اصلاح منظومة العدالة في المغرب على ضوء مطالب القضاة المتمرنين


2014-12-29    |   

اصلاح منظومة العدالة في المغرب على ضوء مطالب القضاة المتمرنين

لا ينكر أحد أن الحراك القضائي الذي عرفه المغرب خلال السنوات الثلاث الأخيرة كان بفضل مساهمة القضاة الشباب لا سيما منهم المتخرجين حديثا من المعهد العالي للقضاء. فمن خلال التنسيق بينهم عبر صفحات التواصل الاجتماعي وتجاذب وجهات النظر حول سبل الاصلاح المنشود للمنظومة القضائية وتشخيص أهم الاختلالات التي تعاني منها، تم وضع اللبنات الأولى لتأسيس أول جمعية مهنية قضائية مستقلة يعرفها المغرب الحديث. فقد انضم القضاة المتمرسون إلى جانب القضاة الشباب لتدعيم هذه التجربة الفتية، ولا غرابة أن عددا من المشاكل التي أثارها نادي القضاة مند أن كان مجرد صفحة تواصلية عبر الشبكة العنكبوتية انتقل إلى مائدة النقاش الرسمي وتمت جدولته من خلال مشروع اصلاح منظومة العدالة الذي تديره وزارة العدل والحريات. ومن بين هذه المواضيع القديمة المتجددة موضوع وضعية القضاة الملحقين الذين يتابعون تكوينهم بالمعهد العالي للقضاء.
وإذا كان هذا الموضوع ظلّ وإلى وقت قريب يدخل ضمن دائرة المسكوت عنه لاعتبارات عديدة، من بينها غموض وضعية القاضي المتمرن "الملحق القضائي" وتهميش القضاة المتمرنين من اهتمامات الجمعية المهنية القضائية الوحيدة إلى حدود سنة 2011، ومنعهم -وان بشكل ضمني- من ممارسة العمل الجمعوي المهني، وغموض أفق ممارستهم لحقهم وحريتهم في التعبير من جهة. يضاف الى ذلك أن وضعية القضاة المتمرنين ينظر إليها من طرف بعض الباحثين على أنه يمثل أحد مواضيع "النخبة" التي لا تحظى بالأولية بالنظر إلى ما سواها من مواضيع راهنة.
من هنا كانت جمعية نادي قضاة المغرب أول جمعية مهنية قضائية تسمح بعضوية الملحقين القضائيين 'القضاة المتمرنين" ضمن مكوناتها باعتبارهم جزءا لا يتجزأ من أسرة القضاء. وفي هذا السياق خصص المجلس الوطني لنادي القضاة جانبا مهما من أولى دوراته لواقع التكوين بمؤسسة المعهد العالي للقضاء حيث قام بتشخيص أزمة التكوين بهذه المؤسسة والكشف عن عدة اختلالات ومعوقات تحد من الدور الموكول اليها في إعداد وتكوين قضاة الغد، الشيء الذي أدى إلى ادخال تغييرات سريعة همت جزءا من مكونات الطاقم الادراي للمعهد واجراءات تنظيمية أخرى.
ورغم التحسن النسبي الذي أدخل على منظومة التكوين بالمعهد العالي للقضاء على اثر التغييرات التي همت الطاقم الاداري وهيأة التدريس، فإن وضعية الملحقين القضائيين ظلت تراوح مكانها لعدة اعتبارات من بينها التأخير في صدور القوانين التنظيمية المتعلقة بالسلطة القضائية والتأخير في صدور القوانين العادية والمراسيم التي من المنتظر أن تؤطر وضعية الملحقين القضائيين أو القضاة المتمرنين وضعف الميزانيات المرصودة لمنظومة تكوين القضاة، وعدم ايلاء هذا الملف الأولوية التي يستحقها ضمن أجندة الاصلاح.
وفي هذا السياق يمكن الوقوف عند أهم مطالب نادي قضاة المغرب بخصوص وضعية القضاة المتمرنين انطلاقا من عدة وثائق أصدرها النادي على رأسها توصيات دورات مجلسه الوطني، وبيانات مكتبه التنفيذي، وبعض مراسلاته فضلا عن الورقة المطلبية التي أعدتها تنسيقية نادي قضاة المغرب للقضاة المتمرنين :
 
1- الاصلاح الجذري لواقع التكوين بمؤسسة المعهد العالي للقضاء:

رصدت الورقة التي أعدها مكتب القضاة المتمرنين الأعضاء في جمعية نادي قضاة المغرب عدة مؤاخذات على مستوى محور التكوين يمكن تسجيلها، من بينها :
 
– غلبة المقاربة الكمية في برمجة الحصص والمواد داخل المعهد مما يؤدي إلى عدم جاهزية القاضي المتمرن لمواكبتها ويضعف من مستوى الاستيعاب المطلوب لموادها.

– ضعف الجانب العملي في برنامج التكوين وذلك بغياب برمجة حصص متعلقة بالتمرن على مهارات وتقنيات تسيير الجلسات لعدم توفر المعهد العالي للقضاء على قاعة مجهزة بما يتلاءم مع متطلبات هذا النوع من التكوين.

– ضعف المعدات اللوجيستيكية المرصودة لمواكبة التكوين، مثال الحافلات المهترئة المعدة لنقل القضاة المتدربين أثناء الزيارات الميدانية التي ينظمها المعهد لبعض الإدارات والمؤسسات العمومية، والتي تشكل إهانة للقاضي المتمرن ومسا بالمكانة الاعتبارية للمعهد العالي للقضاء باعتباره مؤسسة تسهر على تكوين أعضاء السلطة القضائية، مما خلف استياءً واسعا في صفوف القضاة المتمرنين الذين أبلغوا رفضهم للإدارة، وأعلنوا تحفظهم على المشاركة في الزيارات التي تتم بالحافلات المذكورة.

– ضعف مواكبة إدارة المعهد للتدريب بالمحاكم، وغياب فضاءات خاصة لاستقبال القضاة المتدربين في الفترات التي يكونون فيها خارج مكاتبالسادةالقضاة في بعض المحاكم.

2- استنكار استثناء القضاة المتمرنين من الزيادة التي تمت في أجور القضاة:
اذا كان الشق المتعلق بتحسين الأوضاع المادية للقضاة قد تحقق نسبيا بعد المصادقة على زيادات في أجور قضاة الدرجة الثالثة والثانية والأولى إلا أن المؤسف هو استثناء فئة "القضاة المتمرنين" من هذه الزيادة رغم أن وضعيتهم المادية جد مزرية، بالنظر إلى ارتفاع تكلفة العيش ونفقات ومستلزمات التكوين والتنقل بين المعهد العالي للقضاء، ومحل اقامتهم من جهة، ومحاكم التدريب من جهة أخرى. فالإصلاح الحقيقي لمنظومة أجور القضاة ينبغي أن يبدأ من مرحلة التدريب باعتبارها المدخل الأساسي والنواة الصلبة لتكوين قاضي الغد، فكيف يمكن أن نطلب من القاضي المتمرن (الملحق القضائي)، الحفاظ على أناقة المظهر، وهيبة المنصب واجتناب مواطئ الشبهات، والسكن في وسط لائق، واستيفاء مستلزمات التكوين وشراء الكتب، والإطلاع على أحدث الاجتهادات القضائية وآراء الفقه، وتتبع مستجدات الساحة القانونية وأجره المالي لا يسمح له حتى بتغطية مصاريف السكن. 
 
3- المطالبة بإلغاء الدرجة الثالثة وإدماج القضاة المرتبين فيها في نسق الترقي الجديد
كان لافتا في مسودة مشاريع قوانين السلطة القضائية وجود نية واضحة تهدف لاستثناء القضاة الجدد من الاستفادة من نسق الترقية الجديد وإبقائهم خاضعين لنسق ترقية قديم غير محفز وهو الوارد في النظام الأساسي الحالي لرجال القضاء الذي يحدد مدة الترقية من الدرجة الثالثة للثانية في 10 سنوات مع احتساب مدة التكوين بالمعهد العالي للقضاء. ورغم أن مذكرات كافة الجمعيات المهنية القضائية المرفوعة لوزارة العدل والحريات بخصوص مسودة قوانين السلطة القضائية أجمعت على ضرورة الغاء هذه المقتضيات التمييزية إلا أن المشروع لا يزال يتضمن هذا النص.
ومن هنا تضمنت مذكرة نادي قضاة المغرب وكذا الورقة المطلبية التي أعدتها تنسيقية مكتب الملحقين القضائيين التابع لنادي قضاة المغرب مطلبا يهدف إلى الغاء الدرجة الثالثة وإدماج القضاة المرتبين فيها مباشرة في الدرجة الثانية انسجاما مع إضافة درجات جديدة في مسودة مشروع النظام الأساسي (الدرجة الفريدة والدرجة الممتازة).
 
4- أي آفاق لإصلاح منظومة تكوين القضاة المتمرنين من خلال الورقة المطلبية لنادي القضاة :

انصبت الورقة المطلبية للقضاة المتمرنينعلى ضرورة القيام بالإصلاحات التالية:

– اعتماد المقاربة التشاركية في برمجة ما تبقى من فترة التكوين بالمعهد العالي للقضاء، عبر التشاور والتنسيق مع القضاة المتمرنين مع الأخذ بالاعتبار لمقترحاتهم وتصوراتهم بهذا الخصوص.

–  التأكيد على ضرورة برمجة حصص خاصة بتسيير الجلسات فيما تبقى من فترة التمرين مع توفير قاعة أو قاعات مجهزة بشكل خاص لأجل هذا الغرض.

–  تبني نظام الورشات التطبيقية المنصبة على نوازل واقعية مع دراسة ملفات كاملة، بدل نظام التلقين شبه المباشر المعتمد حاليا.

– اعتماد التكوين والتدريب التخصصي فيما تبقى من مدة التدريب لعينة من القضاة المتمرنين المنتمين للفوجين 39 و 40  بناءً على رغبات المعنيين بالأمر ومؤهلاتهم العلمية،  بما يتلاءم مع  حاجيات المحاكم التجارية والإدارية بهذا الخصوص.

– تحسين ظروف إقامة القضاة المتدربين بالمعهد العالي للقضاءوتخفيض تكاليف الإقامة بالقسم الداخلي بالنسبة للقضاة المتمرنين في أفق جعل الاستفادة مجانية مع تعميمهااسوة بما عليه الأمر في باقي معاهد التكوين التابعة للدولة.
 التزويد المستمر لخزانة المعهد العالي للقضاء بالكتب والمراجع حديثة الصدور، مع تسهيل الولوج إليها.

وعلى مستوى محور التقييم والتعيين أوصت الورقة المطلبية للقضاة المتمرنينبضرورة ادخال الإصلاحات التالية:

–  تعديل المادة 22 من المرسوم الصادر بتاريخ21  أبريل 2006 المتعلق بتحديد شروط المشاركة في مباراة الملحقين القضائيين وبرنامج الاختبارات وتنقيطها وكذا الإجراءات المتعلقة بنهاية تكوين الملحقين القضائيينالمذكورين، وذلك بتدقيق وتوضيح المعايير التي تحدد على أساسها النقطة التي يمنحها المدير العام لمعهد، والتي تدخل بنسبة 50  في المائة في احتساب النقطة النهائية التي يتم بناءً عليها ترتيب القضاة المتمرنين بعد التخرج.

– إقرار الحق في الاطلاع الكامل على نتائج الامتحانات الخاصة بتقييم القاضي المتمرن عند التخرج، تنزيلا لمبدأ الشفافية والحق في الولوج إلى المعلومة  وتجدر الاشارة في هذا المقام إلى أنه في الأعوام الأخيرة وبمناسبة الاعلان عن نتائج تخرج أفواج 35 و36 و37 و38 من الملحقين القضائيين تم الاقتصار على كشف لائحة ترتيب القضاة دون الكشف عن علاماتهم مما فتح الباب أمام تأويلات عديدة.

– تدقيق المعايير المعتمدة في تعيين القضاة من طرف المجلس الأعلى للقضاء (حاليا) أخذا بعين الاعتبار للترتيب النهائي عند التخرج والوضعيات الخاصة بكل حالة، مع النشر المسبق لهذه المعايير.

 طلب معادلة شهادة التكوين بالمعهد العالي للقضاء بشهادة الماستر:
سبق لنادي قضاة المغرب أن راسل الجهات المختصة بشأن طلب معادلة شهادة التكوين بالمعهد العالي للقضاء بشهادة الماستر حتى يتمكّن القضاة من ولوج تكوينات سلك الدكتوراه ومتابعة مشوارهم الأكاديمي والعلمي، وهو ما يفرض الارتقاء بواقع وآفاق التكوين بمؤسسة المعهد العالي للقضاء من أجل استيفاء الشروط التي يحددها قرار وزير التربية الوطنية والتعليم العالي وتكوين الأطر والبحث العلمي بتحديد قائمة الشهادات الوطنية التي تخول ولوج تكوينات سلك الدكتوراه.

عضو نادي قضاة المغرب
عضو مؤسس للمرصد الوطني لاستقلال السلطة القضائية

انشر المقال

متوفر من خلال:

المغرب ، المرصد القضائي ، استقلال القضاء ، مقالات



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية