلب ضمن المهلة المحدّدة أو رفضه “كلياً أو جزئياً”. وقد يظهر من النص أنّه يغلق الباب أمام أي طعن يتناول قيمة التعويض المقرّر، على نحو غير مبرّر.

وما يزيد من قابلية هذا الأمر للانتقاد هو أنّ القانون لم يحدّد الآلية والمعايير الموضوعية التي سيتمّ الاستناد إليها من أجل تقييم طبيعة الأضرار وأسبابها. كما لم يحدّد طبيعة الأضرار التي يمكن المطالبة بالتعويض عنها، فهل تشمل الأضرار المعنوية مثلاً؟ كما لم يحدّد أيّة آلية من أجل تحديد مقدار التعويض والمعايير التي ستُعتمد من أجل تقييم الأضرار، إنّما ترك الأمر لمراسيم تطبيقية تتّخذ في مهلة 3 أشهر من نفاذه.

– يرأس اللجنة المنشأة وفق القانون مدير من أصحاب الاختصاص في وزارة الصحّة، وهي نقطة أفضى النقاش البرلماني إلى تعديلها، حيث كان يترأس اللجنة مدير عام وزارة الصحّة في النسخة الأوليّة. وتضمّ اللجنة طبيبَيْن أخصائيَّين بالأمراض الجرثومية والوبائية يختارهما وزير الصحة وآخرين تسمّيهما نقابتا الأطباء في بيروت وطرابلس. وقد ألزم الاقتراح وزير الصحة العامّة بتأليف هذه اللجنة واستكمال الإجراءات اللوجستية والمادية والإدارية ذات الصلة بعملها ضمن مهلة شهر.

– في ما خصّ تمويل التعويضات، فقد اعتمد القانون نظاماً على مرحلتين: في المرحلة الأولى ولمدة سنة من تاريخ نفاذ القانون، يجري تمويل التعويضات من احتياطي الموازنة العامّة، على أن يصار في المرحلة الثانية إلى إنشاء صندوق مستقلّ خاص بالتعويضات في وزارة المالية، يُغذّى من مساهمات الدولة اللبنانية، وفرض نسبة 1% (في المسودّة الأساسية كانت 0.5%) على الجهة المستوردة من قيمة اللقاحات بحسب سعر الاستيراد (FOB) ومصادر تمويل أخرى مثل الهبات والتبرّعات.

ومن دواعي القلق هنا هو النظر إلى مآل الصناديق المنشأة بموجب قوانين أخرى خلال العشرية الماضية والتي لم تفعّل قط وبقيت فارغة، ومنها صندوق ضحايا الاتّجار بالبشر وصندوق مساعدة المستأجرين القدامى وصندوق مساعدة ضحايا العنف الأسري والصندوق المنشأ منذ أقل من شهر لضحايا التحرّش.

  1. Cyril Bloch et Philippe le Tourneau, “Procédure d’indemnisation de l’aléa thérapeutique et des infections nosocomiales”, Dalloz action Droit de la responsabilité et des contrats, livre 64, Chapitre 6423, 2021-2022.

انشر المقال

متوفر من خلال:

البرلمان ، الحق في الصحة ، الحق في الصحة والتعليم ، المرصد البرلماني ، تشريعات وقوانين ، جائحة كورونا ، حقوق المستهلك ، قطاع خاص ، لبنان ، مجلة ، مجلة لبنان



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *