اعتراضات حقوقية على وسائل الحرب على الإرهاب في تونس (على خلفية بث اعترافات لشخصين متهمين بالإرهاب)


2013-09-02    |   

اعتراضات حقوقية على وسائل الحرب على الإرهاب في تونس (على خلفية بث اعترافات لشخصين متهمين بالإرهاب)

 محمد العفيف الجعيدي
بثت القناة التلفازية العمومية التونسية ” القناة الوطنية الاولى ” في سهرة ليلة 30 اوت 2013 برنامجا تلفازيا حواريا تضمن اعترافات مسجلة لشخصين يدعى انهما من المجموعات الارهابية التي ضلعت في المواجهات التي تدور رحاها حاليا في تونس بين قوات الامن والجيش الوطني ومجموعات مسلحة بمنطقة جبل الشعانبي بالوسط الغربي لتونس. وتعلقت الحصة التلفازية بالأخطار الارهابية التي تحدق بتونس خصوصا بعدما أعلنت الحكومة رسميا تنظيم أنصار الشريعة الذي يتبنى الفكر السلفي الجهادي منظمة ارهابية تبعا لما كشفته الابحاث الاولية عن علاقته المباشرة بمختلف المجموعات الارهابية التي تم ضبطها في تونس.
وأدى بث اعترافات المتهمين رغم انه تم بإذن من قاضي التحقيق الذي يتعهد في البحث في ملف قضية المجموعة المسلحة الى ردود أفعال متباينة عززت الانقسام الذي أعقب خطوة تصنيف مجموعة أنصار الشريعة كتنظيم ارهابي. اذ عد القاضي التونسي أحمد الرحموني رئيس مرصد استقلال القضاء اعلان الحكومة عن تصنيف تنظيم أنصار الشريعة كتنظيم ارهابي مجرد قرار سياسي واداري فيه تعد على استقلالية القضاء وهو “قرار زجري من شأنه أن يفرض قيودا على حقّ الاجتماع والتنقل والسفر والملكية ولا سيما أن تونس تعيش حالة طوارئ”. كما اعتبر السماح ببث اعترافات تمت في إطار ابحاث قضائية جارية تعديا على قواعد المحاكمة العادلة على اعتبار انها تهدف لتحقيق ادانة شعبية للمتهمين قبل المحاكمة بما يؤدي للمس بحقهم في قرينة البراءة. وفي المقابل، عد الناطق الرسمي باسم وزارة الداخلية بث الاعتراف حلقة ضرورية من حلقات الحرب على الارهاب اذ انها تكشف للمواطنين حقيقة تنظيم أنصار الشريعة وتبين لهم ان الخيمات الدعوية التي يستعملها مجرد واجهة للتغطية عن انشطته الاجرامية. واكد على ان تصنيف أنصار الشريعة كمنظمة ارهابية اجراء ضروري لحماية من انخرط فيه دون ان يكون مطلعا على حقيقة اهدافه بما انه يعطيه فرصة للانسلاخ عنه كما ان هذا القرار يسمح بحصر نشاطات هذه المجموعة حتى تلك التي تهدف للتغطية عن حقيقة اهدافها وتتمثل في حملات خيرية وحلقات دعوية وهو بالتالي اجراء ضروري على ان يظل القول الفصل في الادانة الجزائية من عدمها للقضاء.
بدا التعارض بين الموقفين جليا وسارع الحقوقيون الى التعبير عن خشيتهم من ان تؤدي الحرب على الارهاب الى انتكاسة لمفاهيم المحكمة العادلة وحقوق الانسان. فيما تمسك غيرهم بان خطر الارهاب ليس مجرد خطر مفترض وانما هو واقع على الارض ادى الى سقوط ضحايا ولا يمكن اختزال الحرب على الارهاب في مقاربة امنية قضائية كما يطالب بذلك الحقوقيون على اعتبار ان المجموعات الارهابية تستقطب عناصرها من داخل فئات اجتماعية هشة يسهل اختراقها وتتمثل اساسا في تلك الفئات التي تتميز بقوة وازعها الديني مقابل ضعفها المعرفي وهي في غالب الاحيان ممن يعانون الخصاصة والبطالة. واضافوا لحجتهم ان المجموعات الارهابية اضحت تجيد الدعاية الاعلامية باستعمال وسائل الاتصال الحديث ويستدعي بالتالي التصدي لها انخراط كل القوى الحية في مواجهتها بما في ذلك الاعلام الذي يتعين عليه الانخراط في مواجهتها دون ادعاء الحياد وذلك لغاية كشفها واضعاف قدرتها على الاستقطاب وبالتالي فان كشف مخططات هذه المجموعات وكشف اسماء قادتها ومصادر تمويلها وحشد الراي العام في مواجهتها ليس اعتداء على المحاكمة العادلة بقدر ما هو جبهة يجب خوضها للانتصار على الإرهاب.  
كما ردوا على من تمسك بغياب اي قيمة قانونية لقرار تصنيف مجموعة أنصار الشريعة كتنظيم ارهابي بكون هذا التصنيف سيؤدي الى فرز حقيقي بين من انخرطوا في التنظيم عن حسن نية وسينسحبون منه بمجرد علمهم بالقرار وبين من هم جزء من نواته الصلبة ويتعين مواجهتهم امنيا وقضائيا مع التعهد باحترام حقهم في المحاكمة العادلة.
تابع مشاهدو القناة الوطنية التونسية موقف الشقين بمناسبة بث الاعترافات. وكان حضور الصوت الحقوقي مؤثرا وأدى لطرح اسئلة تضع فكرة استغلال الاعترافات المسجلة في الحرب على الارهاب في ازمة بعد ان نجح في التذكير بسابقية استعمال الانظمة الديكتاتورية لذات التقنية في فبركة محاكماتها واقناع الراي العام بعدالة مواجهتها لخصومها السياسيين. وفي مقابل ذلك، نجح الشق المقابل في بيان اهمية تكاتف مجهود مختلف فعاليات المجتمع في مكافحة الارهاب بعد ان بين بأدلة مستقاة من الابحاث الجارية ان المجموعات الارهابية استفادت من جهل عموم الناس لحقيقة اهدافها في توفير دعم بشري ومالي هام ساعدها في مشاريعها الاجرامية.
ويتضح مما سبق ان خصوصية الجريمة الارهابية التي تستعمل الفكر كباعث على الجريمة يستوجب التعاطي معها بشكل يختلف عن التعاطي مع الفعل الاجرامي الجنائي في سياق يضمن منع تغلغل أفكار التنظيمات الارهابية في اوساط واسعة بما يؤدي الى عزلها عن حاضنتها الشعبية. وقد يفضي هذا الطرح الى الابتعاد عن التمسك بمبادئ قانونية من قبيل سرية الابحاث لغاية تحقيق انخراط فئات واسعة في سياق مواجهة الفكر الإرهابي. وقد يكون هذا مبرر اسناد قاضي التحقيق للإذن القضائي ببث اعترافات متهمين أحدهما شارك في الاعمال القتالية ثانيهما دعم الارهابيين بتوفير المؤونة لهم مقابل اموال تحصل عليها. الا ان التنازل عن هذه الضوابط التي قد تبدو مسائل جزئية في المحاكمات التي تشغل الراي العام لا يمكنه بحال ان يؤدي الى حالة من التشنج تفضي الى التضحية بمبادئ حقوق الانسان والمحاكمة العادلة. وقد يكون في ردة أفعال الاوساط الحقوقية التونسية السريعة في تعبيرها عن رفضها لمؤشرات الانحراف التي عاينت حصولها خير حصن يضمن عدم تحول الحرب على الارهاب الى مذبح للمبادئ ومناسبة لمحاكمات ضمير، وهو امر يؤكد على دور المجتمع المدني المحوري في الدفاع عن المبادئ التي يسعى المجتمع التونسي الى جعلها عنوانا للمجتمع الجديد الذي يروم بناءه وان كانت هذه المبادئ لا تحظى بشعبية بسبب التحمس الشعبي للحرب المعلنة ضد الارهاب.
 الصورة منقولة عن موقع القدس العربي

انشر المقال

متوفر من خلال:

سياسات عامة ، مقالات ، تونس ، حراكات اجتماعية ، عدالة انتقالية ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، محاكمة عادلة



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية