اقتراح ثالث لضمان “الميثاقية” في انتخابات بيروت: الوفاق المتخيّل لا يصنع عرفًا دستوريًا


2023-03-15    |   

اقتراح ثالث لضمان “الميثاقية” في انتخابات بيروت: الوفاق المتخيّل لا يصنع عرفًا دستوريًا

تقدّم النواب نقولا صحناوي، سيزار أبي خليل وإدكار طرابلسي من تكتّل لبنان القويّ باقتراح قانون معجّل مكرّر بتاريخ 27 شباط 2023، يرمي إلى تعديل قانون البلديات (المرسوم الاشتراعي رقم 118 تاريخ 30/6/1977)، بحيث يتمّ انتخاب أعضاء المجلس البلدي في بيروت على أساس تقسيم الدوائر المعتمد لانتخاب أعضاء مجلس النواب في بيروت “وذلك بالتساوي بين الدوائر”.

وينص الجدول الملحق بقانون الانتخابات المعمول به حاليا (قانون رقم 44 تاريخ 17 حزيران 2017) على أن بيروت تقسّم إلى دائرتين انتخابيتين: دائرة بيروت الأولى التي تتألف من أحياء الأشرفية والرميل والمدور والصيفي، ودائرة بيروت الثانية التي تتألف من رأس بيروت ودار المريسة وميناء الحصن وزقاق البلاط والمزرعة والمصيطبة والمرفأ والباشورة. 

لا بدّ من التذكير هنا أن هذا الاقتراح يأتي في سياق مجموعة من الاقتراحات السابقة التي هدفت أيضا إلى تعديل طريقة انتخاب أعضاء مجلس بلدية بيروت تقدم به نواب ينتمون إلى كتل مسيحية من أجل ضمان المناصفة بين المسيحيين والمسلمين في بلدية بيروت بعد انسحاب الرئيس سعد الحريري من الحياة السياسية والذي كان يسير على نهج والده رفيق الحريري بتشكيل لوائح تدين بالولاء له لكنها تحترم بالمقابل المناصفة شكليا. وكانت المفكرة القانونية قد علّقت على اقتراحيْ قانون، وهما تحديدا اقتراح سابق تقدّم به النواب ذاتهم واقتراح للنائب هاكوب تيرزيان وهي جميعها تنطلق من اعتبارات طائفية وتهدف بطريقة أو بأخرى إلى “تحرير” الصوت المسيحي من الأكثرية العددية للصوت المسلم عبر تقسيم بيروت إما إلى بلديتين أو إلى دوائر بلدية متعددة.

ولا شكّ أن الاقتراح الحالي هو محاولة جديدة للوصول إلى النتيجة ذاتها لكن عبر اتباع وسائل قانونية مختلفة إذ يتبين أن اعتماد التقسيم المنصوص عليها في قانون انتخاب أعضاء مجلس النواب يرتكز على وجود دائرة بأكثرية مسيحية (بيروت الأولى) ودائرة بأكثرية مسلمة (بيروت الثانية) ما يعني أن الصوت المسيحي في الدائرة الأولى سيتمكن بمفرده من تحديد الأعضاء الفائزين في الانتخابات. 

وينص الاقتراح بشكل مقتضب أن توزيع الأعضاء يتم بالتساوي بين الدائرتين ما يفهم منه أن أعضاء بلدية بيروت ال 24 سينتخبون مناصفة على أساس 12 عضوا يتم انتخابهم في كل دائرة. ومن الملاحظ أن هذا الاقتراح لا يضمن فعليا المناصفة بين المسيحيين والمسلمين كونه لا ينص صراحة على ضرورة توزيع المقاعد البلدية بالتساوي بين المسيحيين والمسلمين لكنه بجعله من بيروت الأولى دائرة قائمة بذاتها يمنح ناخبيها “المسيحيين” في غالبيتهم وزنا هاما في اختيار نصف أعضاء المجلس البلدي. ويجدر هنا التذكير بالتفاوت العددي بين ناخبي الدائرتين بما سيؤثر على الصفة التمثيلية للأعضاء المنتخبين في البلدية نفسها. ففي حين يبلغ عدد الناخبين في بيروت الأولى 131343 ناخباً يبلغ عدد الناخبين في الدائرة الثانية 346406 ناخباً، وفق إحصاءات المديرية العامة للأحوال الشخصية. ومؤدّى ذلك هو أن معدّل عدد الناخبين لكل عضو سيبلغ في حال إقرار هذا الاقتراح في بيروت الأولى 10945 ناخبا مقابل 28867 ناخبا في الدائرة الثانية.  

لكن فرادة الاقتراح لا تكمن فعليا في الأحكام الجديدة التي ينطوي عليها بل في أسبابه الموجبة التي هي في حقيقة الأمر “دراسة دستورية” تحاول الدفاع عن التمثيل الطائفي في البلدية بوصفه عنصرا من عناصر الهوية الدستورية اللبنانية. ويعتبر الاقتراح في أسبابه الموجبة أن “الميثاق الوطني يمثل أبهى ظواهر القومية اللبنانية وأبرز مصادر الشرعية والمشروعية وأساسا لكل القواعد الدستورية والقانونية كما وأساسا لقواعد تكوين السلطات، وأن كل خروج عنه يعتبر خروجا عن القواعد القانونية”.

وهكذا تكرس الأسباب الموجبة مبدأ الميثاقية الذي دخل في معجم السياسية اللبنانية بعد 2005 في أبهى حلله إذ لا تكتفي بتفسير هذا المفهوم بأنه يفرض المناصفة في بلدية بيروت، بل هي تعلن سموه أيضا على الدستور نفسه بحيث تصبح كل مؤسسات الدولة خاضعة له. وتستشهد الأسباب الموجبة بالفقرة “ي” من مقدمة الدستور التي تنص على أن “لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك” كي تصل إلى خلاصة مفادها أن الميثاقية تعني المناصفة، وأن المناصفة هي واجبة التطبيق في انتخابات بلدية بيروت وأن عدم احترام هذه المبادئ “يعرّض صدقية العملية الانتخابية للتشكيك”.

ولا شكّ أن الاقتراح لا يتوسّع فقط في تفسير الميثاقية بل هو يتّسم أيضا بالانتقائية والازدواجية إذ يستشهد بالفقرة “ي” من مقدمة الدستور جاعلا منها المدماك الذي يقوم عليه بناء الدولة برمته. لكنه يتجاهل عمدا بالمقابل الفقرة “ح” من المقدّمة ذاتها التي تنصّ على أن “إلغاء الطائفية السياسية هدف وطني يجب العمل على تحقيقه وفق خطة مرحليّة” بينما الممارسة السياسية لمختلف أركان السلطة تذهب نحو تكريس الاعتبارات الطائفية، التي تخفي في الحقيقة مصالح سلطوية، في كل مفاصل الدولة لا بل في ابتكار مفهوم جديد (الميثاقية) يؤدي في نهاية المطاف إلى التضحية بحقوق المواطنين والانتظام الطبيعي لعمل الدولة.

وتصل الأسباب الموجبة إلى ذروتها في “الخيال الدستوري” عبر اعتبار أنّ ثبوت تكرار الممارسة المقبولة من الجميع المتعلقة بالمناصفة في مختلف إدارات الدولة وسائر أشخاص القانون العام يشكل “عرفا” ما يحتم ضرورة احترام ضمان المناصفة بين المسيحيين والمسلمين في بلدية بيروت وإلا سيتمّ “المساس بصدقيّة العملية الانتخابية الأمر الذي يوجب إبطالها”.

ولا يشرح الاقتراح نوع العرف الذي يحتّم المناصفة في البلدية: هل هو عرف دستوري أو عرف قانوني عادي؟ فمن خلال إسهابه في الحديث عن الميثاقية وارتكازه إلى الفقرة “ي” من مقدمة الدستور، يمكن للقارئ أن يستنتج أن المقصود هو العرف الدستوري. لكن الأسباب الموجبة تشير لاحقا إلى ضرورة تكريس “العرف الإداري المتمثل بوجوب اعتماد المناصفة لانتخاب أعضاء المجلس البلدي”. 

من الملاحظ أن التناقض في تصنيف هذا “العرف” ناجم عن عدم فهم مقدّمي الاقتراح لطبيعة العرف القانونية. فالعرف لا يمكن تكريسه في نصّ قانوني طالما أن مجرد تكريسه يعني أنه لم يعد عرفا بل بات نصا قانونيا عاديا مثل أي نص قانوني آخر هذا في حال سلمنا جدلا أن هكذا عرفا هو موجود أصلا. وفي الحقيقة، بات يتم تقديم التوافقات السياسية بين أركان السلطة بوصفها أعرافا كي يتم فرضها على المجتمع عبر منحها غطاء قانونيا موضوعيا بينما هي في الحقيقة مجرد تقاسم للسلطة والنفوذ لا تلزم إلا من يرتضي بها، ولا يمكن لها بأي حال من الأحوال أن تصبح ملزمة لمؤسسات الدولة. 

والغريب أن هذا الاقتراح الذي يهدف إلى تحقيق المناصفة لا يضمن هذه الأخيرة كما مرّ معنا لأنه لا ينص صراحة على توزيع المقاعد بالتساوي بين المسيحيين والمسلمين أي أن الاقتراح يخالف في الحقيقة الأسباب الموجبة التي ينطلق هو منها. وبالتالي فإنه حتى لو نص القانون صراحة على مبدأ المناصفة فإن ذلك يمكن تعديله في أي وقت يرتئيه المشترع ولا يمكن فرض هذا المبدأ على المشترع إلا إذا اعتبرنا أنه عرف دستوري واجب التطبيق. لكن الإعلان عن وجود هكذا عرف دستوري لا يمكن أن يتمّ إلا من قبل المجلس الدستوري الذي، وفي معرض دراسته لطعن مقدّم بقانون يتعلق بالانتخابات البلدية في بيروت، سيحدد إذا ما كانت هذه المناصفة تدخل ضمن الأعراف الدستورية التي على القانون أن يحترمها أو لا. فالأعراف القانونية خلافا للأعراف الدستورية يمكن أن تعلن عن وجودها المحاكم العادية وهذه المحاكم تصبح ملزمة باحترام إرادة السلطة التشريعية في حال قررت إلغاء هذه الأعراف واستبدالها بأحكام قانونية وضعية، بينما الأعراف الدستورية لا تصبح ملزمة للمشترع فعليا إلا إذا أعلنت الجهة التي تتولى الرقابة على دستورية القوانين وجودها وأنها ستقوم بإبطال أي قانون لا يحترمها. 

وبما أن المجلس الدستوري في لبنان لم يحدّد بشكل دقيق ما هو المقصود بالميثاقية ولا هو أعلن وجود أي عرف دستوري يفرض المناصفة في بلدية بيروت، لذلك تكون الأسباب الموجبة لهذا الاقتراح تنطلق من فهم مغلوط للأعراف الدستورية، علما أن ذلك لا يمنع من تكريس المناصفة بقانون لكن المناصفة تكون في هذه الحالة مجرد نص قانوني عادي يمكن تعديله بأي وقت من قبل المشترع. وهذا ما تم بالفعل في الماضي إذ أن التمثيل الطائفي كان مكرسا في نص قانوني زمن الانتداب الفرنسي في المجالس البلدية ومن ثم تمّ إلغاء ذلك بعد الاستقلال مع تبنّي قانون البلديات الصادر في 27/11/1947.

وهكذا يتبين لنا أن الأسباب الموجبة لا يمكن لها التذرّع بأعراف دستوريّة غير موجودة كي تكرّس التمثيل الطائفي في المجالس البلدية كما لا يسعها اعتبار تأويلها الخاص للميثاقية المعيار الملزم ليس فقط لسائر الأطراف السياسية بل أيضا للمؤسسات الدستورية للدولة. فبدل الاختباء وراء مبادئ قانونية مجردة ومبهمة، كان على مقدّمي الاقتراح المطالبة صراحة بالمناصفة من دون التحايل على المبادئ الدستورية. وهي مطالبة، بغض النظر عن صوابيتها، تصب في خدمة خطابهم السياسي العلني الذي يتمحور حول الدفاع عن “حقوق المسيحيين” وتطويع كل النظام القانوني للدولة اللبناني من أجل خدمة هذا الهدف. 

يمكنكم هنا الاطلاع على نسخة من اقتراح القانون المعجّل المكرّر لتعديل قانون البلديات كاملة

انشر المقال



متوفر من خلال:

لبنان ، مقالات ، دستور وانتخابات ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، المرصد البرلماني ، البرلمان ، تشريعات وقوانين ، إقتراح قانون ، مرسوم



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية