اقتراح قانون جديد لتمديد المهل يسلك “الخط العسكري”: لبنان منطقة حرّة… من القانون


2021-01-15    |   

اقتراح قانون جديد لتمديد المهل يسلك “الخط العسكري”: لبنان منطقة حرّة… من القانون
(تصوير ماهر الخشن)

تمّ تعليق المهل القانونية والعقدية والقضائية بموجب قانوني 160 و185/2020 وذلك طوال 14 شهرا ونصف الشهر وهي الفترة الممتدة من 18 تشرين الأول 2019 حتى آخر 2020. وقد استُخدم تعليق المهل هذا لتعطيل جلسات المحاكم ومعه أعمال القضاء. لا بل استُخدم كأداة لوقف الاجراءات ضد المعتدين على الأملاك العامة البحرية بحجة أن المهلة التي مُنحت لهم لتقديم ملفّات معالجة لمُخالفاتهم الحاصلة منذ أكثر من عقدين ونصف، هي بحكم المعلقة ولم تنقضِ بعد. كما استُخدِم القانون لنسف انتخابات مجالس النقابات والهيئات على اختلافها بحجة أن مهل تقديم الترشيحات هي الأخرى معلّقة، وذلك في موازاة التمديد لجميع المجالس المنتخبة في النقابات المهنية وسواها.

وإذ انتهى هذا الوضع الشاذ في جلسة 21 كانون الأول 2020 حيث تمّ حصر تعليق المهل بمسائل محدودة، سُرعان ما عاد ليظهر خلال أقلّ من شهر على جدول أعمال الجلسة المقرّر إجراؤها اليوم في 15 كانون الثاني على خلفية اجراءات الإغلاق والحجر الصحي. وما يفاقم من خطورة هذا الكابوس هو أنّ الاقتراح الذي يُنتظر أن يناقشه المجلس النيابي غداً يأتي عن طريق الخطّ العسكري ولم يُنشر لاطلاع الرأي العام كما لم تُبلّغ نسخة عنه للنواب.

وعليه، يهمّ “المفكرة القانونية” أن تُنبّه الرأي العام إلى الأمور والمخاطر الآتية:

  • أن تعليق المهل أدّى في الكثير من الحالات إلى تطويل أمد الاعتداء على الحقوق من خلال تمكين المعتدين من تأخير محاكمتهم أو اتخاذ اجراءات ضدّهم، بفعل تعليق أعمال المحاكم. كما أدّى تبعا لذلك إلى تقويض ثقة المواطنين بامكانية الوصول إلى العدالة ضمن آجال معقولة، مما دفعهم إلى قبول أي تسوية تعرض عليهم وإن ترافقت مع تنازلهم عن جزء كبير من حقوقهم. وهذا ما شهدناه بشكل خاص في قضايا صرف الأجراء والتي طالت عشرات الآلاف منهم، وبخاصة أن تعويضات الصرف تحتسب على أساس العملة الوطنية التي يرجح أن تفقد قيمتها عند حصول أي تأخير في المحاكمات. وهكذا، وبدل تسريع المحاكمات العمالية وبخاصة في قضايا الصرف الجماعي منعا لتعسف أصحاب العمل وحماية لحق العمل، جاء قانونا تعليق المهل غير المدروسين ليدمرا حقوق هؤلاء تحت غطاء حفظها.
  • أن تعليق المهل أدّى عمليا ليس فقط إلى منع الانتخابات في العديد من الهيئات وفي مقدمتها النقابات المهنية والعمالية والاتحادات والنوادي والجمعيات بحجة تعليق “مهل الترشح”، بل أيضا إلى تمديد مجالسها المنتخبة سابقا (غالبها قبل 17 تشرين الأول 2019). وبذلك، جمّد القانون عدّاد أصوات الصناديق (الشعبية) على نحو حرّر أحزاب السلطة من مساءلة أعضاء هذه الهيئات على اختلافها وضمن لها استمرار هيمنتها عليها رغم كل التبدّل الحاصل في المزاج العام،
  • إن المعتدين المخضرمين على الأملاك البحرية منذ ما قبل 1994 (أي منذ ما يتعدى عقدين ونصف بأقل تقدير) نجحوا في إقناع السلطات العامة بأنهم هم أيضا يستفيدون من قانون تعليق المهل وتاليا بأن المهلة المعطاة لهم (والتي كان يفترض أنها انتهت في آخر تشرين الأول 2019) لمعالجة التعديات المرتكبة منهم قد علّقتْ هي أيضا. وبنتيجة ذلك، تمكن هؤلاء من الإستفادة من مهلة إضافية وصلت حتى الآن إلى 14 شهرا ونصف، ليتجاوز مجموع المهل الممنوحة لهم منذ صدور قانون رقم 64/2017 بإلزامهم بالمعالجة إلى ثلاث سنوات وشهرين. وقد تم كل ذلك على نقيض الحدّ الأدنى من المنطق القانوني، بفعل عدم الوضوح في صياغة قانوني تعليق المهل وعدم استثناء التعديات على الأملاك البحرية منه صراحة. فعدا أن الهدف الأساسي من قانون تعليق المهل هو حفظ الحقوق (المحمية قانونا) وليس تأبيد الإعتداء، فإن إشغال الأملاك البحرية لا يرتّب أصلا أيّ حقّ مكتسب محمي قانونا بحيث يكون للدولة في أي حين استرداد أملاكها العامة لارتباطها بالمنفعة العامة سندا للقرار 144/1925 الصادر في فترة الانتداب.

وانطلاقا من الاعتبارات المذكورة أعلاه، يهمّ “المفكرة القانونية” تسجيل المواقف الآتية:

  • شجب المساعي لتمرير قوانين (أي قوانين) بالخط العسكري، أي من دون نشرها مسبقا أو تمكين الرأي العام من الاطلاع عليها، بالنظر لما يترتب عليها من مخاطر اجتماعية، وخاصة فيما يتصل بقانون تعليق المهل الذي هو بمثابة تعليق لنفاذ القانون وتنويم للمحاكم والقضاء،
  • وجوب إخضاع أي قانون لتعليق المهل، سواء لتحديد طول المدة أو طبيعة المهل التي يشملها، لمبدأي الضرورة والتناسب. فمن غير المقبول أو المبرّر أن ينص القانون على مهل طويلة جدا تتجاوز بكثير الفترات التي سادتها ظروف قاهرة أو ظروف يصعب تجاوزها كما حصل بموجب قانونيْ تعليق المهل الصادرين في سنة 2020. ففيما علّق هذان القانونان المهل لأربعة عشر شهرا ونصف، فإن الفترات التي توفرت فيها ظروف مماثلة (الإضرابات وتدابير الحجر الصحي والإغلاق) لم تتجاوزْ فعليا بضعة أسابيع. كما من غير المقبول أو المبرّر أن يؤدي قانون تعليق المهل إلى أضرار اجتماعية أكبر بكثير من المنافع المرجوة منه، قوامها تدمير الثقة بالقضاء وتأبيد الاعتداء والتعسف في استخدام السلطة وضمان الإفلات من العقاب فضلا عن منع الممارسة الديمقراطية. ومن هنا ضرورة أن ينص أي قانون لتعليق المهل على استثناء مجمل المهل التي يسبب تعليقها أضرارا أكبر من المنفعة المرجوة منها، وفي مقدمتها المهل المحددة لمعالجة الأملاك البحرية المعتدى عليها أو المهل الاجرائية في دعاوى العمل أو الجرائم الخطيرة أو مهل الترشح للاستحقاقات الانتخابية على اختلافها.
  • ختاما، تأسف “المفكرة” إلى اهتمام النواب المبالغ به بتعليق المهل على النحو المضرّ الذي تقدم، مقابل اهتمام متدنّ بتعليق موجبات الفئات الأكثر تضررا بفعل الانهيار الاقتصادي. فرغم مطالباتنا المتكررة، انحصر اهتمام مجلس النواب في هذا الخصوص بتعليق استحقاقات بعض القروض من دون أي التفاتة للإيجارات السكنية وغير السكنية منها والبدلات التي تترتب عليها، وكلها أمور يفرضها الحدّ الأدنى من التضامن الاجتماعي بنتيجة الانهيار الاقتصادي. ولعل خير شاهد على فقدان النواب للبوصلة هو تجرؤهم على استثناء المهل المحددة في قوانين الإيجارات القديمة من قانون تعليق المهل، بما يعرّض حقوق المستأجرين القدامى بالسكن للخطر. فهل يعقل أن يستثنى المستأجر القديم من تعليق المهل مقابل منحه للمعتدين على الأملاك البحرية؟

 

انشر المقال

متوفر من خلال:

أملاك عامة ، اقتصاد وصناعة وزراعة ، البرلمان ، المرصد البرلماني ، بيئة وتنظيم مدني وسكن ، بيئة ومدينة ، تشريعات وقوانين ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، قطاع خاص ، لبنان



لتعليقاتكم