اقتراح تعديل قانون التعذيب: إصلاحات لتفعيل المحاسبة لكن ماذا عن مرور الزمن الذي استفاد منه الفاخوري؟

اقتراح تعديل قانون التعذيب: إصلاحات لتفعيل المحاسبة لكن ماذا عن مرور الزمن الذي استفاد منه الفاخوري؟
معتقل الخيام

أعلن مكتب المجلس النيابي عن انعقاد جلسة تشريعية يوم 21/12/2020 بجدول أعمال يضمّ 70 بنداً. وتأتي الجلسة بعد أيام من الضجيج الحاصل رفضاً لاستدعاء رئيس حكومة تصريف الأعمال حسّان دياب وثلاثة وزراء سابقين (اثنان منهم نائبان حاليّان) للاستماع إليهم كمدّعى عليهم في ملفّ مجزرة المرفأ. كما تأتي بعد أسبوعين من إعلان شركة ألفاريز& مارسال فسخ العقد مع الدولة اللبنانية والمتصل بإجراء تدقيق جنائي في مصرف لبنان، بعد رفض هذا الأخير تزويدها بالعديد من المعلومات الضرورية للتحقيق بذريعة مخالفة هذا العقد لقانونَي النقد والتسليف والسرّية المصرفية. وبالطبع، تجري الجلسة من دون أيّ جديد في مشهد تخبّط لبنان في أزماته غير المسبوقة بخطورتها النقدية والمالية والاقتصادية والاجتماعية والتي أتت جائحة كورونا وانفجار 4 آب لتزيد من تداعياتها الجسيمة على المجتمع. فيبدو المشرّع ماضياً في تجاهل المخاطر المحدقة، حيث تغيب مرّة جديدة أيّ رؤية واضحة لديه لمعالجة الأزمات.

وفي إطار رصده لأعمال البرلمان، يقدّم هنا المرصد البرلماني – لبنان في “المفكرة القانونية” أبرز تعليقاته حول القوانين المقترحة والمفترض مناقشتها خلال جلساته، مرفقة بنسخة عنها لتمكين الرأي العام من الاطّلاع والتّعليق عليها. ونستعرض هنا اقتراح تعديل قانون معاقبة التعذيب (المحرّر).

في جلسته المقررة في 21/12/2020، يناقش مجلس النوّاب اقتراح القانون الرامي الى تعديل “قانون معاقبة التعذيب”. يتضمن هذا الاقتراح إصلاحات مهمة جداً من شأنها، في حال إقرارها، تفعيل المحاسبة في قضايا التعذيب، إلا أنه أبقى على قاعدة سقوط جرائم التعذيب بمرور الزمن العادي التي استفاد منها عامر الفاخوري للإفلات من العقاب.

يعالج الاقتراح الثغرات القانونية التي عطّلت تطبيق القانون رقم 65/2017 منذ صدوره قبل ثلاث سنوات ومنعت المباشرة بتحقيقات جدية في حالات التعذيب، كما حصل في قضايا حسن الضيقة وزياد عيتاني وإيزاك دغيم ومتظاهري 17 تشرين. ومن هذه الوجهة يشكّل الاقتراح، في حال إقرار بنوده الإصلاحية، مكسباً حقوقياً هاماً بعد سنوات من المعارك لضمان العدالة لضحايا التعذيب ومحاسبة المرتكبين من الأجهزة الأمنية، لا سيما بعد ارتفاعها رداً على انتفاضة 17 تشرين.

ومن أهم هذه البنود الإصلاحية: توسيع تعريف جريمة التعذيب لكي يتلاءم مع التعريف الدولي، وتكريس صلاحية القضاء العادي للنظر فيها بدلاً من القضاء العسكري، وتشديد العقوبات على نحو يجعل من التعذيب جناية مهما كانت نتائجه، بالإضافة إلى منع المرتكبين من التذّرع بأي تبرير أو حصانات وتعزيز حماية الضحايا. وقبل أن نبحث في هذه البنود الإصلاحية، نبدي بعض الملاحظات حول بعض أوجه قصور الاقتراح لا سيما لجهة رفض تعديل قواعد سقوط جرائم التعذيب بمرور الزمن.

ملاحظات حول قصور اقتراح القانون

 

  1. القصور في منهيجة مناقشة الإقتراح

قُدّم الاقتراح الأساسي من قبل النائب علي خريس (كتلة التنمية والتحرير) في 3/10/2019. وقد تمّت مناقشته وتعديله من قبل لجنتي الإدارة والعدل (برئاسة النائب جورج عدوان) وحقوق الإنسان (برئاسة النائب ميشال موسى) قبل إحالته الى الهيئة العامة لمجلس النوّاب. وفي هذا الإطار، نسجل الملاحظات الآتية:

 

  • ناقشت اللجنتان النيابيتان الاقتراح المقدّم من النائب خريس بشكل مستقل من دون أن تخرجا بمسودة مشتركة. وهو ما أدّى إلى إحالة اقتراحين منفصلين إلى الهيئة العامة لمجلس النوّاب، أحدهما أنجزته لجنة الإدارة والعدل (أقرّ في 21/1/2020) والثاني أنجزته لجنة حقوق الانسان (أقرّ في 13/2/2020). وفي حين اتفقت اللجنتان على أهم بنود الاقتراح لا سيما توسيع تعريف جريمة التعذيب وتكريس اختصاص القضاء العدلي ورفض تعديل قواعد مرور الزمن، إلا أن كلا منهما قدّمتا اقتراحات أخرى. ويخشى أن يؤثر ذلك على نوعية النقاشات في الهيئة العامة نظراً لضعف منهجية التشريع والنقاش في المجلس.
  • لم تشارك أيّ من نقابتي المحامين أو الهيئة الوطنية لحقوق الانسان (المتضمنة لجنة الوقاية من التعذيب) أو المنظمات المدنية ذات الإختصاص (كالتي تراقب تطبيق القانون أو تقدّم الدعم لضحايا التعذيب) في مناقشة الاقتراح خلال اجتماعات اللجنتين. وقد اقتصرت المشاركة في النقاش لدى لجنة الإداراة والعدل على الأجهزة الأمنية (ممثلين على وزارة الداخلية ومديرتي الأمن الداخلي والأمن العام) في حين شارك أيضاً ممثلون عن وزارتي الدفاع والعدل في النقاش لدى لجنة حقوق الانسان. وبغض النظر عن نتيجة هذه النقاشات ومواقف المشاركين فيها، تؤشر هذه المنهجية إلى تفضيل المقاربة الأمنية على المقاربة الحقوقية في مناقشة أحد أهم القوانين التي تهدف إلى حماية الناس من تعسّف الأجهزة الأمنية، وذلك رغم انتشار أعمال العنف والتعذيب في أداء العديد من الأجهزة الأمنية بخاصة بعد اندلاع انتفاضة 17 تشرين.
  • تجدر الإشارة إلى أن اللجنتين رفضتا اقتراح خريس بإعطاء القانون مفعولا رجعيا لاعتبارهما أن هذا الأمر لا يأتلف مع قواعد المبادئ القانونية الراسخة.
  1. رفض إزالة عائق مرور الزمن: ألم نتعلم من قضية الفاخوري؟

 

خلافاً لما اقترحه النائب خريس والذي أوحى أنه يحظى بموافقة رئيس مجلس النوّاب نبيه بري، رفض نوّاب لجنتي الإدارة والعدل وحقوق الانسان تكريس مبدأ عدم سقوط جرائم التعذيب بمرور الزمن، مما أظهر مقاربة لمفهوم التعذيب تتناقض تماماً ليس فقط مع المعايير الدولية، بل مع مطالب الحراك الحقوقي في إثر إفلات عامر الفاخوري من أي محاسبة. لذا، المطلوب من مجلس النوّاب إقرار البند الذي كان قد اقترحه النائب خريس.

وكان النائب خريس قد تقدّم باقتراح القانون هذا في إثر دخول عامر الفاخوري (المسؤول السابق لمعتقل الخيام) إلى لبنان في أيلول 2019 بعدما اتّضح سقوط الأحكام الصادرة بحقه بفعل مرور الزمن. وقد تم الاقتراح في معرض خطاب صارخ حول خطورة جرائم التعذيب وعدم قابليتها لمرور الزمن. فاقترح خريس إضافة فقرة الى المادة 10 من أصول المحاكمات الجزائية تنص على أنه “لا يسري مرور الزمن على جريمة التعذيب ولا تسقط بالتقادم”. وكان من شأن هذا التعديل أن يرفع الموانع التي تعيق محاسبة جرائم التعذيب بشكل فعّال، فيسمح بملاحقتها في أي وقت حتى لو مضى أكثر من 10 سنوات على ارتكابها، ويسمح بتنفيذ العقوبات على المحكومين بجرائم التعذيب حتى لو تواروا عن الأنظار أو خرجوا من لبنان لمدة عقود كما فعل الفاخوري.

لكن لجنتي الإدارة والعدل وحقوق الانسان قررتا في بداية العام 2020 عدم الأخذ بهذا التعديل المقترح. لم تبرر لجنة حقوق الانسان موقفها، في حين اعتبرت لجنة الإدارة والعدل أن “مرور الزمن يعتبر من عوامل الاستقرار في المجتمع ويعتبر من المبادئ القانونية الراسخة” بخاصة أن القانون الحالي يقرر أن مرور الزمن في جرائم التعذيب يبدأ من تاريخ خروج الضحية من الاحتجاز بدلاً من تاريخ وقوع جرم التعذيب.

وبهذا الموقف، يكون نوّاب اللجنتين قد تقاعسوا عن المواقفة على أحد أهم الإصلاحات المطلوبة لتفعيل المحاسبة في قضايا التعذيب. كما تجاهلوا جميع المبررات القانونية والسياسية والاجتماعية والدولية التي تفرض التعامل مع جريمة التعذيب على أنها من الجرائم الخطيرة التي تخضع لأصول استثنائية وتكريس عدم قابليتها للسقوط بمرور الزمن.

ومن أهم المبررات لعدم قابلية جرائم التعذيب لمرور الزمن التي تجاهلتها اللجنتان:

  • مطالب الحراك الحقوقي في لبنان: إن لبنان اكتشف مآسي التعذيب في معرض قضية الفاخوري واكتشف خطورة الإبقاء على قواعد مرور الزمن العادية التي تعطّل محاسبة أعمال التعذيب التي حصلت في الماضي.[1] فلم تسمح أحكام مرور الزمن للفاخوري بالعودة الآمنة في إثر سقوط الأحكام الغيابية بحقه بفعل مرور الزمن وحسب، بل هي أعطت مبرراً للمحكمة العسكرية لابطال الملاحقة بحقه[2] في الحكم الذي أصدرته في 16 آذار 2020 والذي أيدته محكمة التمييز العسكرية في أيار 2020. وقد اعتبرت هذه الأخيرة أن المحاكم لا يمكنها أن تتحمل “مسؤولية التقصير التشريعي” فيما يتعلق بالإبقاء على قواعد مرور الزمن العادية على جرائم التعذيب. من هذا المنطلق، يشكل موقف اللجنتين ترسيخاً لهذا التقصير التشريعي بدلاً من أن يترجم مطلبا أساسيا للحراك الحقوقي في لبنان.

 

  • الحظر المطلق للتعذيب: إن طبيعة أعمال التعذيب تفرض إخضاعها لأصول استثنائية لدى ملاحقتها ومعاقبتها. فهي تخضع لحظر مطلق ولا تتضمن أي استثناءات وفقاً للقواعد اللبنانية والدولية، على غرار جرائم الحرب والجرائم ضد الانسانية، مما يبرر إزالة قواعد مرور الزمن العادية كإجراء رادع لمرتكبيها. كما لها آثار ونتائج مستمرة، لا سيما لجهة الأضرار المادية والنفسية على الضحايا التي قد تتزايد مع الوقت، مما يستوجب التعامل معها على أنها بطبيعتها من الجرائم المستمرة التي لا تنتهي مفاعيلها بمجرد انتهاء فعل التعذيب، وتالياً لا يسري عليها المرور الزمن العادي.

 

  • المعايير الدولية: أن إزالة قواعد مرور الزمن عن جرائم التعذيب تسمح بمواءمة القانون اللبناني مع المعايير الدولية. فقد أوصت بها لجنة مناهضة التعذيب التابعة للأمم المتحدة[3] وعمدت العديد من الدول إلى تعديل قوانيها بهذا الاتجاه (ومنها تركيا في العام 2013 وجورجيا). كما أقرّت المحكمة الأوروبية لحقوق الانسان بأن الإزالة هي من الإجراءات الضرورية لضمان الإنصاف الفعلي للضحايا.[4]

 

  • الارتباط الوثيق بين محاسبة التعذيب والتغييرات السياسية: تتركب جريمة التعذيب من قبل أشخاص يتصرفون بصفة رسمية ويستغلّون هذه السلطة لتعنيف المعارضين لهم والمغضوب عنهم بهدف انتزاع المعلومات منهم أو معاقبتهم أو تخويفهم أو التمييز بحقهم. وبما أنهم غالباً ما يحتمون بمنظومة سياسية-قضائية تمنع محاسبتهم، تبقى ملاحقتهم مرهونة بالتغيرات السياسية ومدى بقاء مرتكبي جرائم التعذيب في زمام السلطة. فالقضاة الناظرون بالدعاوى والضحايا الذين يتقدمون بشكاوى يجب أن يشعروا بالأمان والثقة الكافيين للتمكن من الشروع بالمحاسبة الجدية والفعالة، وهو أمر لا يتحقق أحياناً إلا مع مرور الوقت لتأمين البيئة السياسية الملاءمة التي تضمن استقلالية القضاء. على سبيل المثال، كيف يحاسب مرتكبو التعذيب مثل الفاخوري قبل زوال الاحتلال الاسرائيلي للبنان؟ وكيف يلاحق مرتكبو التعذيب من عناصر الجيش السوري وحلفائهم قبل زوال الوصاية السورية على لبنان؟ وكيف يلاحق مرتكبو التعذيب بحق متظاهري 17 تشرين في ظل التقاعس بإصلاح النيابات العامة التي تعرقل وتماطل بمتابعة شكاوى التعذيب التي تقدموا بها؟

 

  1. منع النيابة العامة من اتخاذ القرارات الضرورية لحفظ الأدلة 

حافظت الاقتراحات على إلزام النيابات العامة بعدم القيام بأي استقصاء أو تحقيق أوليّ في قضايا التعذيب إلا من قبلها شخصياً، وتالياً منعها من تكليف الأجهزة الأمنية أو غيرها من الجهات من القيام بهكذا اجراءات. وفي حين يستثني القانون الحالي من هذا المنع إجراء تكليف طبيب شرعي واتخاذ “قرارات ضرورية للمحافظة على الأدلة وضبطها”، إقترحت لجنة حقوق الانسان إزالة هذا الاستثناء الأخير. إلا انه قد يكون من الأجدى الإبقاء عليه لترك المجال للنيابة باتخاذ إجراءات للمحافظة على الأدلة التي قد تزول بانتظار إحالة القضية إلى قضاة التحقيق.

 

ملاحظات حول البنود الإصلاحية في اقتراح القانون 

  1. تكريس اختصاص القضاء العدلي 

أهم ما اتفقت عليه اللجنتان هو تكريس صلاحية القضاء العادي للنظر بقضايا التعذيب، بما يؤدي إلى تجريد القضاء العسكري بشكل قاطع من هذه الصلاحية، وهي من أكثر المسائل التي أثارت جدلاً قانونياً خلال السنوات الماضية ويؤمل أن توافق عليها الهيئة العامة. فعلى الرغم من أن مجلس النوّاب كان قد اعتبر في العام 2017 أن تكريس هذا المبدأ هو لزوم ما لا يلزم بفعل أحكام المادة 15 من قانون أصول المحاكمات الجزائية، إلا أن النيابات العامة، وعلى رأسها النيابة العامة التمييزية، تقاعست عن الإدعاء بجرائم التعذيب أو أصرّت على إحالة معظم الشكاوى إلى القضاء العسكري، حيث لم يتم التحقيق بها بأي جدية.[5]

وقد شكّلت مسألة الاختصاص النوعي محورا أساسيا في المعارك المتعلقة بتطبيق قانون التعذيب، لا سيما تلك التي خاضها زياد عيتاني ومتظاهري 17 تشرين والعديد من المنظمات الحقوقية التي رفضت إحالة قضايا التعذيب أمام القضاء العسكري. وهذا الاعتراض يستند بشكل أساسي إلى أن القضاء العسكري لا يشكّل مرجعاً قضائياً مستقلاً وحيادياً ويحرم الضحايا من المشاركة في مسار التحقيق والمحاكمة بحقّ معذبيهم، بالإضافة إلى اعتبار جرائم التعذيب من الجرائم الخطيرة التي تبرر انتزاع امتياز العناصر الأمنية المشتبه بارتكابها بالخضوع لمحكمة عسكرية.

وتجدر الإشارة إلى أن اقتراح النائب خريس الأساسي لم يكن قد تضمن أي نص بتعلق بالاختصاص النوعي لدعاوى التعذيب، إلا أن نوّاب اللجنتين استغنموا هذه الفرصة لتكريس مبدأ صلاحية القضاء العدلي وقطع الطريق أمام محاولات النيابات العامة الالتفاف عليه وعلى نية المشترع.

  1. توسيع تعريف جريمة التعذيب لمواءمته مع التعريف الدولي

تناولت الاقتراحات توسيع تعريف جريمة التعذيب بهدف مواءمته مع التعريف الدولي المعتمد في اتفاقية مناهضة التعذيب للعام 1984 التي انضمّ اليها لبنان، وذهبت أحياناً أبعد منه. ومن شأن هذه التعديلات أن تساهم في إخضاع حالات إضافية من العنف الشديد لأصول المحاسبة الخاصة بقضايا التعذيب. هذا التوسيع تناول عدة زوايا من العناصر المكوّنة لجريمة التعذيب:

أولا: إلغاء الشرط الزمني من تعريف التعذيب: من أهم البنود الإصلاحية الضرورية المقترحة هو توسيع تعريف جريمة التعذيب لجهة عدم حصر ارتكابها “أثناء الاستقصاء والتحقيق الأولي والتحقيق القضائي والمحاكمات وتنفيذ العقوبات”. فقد أيدت اللجنتان اقتراح خريس بإزالة هذا الشرط من القانون الحالي. وكان هذا الشرط، الذي لا يرد في التعريف الدولي، قد أضيف إلى التعريف اللبناني لدى إقرار القانون في العام 2017 بهدف إخراج بعض أعمال العنف من أصول المحاسبة الخاصة التي يضمنها قانون التعذيب. واستخدم هذا الشرط لنفي صفة التعذيب عن بعض أعمال العنف الممارسة بحق المتظاهرين في مرحلة فضّ التظاهرات، في حين أنها تشكل تعذيباً وفقاً للتعريف الدولي كونها لم تأتِ في إطار دفاع العناصر الأمنية عن أنفسهم بل في إطار اعتداء ممنهج على المتظاهرين بهدف معاقبتهم وتخويفهم وفقاً لما وثقته “المفكرة” ولجنة المحامين للدفاع عن المتظاهرين.[6] ويعتقد أن تكون النيابة العامة العسكرية (بشخص القاضية منى حنقير) قد اعتمدت على هذا الشرط حين قررت في 3 شباط 2020 حفظ شكاوى التعذيب التي تقدّم بها 17 متظاهر رغم إعتراضات لجنة المحامين للدفاع عن المتظاهرين والذي سبق وبحثنا به في مقالة سابقة.[7]

ثانياً: توسيع نوع الضرر: أقرّ نوّاب اللجنتين اعتبار جريمة التعذيب متحققة حين تنتج عن أعمال العنف “ألم شديد أو عذاب شديد، جسدياً كان أم معنوياً”، فقاموا باستبدال عبارة الأذى “العقلي” بعبارة الأذى “المعنوي” الذي يتناول أضرارا أوسع على الصحة النفسية. ومن شأن هذا التوسيع (غير المنصوص عنه في التعريف الدولي) السماح بتطبيق قانون التعذيب في الحالات التي يؤدي فيها العنف إلى أضرار نفسية شديدة، كمثال المتظاهرين الذين أصيبوا بحالة من الخوف الشديد تعيقهم من المشاركة بتحرّكات الشعبية في المستقبل جرّاء العنف الذي تعرضّوا له من قبل الأجهزة الأمنية. كما يضفي على أهمية الخبرة النفسية في محاكمات التعذيب لاعتباره دليلاً على العناصر المكوّنة للجريمة.

ثالثاً: إزالة شرط الصفة الرسمية لمرتكبي التعذيب: اقترح نوّاب لجنة حقوق الانسان إزالة شرط تمتّع مرتكبي التعذيب بالصفة الرسمية في محاولة لشمول قانون التعذيب للأعمال التي يرتكبها “موظّف رسمي أو أيّ شخص يتصرّف بصفته الشخصية أو أي شخص يتصرّف بهذه الصفة” بدلاً من حصرها ب “الموّظف الرسمي أو أيّ شخص يتصرّف بصفته الرسمية” كما ينص القانون الحالي. لم تبرر اللجنة موقفها وتضّمنت صياغتها بعض الغموض (ما المقصود “بهذه الصفة”)، إلا أن هذا الاقتراح يذهب أبعد من التعريف الدولي ويدخل ضمن محاولات إخضاع بعض أعمال العنف من قبل الأشخاص غير الرسميين للأصول الخاصة بجرائم التعذيب. فقد وسّعت الاجتهادات الدولية تعريف مفهوم “التصرّف بالصفة الرسمية” لتطال هؤلاء الأشخاص بخاصة في الدول التي تضعف فيها سلطة الدولة المركزية أو في الحالات التي تتقاعس فيها الدولة عن ردع هذه الأعمال. بالتالي، من شأن هذا التوسيع أن يساهم في معاملة العنف المرتكب من قبل عناصر “قوى الأمر الواقع” أسوة بالعنف المرتكب من العناصر الرسمية، كالأعمال المرتكبة من مرافقي السياسيين والمدنيين المناصرين للزعماء الذين ازداد عنفهم بحق المعارضين بشكل ملحوظ بعد 17 تشرين كما أظهر توثيق “المفكرة”.

رابعاً: توسيع النية الجريمة: إقترح نوّاب لجنة حقوق الانسان إزالة عبارة الأذى الذي “يلحق قصداً بشخص ما” من تعريف جريمة التعذيب، علماً أن التعريف الدولي ينص على الأذى الذي يلحق “عمداً” أي عن سابق إصرار. لم تبرر اللجنة موقفها هذا: إلا أن هذا التوسيع قد يساهم في شمول أعمال الإهمال والتقصير أيضاً ضمن جريمة التعذيب، كأن يهمل العناصر ايصال الأكل للمساجين، مع الإشارة إلى أن الجريمة تشترط في جميع الأحوال توفّر القصد الخاص لمرتكبيها (أي العنف الممارس بهدف انتزاع المعلومات من شخص ما أو معاقبته أو تخويفه أو التمييز بحقه…).

 

  1. تشديد العقوبات: التعذيب جناية مهما كانت نتائجه 

إقترحت لجنة حقوق الإنسان تشديد عقوبات جرائم التعذيب مع المحافظة على تدرّج العقوبات بحسب نتائج التعذيب، مما أدّى إلى اعتبار جريمة التعذيب من نوع الجناية مهما كانت نتائجها مع كل ما يستتبع ذلك من تشدد في مدة التوقيف والأصول المتبعة خلال التحقيق والمحاكمة.

بالنسبة للتعذيب الذي لا يفضي إلى الموت أو إلى خلل أو عطل جسديّ أو عقليّ دائم أو مؤقت، رفعت لجنة حقوق الإنسان العقوبة من الحبس من سنة إلى 3 سنوات إلى “الحبس” من 3 إلى 5 سنوات، وهو ما يؤدي عملياً إلى تحويل هذا الجرم من جنحة الى جناية. وتجدر الإشارة إلى أن اللجنة أغفلت تبديل عبارة “الحبس” (وهي عقوبة الجنحة) إلى عبارة “الاعتقال” (وهي عقوبة الجناية).

كما أضافت اللجنة بندا لمعاقبة محاولة ارتكاب التعذيب في هذه الحالة، وهو لزوم ما لا يلزم بعدما تحوّلت هذه الجريمة من جنحة إلى جناية طالما أن القانون لا يفرض نصا خاصا لمعاقبة محاولة ارتكاب الجنايات، على عكس الحال فيما يتعلق بمعاقبة محاولة الجنح (المادة 202 عقوبات). فضلا عن ذلك، إقترحت لجنة الإدارة والعدل معاقبة “الاشتراك” بجرم التعذيب في هذه الحالة.

أما بالنسبة للتعذيب الذي يؤدي إلى الوفاة أو إلى أذى أو خلل أو عطل جسديّ أو عقليّ مؤقت أو دائم، فقد رفعت لجنة حقوق الانسان العقوبات كالآتي:

  • في حال العطل المؤقت، رفعت اللجنة العقوبة من الاعتقال من 3 الى 7 سنوات إلى الاعتقال من 5 إلى 10 سنوات،
  • في حال العطل الدائم، رفعت العقوبة من الاعتقال من 5 إلى 10 سنوات إلى الاعتقال من 10 إلى 20 سنة،
  • في حال الموت، رفعت العقوبة من الاعتقال من 10 إلى 20 سنة إلى الاعتقال المؤبد،
  1. تعديل منع التذرّع بأي ذريعة لتبرير التعذيب 

قررت لجنة حقوق الإنسان تعديل البنود المتعلقة بعدم جواز التذرّع بأية ذريعة لتبرير التعذيب واقترحت اعتماد النص الوارد في اتفاقية مناهضة التعذيب. وتجدر الإشارة إلى أن نص القانوني الحالي يؤمن ضمانات أوسع من الاتفاقية حيث أنه يمنع التذرّع “بأي ذريعة” لتبرير التعذيب، في حين تنصّ الاتفاقية واقتراح اللجنة على منع التذرّع “بأية ظروف استثنائية أياً كانت”، مما قد يشكل عملياً تضييقاً لمفهوم الذريعة.

وأخيراً أضافت اللجنة بنداً صريحاً يمنع “التذرّع أو التمسك بأي نوع من أنواع هذه الحصانات للحؤول دون الملاحقة بجرم التعذيب”. رغم إشارة اللجنة إلى “هذه الحصانات” التي قد تشير إلى البنود التي سبقتها، إلا أنه قد يفهم منها أيضاً أنها ترفع الحصانات المتعلقة بأذون الملاحقة. في هذه الحالة، من شأن هذا الاقتراح تسهيل الملاحقة في جرائم التعذيب بخاصة بالنسبة للعناصر الأمنية الذي يمارسون مهام الضابطة الإدارية كحفظ الأمن خلال التظاهرات، كونه يقدّم ضمانات أوسع من المادة 15 من أصل المحاكمات الجزائية التي تحصر الإعفاء من إلإذن بالملاحقة في الحالات التي يتصرّف بها الموظف الرسمي بصفة ضابطة عدلية.

 

  1. تعزيز آليات حماية ضحايا التعذيب 
  • اقترحت اللجنتان اعتبار المحاكم ملزمة باتخاذ قرارات لإعادة تأهيل الضحايا بعد موافقتهم بدلاً من أن يكون هذا الأمر جوازاً للمحكمة. واقترحت لجنة الادارة والعدل أن يحصل هذا الأمر “بناء لطلب المتضرر وعلى نفقة الجاني أو المسؤول عنه”، وهو ما من شأنه أن يساهم في تحفيز المؤسسات الأمنية لمنع عناصرها من ارتكاب أعمال التعذيب نظراً للكلفة الاقتصادية التي قد تنتج عنها. فهي تشمل إعادة التأهيل وتقديم الدعم الصحي الجسدي والنفسي للضحايا بالإضافة للدعم القانوني والاجتماعي. وتجدر الإشارة إلى أن أيا من اللجنتين لم تعمل على تضمين الاقتراح أي ارشادات حول مفهوم موجب إعادة الـتأهيل وكيفية تنفيذه.

 

  • اقترحت لجنة الادارة والعدل إلزام السلطات القضائية باتخاذ جميع التدابير الآيلة إلى ضمان حماية مقدّم شكوى التعذيب والشهود من أي معاملة سيئة أو تهويل بدلاً من أن يكون الأمر جوازاّ. أما لجنة حقوق الانسان، فاقترحت توسيع هذه الحماية لتشمل “أحد أفراد عائلاتهم أو العاملين لديهم إذا تبيّن لهم اأهم بحاجة إلى حماية شخصية”. كما اقترحت أن تتخذ هذه التدابير “إما عفواً أو بناء على طلب كل ذي مصلحة.”

 

_____

[1]  نزار صاغية، لبنان يكتشف مآسي التعذيب … وبعض ماضيه: عودة الفاخوري الآمنة تفتح ملف العدالة الانتقالية وتُعيد الاعتبار للضحايا، المفكرة القانونية، 18/09/2019

[2]  نجيب فرحات، قراءة حقوقية في قرار كفّ التعقبات عن الفاخوري: كأننا لم نقرّ قانونا حول حقوق المفقودينن المفكرة القانونية، 21/03/2020

[3] لجنة مناهضة التعذيب، التعليق العام رقم 3، الفقرة 40

[4] ABDULSAMET YAMAN V. TURKEY, European Court of Human Rights, Application No. 32446/96 (2 November 2004)

[5]  نزار صاغية، بقع التعذيب التي لا تراها النيابات العامّة: شكاوى الثوّار في عهدة المشكو منهم، نشر في العدد 66 من مجلة المفكرة القانونية –لبنان، تشرين الأوّل 2020، إلهام برجس، شكوى دغيم بالتعذيب نائمة في أدراج العسكرية: أي إرادة للنيابات العامة في محاسبة جرائم التعذيب والتعويض على ضحاياها؟ المفكرة القانونية، 13/04/2019، إلهام برجس، استجواب لافت في قضية “تلفيق تهمة العمالة لزياد عيتاني”: الغرفة السوداء موجودة وجرمانوس لا يحقّق في قضايا التعذيب، المفكرة القانونية، 23/02/2019

[6] نور حيدر، العنف والتعذيب في وجه الانتفاضة الشعبية: جرائم بحق المتظاهرين من دون محاسبة، نشر في العدد 66 من مجلة المفكرة القانونية –لبنان، تشرين الأوّل 2020

[7]  نزار صاغية، بقع التعذيب التي لا تراها النيابات العامّة: شكاوى الثوّار في عهدة المشكو منهم، نشر في العدد 66 من مجلة المفكرة القانونية –لبنان، تشرين الأوّل 2020

انشر المقال



متوفر من خلال:

أجهزة أمنية ، إقتراح قانون ، احتجاز وتعذيب ، البرلمان ، المرصد البرلماني ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، لبنان ، محاكم جزائية ، محاكم عسكرية ، محاكمة عادلة وتعذيب ، مساواة ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *