استمرار التشريع العادي في زمن الطوارئ في المغرب


2020-04-14    |   

استمرار التشريع العادي في زمن الطوارئ في المغرب

افتتح البرلمان المغربي يوم الجمعة 10 أبريل/نيسان 2020 دورته الربيعية في أجواء استثنائية تعيشها البلاد نتيجة فرض حالة الطوارئ الصحية، لمواجهة خطر تفشي وباء كورونا.

ويعقد البرلمان يومه الإثنين جلسة عمومية تخصص للأسئلة الشفهية الشهرية الموجهة إلى رئيس الحكومة حول السياسة العامة، حيث أكد بلاغ لرئاسة الحكومة، أن هذه الجلسة، ستتمحور حول "التداعيات الصحية والاقتصادية والاجتماعية لانتشار وباء فيروس كورونا، والإجراءات المتخذة لمواجهة هذه الجائحة".

 

اجراءات استثنائية لدورة عادية

وسط تكهنات عديدة بإمكانية تأجيل الدورة العادية الربيعية للبرلمان نتيجة حالة الطوارئ الصحية، سبق لمكتب البرلمان بغرفتيه أن أكد انعقاد الدورة الربيعية في موعدها المحدد دستوريا، وهو يوم الجمعة من الأسبوع الثاني من شهر أبريل، مع اتخاذ اجراءات احترازية للحدّ من خطر الإصابة بفيروس كورونا.

وقد تمثلت الإجراءات التنظيمية الجديدة المحددة من قبل مكتب المجلس بالتشاور مع الحكومة ومجلسي النواب والمستشارين والفرق والمجموعة النيابية، في تقليص عدد النواب الحاضرين، وذلك بالاكتفاء بحضور رئيس كل فريق وممثلين عن كل فريق ومجموعة نيابية، يقطنون بالعاصمة والمناطق القريبة منها، وذلك تفاديا لتنقل النواب من مناطق بعيدة.

مع الحرص على إرتداء البرلمانيين للكمامات الطبية الواقية، واحترام مسافة الأمان في طريقة جلوسهم، كما سيتم إعطاء الأولوية في الأسئلة الشفوية والكتابية للقطاعات ذات الأولوية وعلى رأسها الصحة والداخلية والفلاحة والمالية والصناعة والتجارة والتربية الوطنية، مع التركيز على نقل الجلسات العمومية عبر وسائل الاعلام الرسمية.

 

جدل دستوري بين حتمية الإنعقاد ومطلب التأجيل

خلقت الاجراءات الاحترازية الجديدة التي أعلنها البرلمان لعقد دورته الربيعية في زمن الطوارئ الصحية، جدلا بين اتجاهين بارزين، الأول دعا إلى "تعطيل" عمل البرلمان نظرا لحالة الطوارئ، وتفويض الحكومة مهمة التشريع بواسطة مراسيم. بينما دافع الاتجاه الثاني على ضرورة قيام المؤسسة التشريعية بدورها في التشريع والمساءلة، لأن الأمر يتعلق بحالة طوارئ صحية، لا حالة طوارئ سياسية.

وهكذا، أكد الدكتور عبد الرحيم المنار اسليمي الأستاذ الجامعي والمحلل السياسي أن "البرلمان يوجد في طور خرق للدستور"، ذلك أن "المعنى الدستوري لافتتاح دورة برلمانية يفيد شروع البرلمان بغرفتيه في التداول، وهو ما يفرض حضور البرلمانيين بصفة شخصية"، معتبرا أن "فكرة تقليص حضور ممثلي الأمة، والإكتفاء بتواجد رؤساء الفرق البرلمانية، وانتداب عضوين عن كل فريق يعد خرقا للدستور، لأن التصويت حق شخصي، مما يجعل القرارات المتخذة من طرف المجلسين بهذه الصيغة غير دستورية".

مقترحا ونظرا للظرف الاستثنائي أن "يكتفي البرلمان بافتتاح دورته شكليا فقط، ليجيز للحكومة إصدار المزيد من مراسيم القوانين".

في المقابل رفض الدكتور أحمد مفيد الأستاذ الباحث في القانون الدستوري، هذا الطرح، مؤكدا أن "انعقاد البرلمان في هذه الدورة العادية، هو إلتزام دستوري لا يمكن التحلل منه"، لأن "البرلمان هو المختص بسلطة التشريع، والحكومة تشرع في مجال القانون بشكل استثنائي خلال الفترة الفاصلة بين الدورات"، كما أن "مراسيم القوانين التي تصدرها الحكومة خلال هذه الفترة يجب أن تعرض وجوبا على البرلمان بقصد المصادقة خلال أول دورة موالية عادية. ومرسوم الطوارئ بدوره الذي صدر خلال الفترة الفاصلة بين الدورتين ينبغي أن يعرض على البرلمان للمصادقة عليه".

وأضاف أن "الحكومة لا يمكنها التشريع بمقتضى مراسيم قوانين خلال الدورات العادية، ولا يمكن للبرلمان افتتاح الدورة العادية لشهر أبريل شكليا من دون ممارسة فعلية لاختصاصاته الدستورية، الأمر الذي يحتم انعقاد البرلمان للمصادقة على مشاريع القوانين التي تقدمها الحكومة والتي ستمكنها من اتخاذ مجموعة من التدابير لمواجهة مخلفات جائحة كورونا. ولهذا، فانعقاد البرلمان في هذه الحالة سييسر عمل الحكومة، خصوصا إذا تم اعتماد ما يسمى بـ "الليونة التشريعية" التي تفرض ضرورة اعتماد القوانين في أقل وقت ممكن".

وبخصوص تخفيض نسبة حضور البرلمانيين، فقد اعتبر أن ذلك "لا يطرح أي مشكل دستوري، على اعتبار أن التصويت على القوانين العادية لا يتطلب أغلبية معينة، وإنما أغلبية الحاضرين فقط، وهي أغلبية نسبية".

 

أجندا تشريعية حافلة

بعدما انتصر الاتجاه المؤيد لعمل البرلمان بشكل عادي خلال فترة الطوارئ الصحية، يبدو أن هناك أجندا تشريعية حافلة تنتظره، من بينها المصادقة على مراسيم القوانين التي أصدرتها الحكومة خلال الفترة الفاصلة بين الدورتين وعلى رأسها مرسوم الطوارئ، الذي طرح عدة اشكاليات عملية عند تنزيله، أهمها تركيزه على الجانب الزجري، وعدم التدرج في اعتماد العقوبات التي تضمنها. وهو ما ساهم في نتائج عكسية، تمثلت في تضاعف عدد الموقوفين لخرقهم حالة الطوارئ الصحية، فضلا عن مشروع مرسوم بقانون يتعلق بتجاوز سقف التمويلات الخارجية ، والذي أثار جدلا، إلى جانب اعادة احياء مطالب المصادقة على مقترح قانون العفو الشامل على معتقلي الحراكات الاجتماعية التي عرفها المغرب مؤخرا، وغيرها من مشاريع ومقترحات التعديلات التشريعية الكفيلة بمواجهة انعكاسات حالة الطوارئ الصحية على المجال الاقتصادي والاجتماعي.

وقد تميزت الكلمة الإفتتاحية للدورة الربيعية التي تلاها رئيس الغرفة الأولى بإشارات واضحة حول طريقة عمل البرلمان المغربي خلال الفترة الراهنة، حينما اعتبر أن "المهمة الأساسية الآنية اليوم هي مواجهة الجائحة وتداعياتها"، مضيفا أن "هذا يعني وضع الإختلاف جانبا وتأجيل التدافع السياسي المشروع، وتأجيل التقييم"، مسجلا أن "السياق سيفرض نفسه على الدورة التشريعية، التي علينا أن نجعل أشغالها، من حيث التنظيم والترتيبات والحضور، ملائمة للسياق والظروف الاستثنائية، مع الحرص على الاحترام الدقيق لمقتضيات الدستور وأحكام النظام الداخلي".

 

مواضيع ذات صلة

المغرب يعلن حالة الطوارئ الصحية: احترام مبدأ الشرعية الجنائية في زمن "الطوارئ الصحية"

وضع الكمامات إلزامي في المغرب: تدابير زجرية قبل التأكد من توفيرها

بالمغرب متابعة أكثر من 1000 شخص بسبب خرق قانون الطوارئ

وزير الداخلية يتعسّف في استعمال سلطته مستغلّاً الكورونا

قراءة لقرار شورى الدولة الفرنسي حول تدابير الحدّ من انتشار كورونا أي دروس لحماية الحقوق والحريات الأساسية في لبنان؟

لبنان والأردن أمام تحديات الوباء: ما العمل في ظل أزمة صحية ومعيشية بغياب فرص الاستدانة؟

ضبابية الرؤية الدستورية في زمن الكورونا صراع السلطات يتفاقم في تونس

 

 

 

انشر المقال

متوفر من خلال:

المرصد البرلماني ، المغرب ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *