استقلال القضاء وحق المرأة بالمساواة في معركة واحدة (1/2): “حين اصبح عرض قضايا اجتماعية امام القضاء مرتبطا بالدفاع عن استقلاله”


2012-04-05    |   

استقلال القضاء وحق المرأة بالمساواة في معركة واحدة (1/2): “حين اصبح عرض قضايا اجتماعية امام القضاء مرتبطا بالدفاع عن استقلاله”

 
بمناسبة صدور كتاب للقاضي جون قزي بعنوان: "رحلة العمر الى الجنسية" ومعاودة البحث عن حق المرأة في منح جنسيتها، المفكرة القانونية تنشر على موقعها الالكتروني مقالا من جزئين تحت عنوان: "استقلال القضاء وحق المرأة بالمساواة في معركة واحدة". الجزء الاول يصدر اليوم وهو يستعيد اهم احداث قضية سميرة سويدان وتفرعاتها، فيما يصدر الجزء الثاني يوم الاثنين 9 نيسان (ابريل) 2012 وهو يتناول ابرز اشكال المواجهة الحاصلة حاليا ومنهاكتاب "رحلة العمر الى الجنسية" بهدف تكريس استقلال القضاء وحق المرأة بالمساواة. كما يجدر التذكير بان المفكرة تنظم بالتعاون مع منظمة كفى وحملة "جنسيتي حق لي ولاسرتي" ندوة لمزيد من التباحث والنقاش يوم الاربعاء 11 نيسان (ابريل) 2012.

في 16 حزيران 2009، صدر حكم عن محكمة جديدة المتن (برئاسة القاضي جون قزي وعضوية القاضيتين رنا حبقا ولميس كزما) يتيح لأم لبنانية (سميرة سويدان) منح جنسيتها لاولادها القصر من اب اجنبي (مصري) متوف. وللحال، احتل الحكم حيزا هاما واستثنائيا في الخطاب العام، وانقسمت الآراء حوله وحول رئيس المحكمة التي اصدرته بين مصفق بحرارة لشجاعته او معارض بعنف للاجتهاد رغم وضوح النص. وما لبث ان لجأت السلطة بمعناها الواسع الى نقض الحكم في مختلف ابعاده في سلسلة من الخطوات التي بدت وكأنها جزء من مخطط متماسك: فالى جانب المسار القضائي المتمثل باستئناف الحكم وفسخه، لم يتردد نائب من التشهير برئيس المحكمة في مؤتمر صحافي كما رفض وزير العدل آنذاك اعطاءه الاذن  بالمشاركة في ندوات ومؤتمرات عدة، ووصل الامر الى حد احالته الى التفتيش القضائي على خلفية كلمة القاها في مناسبة تلقيه جائزة بحقوق الانسان. وقد بلغت هذه الخطوات اقصاها مع نقله من محكمته واقصائه تاليا عن موقع القرار. وبعدما يقارب ثلاث سنوات، يرد القاضي بكتاب (رحلة العمر الى الجنسية) ليعود ومعه قضية حق المرأة بمنح جنسيتها الى وسط الخطاب العام. ان يقصى قاض عن محكمته وان يشهر به لانه اقر حق المساواة للمرأة، يعني ان استقلال القضاء وحق المرأة بالمساواة باتا جزءا من معركة واحدة. وفي هذا الاطار، تحاول المفكرة في مقال اول اعادة رسم ابرز مراحل هذه المعركة لما لها من رمزية فائقة وتحليلها من خلال عدد من المقالات المنشورة سابقا والتي تمت اعادة تبويبها وتنقيحها، لتواكب في مقال ثان من ثم المواجهة التي يعكسها الكتاب من دون ان تتوقف عنده.
القاضي اذا اجتهد[1]
بتاريخ 30-6-2009، اعلن النائب فؤاد السعد موقفا غاضبا ازاء الحكم سميرة سويدان. وقد بدا النائب كانه لا يعرف اين يصوب سهامه: فهو تارة يتناول القاضي بعبارات تنم عن ازدراء كبير، فهو فعل ما فعل لغايات سياسية في فترة الانتخابات وايضا لانه يعشق السبق الصحافي. وهو طورا يطعن في النيابة العامة التي تركت الامر للقاضي، كما يطعن في السياسيين الذين يتركون المجال مفتوحا امام القاضي لتحقيق مآربه، وعلى رأسهم وزير الداخلية زياد بارود الذي رفض استئناف الحكم، او ايضا النواب الذين يلزمون الصمت كان شيئا لم يحدث. ومن يقرأ بيان النائب السعد يشعر بانه في حالة هلع، في حالة استنفار: فهو يرى مخاطر لا يراها احد سواه، تماما كما تفردت كاهنة طروادة «كساندرا» في رؤية حريق المدينة. وهو يريد ان يوقظ همم الامة جمعاء لتعي خطورة ما يراه: ثمة قاضيا اجتهد في تفسير النص! ثمة قاضيا تجاوز حرفية النص، فمنح اما لبنانية حق منح الجنسية لابنائها! يا للخطر الداهم! فاذا لم يوقَف هذا القاضي عند حده، سيتحول الى فجوة في حصن المدينة، يتسلل (وتعبير التسلل هو للنائب السعد) منها الاغراب ابناء الارحام اللبنانية (ومن وراء ظهر النظام المعارض للتجنيس) فينالون جنسية امهاتهم!
واذا جاء موقف وزير العدل ابراهيم نجار اقل حدة واكثر اتزانا، الا انه بالكاد يخفي استياءه من الحكم ومن كيل المدائح للقاضي: فالتغطية الاعلامية للحكم مبالغ بها (وهو استعادة لفكرة السبق الصحفي) ولا اجتهاد عند وضوح النص (وتاليا نفهم ان القاضي اخطأ وهو يستحق التأنيب لا الثناء)، والدولة قد «تضطر» باية حال الى استئنافه (بما ينزع عن الحكم مشروعيته بشكل كامل). وقد انعكس فعليا هذا الاضطرار استئنافين قدمتهما تباعا النيابة العامة متجاهلة انه سبق ان تركت الامر لتقدير المحكمة ومن بعدها الدولة متجاهلة ترحيب الوزير المختص (وزير الداخلية) بالحكم!
والواقع ان هذه المواقف المعلنة التي تتناقض تماما مع الترحيب الواسع الذي لقيه الحكم في الاعلام والمجتمع المدني انما تؤول ليس فقط الى المس بقضية المرأة وحقها في منح الجنسية (وهي القضية التي يركز عليها الاعلام والجمعيات في تصديهما للخطاب) انما في الوقت نفسه، وربما بدرجة اكبر، الى ردع القضاء عن تقويم القوانين او تفسيرها، خلافا لرغبات النظام، مع ما يستتبع ذلك من تضييق لدوره ولمساحات التفكير القانوني.فهل يكون القضاء مجرد ناطق باسم السلطة، ضامنا لمشيئتها ام ان من شانه ان يصبح منبرا، بل مسرحا تُعرض امامه القضايا الاجتماعية في صيغة قانونية على نحو يوسع قاعدة التفكير القانوني ويمكن المجتمع من اقلمة قوانينه بشكل مستمر على ضوء التطورات الحاصلة فيه؟
فبالفعل، من الواضح ان غضب السعد يهدف الى ردع القاضي عن الخروج عن الاطار التقليدي للوظيفة القضائية. فالقاضي هو خادم لنص القانون الذي حدد بوضوح الحالات التي يمكن فيها الام نقل الجنسية (وهي حالة الام المجنسة لبنانية التي يتوفى زوجها الاجنبي واولادها لا يزالون قصرا).
وتاليا، لا مجال لتحليل هذا النص او تفسيره على النحو الذي يجعله اكثر توافقا مع المبادئ القانونية، كمبدأ المساواة مثلا. وهذا الامر يعني ليس فقط ان «لا اجتهاد عند وضوح النص» بل ايضا ان لا اجتهاد حتى لو بدا النص الواضح بذاته جائرا او غير قابل للفهم على ضوء المنظومة والمبادئ القانونية ككل. فللمشرع وحده حق تعديل نصوصه، وله وحده حق تقويم مدى انسجام القوانين في ما بينها. اما القاضي، فهو خادم للنص الواضح وتاليا للسلطة التي تضعه. واذا تماشى موقف السعد عموما مع الموقف التقليدي للسلطة اللبنانية، وتحديدا مع موقف كبار القضاة، فان حدته توحي بان النائب لا يكتفي باعلان موقف او رأي، بل يدعو النظام ككل الى التحرك لردع القاضي الذي تؤشر احكامه الى ان له فهما اخر لوظيفته، الى ردع القاضي لئلا يتحول الى مثال يحتذى من جانب اقرانه، واهم من ذلك لئلا يخرج الفهم الحديث للوظيفة القضائية من حيز التابو الى حيز المسائل القابلة للنظر.
ومن هذا المنطلق، تصبح الاساءة الخطابية الى القاضي والطعن في مزاياه واستقلاليته امرا ضروريا، يزداد الحاحا بقدر ما يزداد الوهج الاجتماعي لحكمه: فالهجوم خير وسيلة للدفاع: وبدل ان يكون هذا القاضي مثالا يحتذى به، عليه ان يصبح عبرة لمن اعتبر: وبدل ان يكون الترحيب الاعلامي مؤشر نجاح وعلامة قبول اجتماعي (قد يشجع قضاة اخرين على السير في مساره)، يقتضي اظهاره على انه وصمة عار على جبين هذا القاضي الذي يعشق السبق الاعلامي خلافا للمناقبية القضائية. ولا بأس في سياق كل ذلك من اتهامه بالتسييس منعا لتضامن القضاة ذوي التوجهات السياسية المغايرة من التضامن معه عملا بمبدأ "فرق تسد".
وانطلاقا من ذلك، يظهر خطاب النائب بوضوح عمق المجابهة بين فهمين مختلفين للوظيفة القضائية:
 فهم تقليدي قوامه ان القاضي خادم لنص القانون وللسلطة التي تضعه، واحيانا كثيرة، وباسم موجب التحفظ، شاهد زور على اعمالها. وهذا الفهم تتبناه السلطة بمعناها الواسع (السلطة السياسية وكبار القضاة الذين يتحكمون في المؤسسات القضائية)،

– فهم حديث وقوامه ان للقاضي هامشا واسعا في تقويم القوانين وتفسيرها على النحو الاكثر ملاءمة للمصلحة الاجتماعية، وله تاليا دور ريادي في تطوير القوانين واعادة الانسجام اليها (وهذا ما حاول القاضي القيام به). وهذا الفهم يستند الى مستلزمات الحياة الحديثة (تعقيدات الحياة الحديثة، وتسارع التطور الاجتماعي على نحو يعجز المشرع عن اللحاق به، وحماية الاقليات ازاء تعسف الاكثرية) ولكن ايضا الى تطور وسائل عمل القاضي (تطور العلوم الانسانية واليات التاويل، تكريس مفهوم المبادئ القانونية كضابط للعمل التشريعي، تعدد مصادر التشريع وعلى راسها المعاهدات والاتفاقيات الدولية التي تعلو القوانين). وبذلك، ودون ان يصبح القاضي حرا من اي قيد، فان ولاءه ينتقل من المشرع الى المجتمع: فمرجعيته ليست النص انما قبل كل شيء مصلحة المجتمع ومستوى وعيه والتي تمثل المعايير الاساسية التي يجري على اساسها تفسير النص القانوني ومقارعته عند الاقتضاء، بسائر النصوص والمبادئ العامة التي تناقضه. وهذا ما حمل عددا من اعلام التفكير القانوني في اوروبا (ابرزهمFrançois Ost) الى القول بان القضاء يشهد تحولا اساسيا في وظيفته منذ منتصف القرن العشرين مفاده الانتقال من وظيفة خادم القانون الى وظيفة الرائد الاجتماعي مع ما يستتبع ذلك من تعديل جذري في منطلقاته ووسائل عمله، احداها بالطبع التخلي تماما عن مبدأ «لا اجتهاد عند وضوح النص» فلا نص يصمد بذاته امام تطور المعايير والوسائل المشار اليها اعلاه. وهذا ما لحظه عدد من الفقهاء الفرنسيين الذين سجلوا ان محكمة التمييز الفرنسية احجمت عن الاشارة اليه منذ عقود. ومن هذا المنطلق، يبدو صدور هذا الحكم، في فترة شهد فيها حق الرحم بمنح الجنسية نضجا كبيرا على مستوى الوعي الاجتماعي (ندوات، اعتصامات، مشاريع قوانين)، احد ابرز تجليات هذا الفهم الحديث للوظيفة القضائية.
ولعل اسوأ ما في هذه المواجهة بين الفهمين المذكورين، انها تدور حتى اللحظة، ليس بشكل عقلاني فكري انما بشكل سلطوي قوامه الردع والاساءة وفرض الفهم التقليدي للوظيفة القضائية وكأنه امر حتمي مسلم به لا يمكن تصور ما يخالفه، مع ما يستتبع ذلك لجهة ابقاء الرأي الاخر في عداد الممنوعات التي لا يجوز حتى التفكير فيها.
واذا مثل خطاب النائب السعد مؤشرا الى هذا الامر، فان الامعان في عمل المؤسسات القضائية وفي اعمال وزارة العدل يظهر ان هذا الخطاب ليس سوى الجزء الظاهر من خطاب عام طاغ، خطاب عام يشتد قسوة بقدر ما تزداد مظاهر الممانعة حضورا. ويكفي في هذا الصدد التذكير على سبيل المثال بتلويح وزارة العدل بالملاحقة المسلكية على خلفية نشر حكم قضى بنقل طفل من منزل والده صاحب الحضانة شرعا الى منزل والدته المطلقة منه، عملا بمصلحة الطفل الفضلى، وذلك بحجة الحؤول دون التعرض لصلاحية الطوائف (!!). بل بلغ بيان وزارة العدل اذ ذاك مستوى عاليا من القسوة قوامه التلويح باتخاذ عقوبات مسلكية، ليس فقط في حق القاضي الذي اتخذ القرار بل ايضا بحق من سربه الى الاعلام (10 تشرين الثاني 2007)! وهنا، يلحظ القارئ، ومقارنة بخطاب السعد، ان اعنف ردات الفعل على الاحكام القضائية تأتي بمناسبة احكام آلت الى تكريس حقوق الطفل والمرأة.
وبالطبع، هذا الانحياز للفهم التقليدي للوظيفة القضائية (وهو بالمناسبة انحياز فكري لا يستند الى اي نص صريح جازم) ليس بريئا، بل هو يمثل ترسيما لحدود مبدأ فصل السلطات على نحو يوسع صلاحيات الطبقة السياسية على حساب القضاء، وتاليا تضييقا لمجالات الخطاب القانوني ازاء الخطاب السياسي بما فيه من اقصاء وجمود.
واثباتا لذلك، يكفي الامعان في الاجواء المؤثرة في الحكم (اعتصامات ومظاهرات وندوات ومشاريع قوانين لاقرار حق الام بمنح الجنسية) ولكن ايضا في انعكاساته (نشر الحكم وتعليقات عليه في مجمل وسائل الاعلام الرئيسية، ابراز القضاء ومرجعية القضاء بعد فترة من الاخبار الآيلة الى نزع الثقة عنه، عده انتصارا هاما لقضية المراة، تحفز الامهات الموجودات في الظروف نفسها للجوء الى القضاء، بل نقل اخبار ولو على سبيل المداعبة بشأن رغبة بعضهن في نقل نفوسهن من منطقة الى اخرى للاستفادة من توجه القاضي، امتناع وزير الداخلية عن استئناف الحكم، تحفز رئيسة لجنة المرأة والطفل جلبرت زوين في اعادة تفعيل مشروع القانون المجمد في ادراج اللجنة في الاتجاه نفسه الخ..
وهذا ان دل على شيء، فعلى مستوى تفاعل يكاد يكون نموذجيا بين القضاء والمجتمع:
فالمجتمع هو في قلب القضاء، الذي يتأثر حكما في توجهاته وتحركاته، فيأتي حكمه كنتيجة لبلوغ المجتمع مستوى من الوعي بشأن المساواة بين المرأة والرجل وتحديدا بشأن حق الام بمنح الجنسية لابنائها، الذي اجتاز مسافات خلال السنوات الماضية.
واذا بدت الام الفائزة بالحكم قبل صدوره كأنها لا تعلق امالا كبرى على الدعوى، فهي بدت (اقله قبل خطاب السعد) بعد صدوره (اقله حتى فسخه من محكمة الاستئناف) الداعي الاول الى لجوء قريناتها الى القضاء لترسيخ المكسب المذكور. واذا جهدت الجمعيات سابقا في "اللوبيينغ" بما يشبه حملة علاقات عامة بالقرب من السياسيين بهدف تعديل القانون بعيدا عن المحاكم، فان الحكم شكل بالنسبة اليها مدعاة لاعادة التفكير في استراتيجياتها، ولا سيما لجهة تعزيز الرهان على مسرح القضاء، كخير مسرح لعرض قضاياها الاجتماعية. فـ«تتسلل اليه» (الامهات والجمعيات على راية النائب سعد) مدعمة باحدث ما وصل اليه الفكر القانوني، فتقول ما تقوله، وترد عليها الدولة بما لديها من دفوع، مع ما يستتبع ذلك من حراك مجتمعي بارز، محوره الخطاب والمنطق القانونيان. وليس من المضمون بالطبع ان تنتزع الامهات والحركة النسائية الجنسية في مجمل الدعاوى التي قد تتقدم بها (فالقاضي الناظر في الدعوى ليس دائما رائدا ولا دائما مقتنعا بالقضية كما ان ضمانات استقلاليته منقوصة قانونا)، ولكنها بالتأكيد، تنتزع امرين يميزان تحركها قضائيا عن اي تحرك اخر: فهو التحرك الوحيد الذي يلزم الدولة الاعلان عن موقفها منه من خلال المحاكمة، وهو التحرك الوحيد الذي يتوجه الى سلطة رسمية (القاضي) تكون ملزمة باجابته او رفضه بقرار معلل قانونا.

ويكفي لادراك اهمية ذلك، مقارنته بمواقف السلطة التنفيذية ازاء المطلب ذاته: فهي اما تصم اذانها او تقول الشيء ونقيضه (مشروعي قانون بارود بشأن الجنسية) او تركُن الى البيروقراطية تمييعا للمسؤولية ومعها للقضية (الامتناع عن وضع المشروع على جدول اعمال اللجان النيابية او مجلس الوزراء) او تعلل مواقفها على نحو غير قانوني (اقتراح نعمة الله ابي نصر باضافة بند التعامل بالمثل دون التنبه الى ان حق منح الجنسية يتوجه الى مواطنات لبنانيات وان البند المذكور يتصل فقط بالحقوق الممنوحة للاجانب، الخ..). علما ان هذه هي حال السلطة التنفيذية في مجمل القضايا الحساسة، التي يبقى القضاء عمليا المرجع الرسمي الوحيد القادر للنظر فيها. فمن منا لا يذكر حكم مارسيل خليفة الصادر في موازاة تجنب السلطة اتخاذ اي موقف يبدو موجها ضد دار الافتاء (القاضية غادة ابو كروم)؟ ومن منا لا يذكر حكم حاطوم بشان اعلان الخطف جرما متماديا غير قابل للعفو في ظل اغفال السلطة لهذه القضية بهدف طي صفحة الماضي (القاضي الراحل جوزف غمرون)؟ او ايضا مواقف القضاة المشرفة لجهة استبعاد النص القاضي بترحيل اللاجئ في لبنان لتعارضه مع المادة 14  من الاعلان العالمي لحقوق الانسان ومع معاهدة منع التعذيب التي تمنع ترحيل شخص الى بلد قد يتعرض فيه للتعذيب؟ او ايضا مواقف القضاء بشان منح المرأة الاجيرة التعويضات العائلية لدى صندوق الضمان الاجتماعي عملا بمبدأ المساواة نفسه الذي تجرأ الحكم موضوع هذا المقال فاستشهد به؟
وبالطبع، موقع القضاء كمسرح يزداد اهمية ومشروعية على قدر ما يكون القاضي مستقلا وقادرا على التوسع في تأويل النص. فعلى قدر ما يكون القاضي كذلك، على قدر ما يتحفز المواطن على اللجوء اليه، وعلى قدر ما يتحفز المحامي على تطوير خطابه القانوني وعلى قدر ما يتحفز الاعلام على متابعة القضايا وافراد مساحات واسعة لها لما فيها من اثارة واشكالياتintrigue . فبذلك يصبح القضاء مسرحا للاراء على تنوعها ومختبرا رياديا للحلول وتاليا الباب الاكبر لاقتراح قوانين انطلاقا من مشاكل واقعية ويصبح القانون (الذي استوردناه او نقلناه او كتبناه دون تفكر او حماية لبعض المصالح) مجتمعيا حيا وليس مجرد نص جامد. وهذا هو تحديدا ما اراد النائب فؤاد السعد كبحه ليبقى النص جامدا على صورة النظام الذي وضعه.
بقي ان نذكر لمن نسي ان النائب فؤاد السعد هو نفسه الذي استبقى تقرير اللجنة المكلفة تحديد مصير المفقودين في ادراجه طوال سنوات، صاما آذانه عن اي مطالبة، بما يمثل احدى ابرز الاهانات للناس نزولا عند مقتضيات السياسة. فهل من يشك بعد في نبوءات الكاهنة كساندرا؟
2- محكمة الاستئناف تغلق ابواب الاجتهاد… ضد "النظام"[2]
بتاريخ 18-5-2010، فسخت محكمة استئناف المتن بالتوافق (وهي مؤلفة من السيدات ماري دنيز المعوشي ويولا سليلاتي وسهجنان حاطوم) الحكم الابتدائي. والواقع ان القرار الاستئنافي آل ليس فقط الى نقض النتيجة التي توصلت اليها المحكمة الابتدائية في مسألة الجنسية، بل هو ايضا، وبالدرجة الاولى، الى نقض النهج الاجتهادي الذي سلكته بدفع من رئيسها القاضي جون قزي، في اتجاه تضييق الوظيفة القضائية في مختلف المجالات الحقوقية. وهو من هذه الوجهة، لا يبقي اللامساواة قائمة ضد المرأة عملا بالنظرة التقليدية الدونية اليها (وهذا ما تناولته التعليقات الاعلامية بشكل عام) وحسب، انما يعكس، وبالدرجة الاولى، نظرة دونية الى القاضي والى وظيفته الاجتماعية وفق ما نتبينه من مقارنة الحكمين الابتدائي والاستئنافي والحجج اتي تضمناها. وقبل المضي في عرض ذلك، تجدر الاشارة بداية الى ان المحكمة قد قبلت فقط الاستئناف الذي قدمته الدولة، وان الوزير المختص الذي كان بامكانه العدول عن هذا الاستئناف او وقفه في اي حين، هو تحديدا اول المرحبين بصدور الحكم بل بتهنئة القاضي عليه، الامر الذي يعكس الباطنية والمجاملة في قلب الدولة.    
موقف المحكمة الابتدائية: 
هنا، نسجل ان المحكمة الابتدائية عمدت الى تأويل قانون الجنسية بعدما تبينت ان ثمة غموضا فيه. فازاء البند الآيل الى منح الام اللبنانية "بالتجنيس" حق اعطاء جنسيتها لابنائها القاصرين في حال وفاة والدهم، "سطعت في ضمير المحكمة" مسألة اساسية: لماذا خص القانون بالذكر الام اللبنانية بالتجنيس دون الام اللبنانية بالاصل؟ فعلى فرض القبول بالتمييز بين الوالدين على اساس الجنس، هل يعقل اعطاء الاولى  حقوقا اكبر من الثانية لهذه الجهة؟ وازاء هذه الاسئلة، ورغم تسليمها بان "لا اجتهاد عند وضوح النص"، رأت المحكمة ان ثمة غموضا يشوب "النص القانوني" مما يستدعي التوسع في تأويله، في سبيل استخراج ما اسمته "النية المفترضة للمشرع" وتاليا اعادة الانسجام الى المنظومة القانونية. ولهذه الغاية، استخدمت المحكمة اصول المنطق (القياس والاستنتاج من باب اولى) فضلا عن المبادئ العامة والتوجهات الدستورية والدولية في هذا المجال، لتخلص الى تأويل النص على انه يشمل ايضا، ومن باب اولى، اللبنانية بالاصل. وبذلك، وخلافا لما اثاره البعض، فان المحكمة بنت حكمها على قواعد التاويل للنص المعني فقط: وبالفعل، فان "الضمير" لم يذكر كحجة للمحكمة انما فقط كعلامة معترضة ليس بالامكان تفاديها. كما ان المحكمة لم تعمد الى استبعاد قانون داخلي عن طريق تغليب المعاهدات والمواثيق الدولية الرافضة للتمييز انما فقط الى تجاوز غموضه على ضوء التوجهات العامة الناجمة عنها. هذا مع العلم ان المحكمة تعمدت الاعلان في متن حكمها عن نظرتها لدور القاضي الريادي، فهي لا تكتفي بقراءة النصوص وتطبيقها، بل هي تتفكر وتتساءل بشان مدى عدالتها، وتستخدم كل ما لديها من ادوات في تفسير النصوص على النحو الاكثر تجاوبا مع هذه التساؤلات، فالا يستمد القاضي "سلطته من المجتمع ويحكم باسمه بغية درء ما قد يجتاح استقراره من عورات وثغرات"؟
موقف المحكمة الاستئنافية:
وعلى نقيض ذلك تماما، آل القرار الاستئنافي الى فسخ الحكم المذكور سندا لامرين اساسيين:
الاول، ان لا غموض يشوب النص مما يمنع القاضي من امكانية تأويله. ولاثبات ذلك، بينت المحكمة المبررات التاريخية لتخصيص اللبنانية بالتجنيس بحق منح الجنسية، في متن القرار 15/25 (الصادر في 1925): فهذا الحكم مبرر اصلا بمبدأ "توحيد جنسية العائلة" وكان ينطبق فقط على اولاد المرأة التي تكتسب الجنسية اللبنانية تبعا لزواجها من لبناني، وتحديدا على اولادها القاصرين المولودين من زواجها السابق بشخص غير لبناني، بحيث يتولى اعالة هؤلاء، في حال وفاة والدهم، والدة وزوج والدة لبنانيان فيما هم ليسوا كذلك. بالمقابل، فانه لم يكن عند وضع قانون الجنسية لهذا المبدأ اي انتاجية بالنسبة الى اولاد المرأة التي اكتسبت الجنسية اللبنانية بالولادة، من والد غير لبناني، ففي هذه الحالة، كانت هذه المرأة تفقد جنسيتها اللبنانية عند اقترانها بهذا الاخير ولا يكون تاليا من حيث المبدأ لها او لاي من افراد عائلتها هذه الجنسية. وبنتيجة ذلك، تكون نية المشرع، ومعها النص، واضحة جدا عند وضعه، مما ينفي الحاجة الى تأويله، بمعزل عن تحولات الظروف الاجتماعية الحاصلة منذ ذلك الحين. وبكلمة اخرى، اذا كان النص واضحا عند اقراره، يبقى القاضي، وفق محكمة الاستئناف، مقيدا به حتى ولو ورد النزاع العالق امامه بعدما يقارب مائة عام بل حتى ولو ثبت ان جميع المعطيات والمبررات القانونية المؤسسة له قد تعدلت منذ ذلك الحين على نحو يجعله مبهما وغير واضح. وهكذا، ذكرت محكمة الاستئناف "ان المرأة اللبنانية لم تعد تفقد جنسيتها في الحالة المذكورة بموجب قانون 11-1-1960" – وهو امر يفقد التمييز سبب وجوده- من دون ان يولد لديها ذلك اي تساؤل بشأن مدى وضوح النص موضوع الدعوى او مدى انسجام استمرار التمييز مع مبدأ توحيد جنسية العائلة. والواقع ان لاختلاف المرجعين الابتدائي والاستئنافي في هذا الصدد ابعاد جد هامة على صعيد الوظيفة القضائية: فان يكون القاضي محكوما بحرفية النص على هذا الوجه، يعكس نظرة جد ضيقة لوظيفة القاضي، تجعله بمثابة خادم اعمى للنص الذي يطلب منه تطبيقه حتى ولو اصبح مناقضا لمبررات وجوده او غير منسجم معها، بل حتى ولو اصبح مناقضا للعقل والمنطق والضمير. وانطلاقا من ذلك، رأت محكمة الاستئناف ان منح الام اللبنانية بالاصل حق اعطاء الجنسية بغياب اي نص صريح باعطاء هذا الحق، انما يشكل تعديا على صلاحيات الطبقة السياسية (رئيس الجمهورية) الذي هو وحده يمنح الجنسية خارج الحالات التي تعطى حكما بموجب القانون.              
اما السبب الثاني الذي افصحت عنه محكمة الاستئناف لفسخ الحكم الابتدائي، فقد جاء ردا على اشارة الحكم الابتدائي للدستور والمواثيق او الاتفاقات الدولية (ولا سيما مبدأ المساواة المكرس في المادة 7 من الدستور ومبدأ عدم التمييز المعلن عنه في العهد الدولي للحقوق السياسية والمدنية) في تفسير النص المشار اليه اعلاه على نحو يزيل الغموض الوارد فيه ويجعله منسجما معها. والواقع ان هذا الرد تجاوز ما يتطلبه النظر في الطعن في الحكم الابتدائي فبدا وكأنه مجرد استفاضة في التعليل وذلك من وجهات ثلاث:
الاولى، ان النظر في مدى وضوح النص وفق ما بيناه اعلاه كان كافيا لتجريد المرجع الابتدائي من حق التأويل وتاليا لفسخ حكمه طالما ان هذا الاخير كان سلم بعدم جواز ذلك في حال وضوح النص ولم يمض في استلهام المواثيق الدولية الا بعدما رأى غموضا فيه، والثانية، ان محكمة الاستئناف لم تنظر فقط في مدى جواز تفسير النصوص الداخلية على اساس الدستور والمواثيق او الاتفاقات الدولية، انما ايضا في مدى جواز استبعاد قانون داخلي على اساس احد هذه النصوص، وهي مسألة لم يلجأ اليها المرجع الابتدائي اطلاقا، والثالثة، وهنا تكمن احدى اخطر نقاط القرار، ان المحكمة قررت انه ليس بامكان القضاء تطبيق اي من مواد المواثيق الدولية لاستبعاد قانون داخلي، وهو قرار يناقض اجماع الفقه والاجتهاد في هذا الصدد. فما عدا ما بدا؟ ولماذا ذهبت المحكمة الى اعلان هذا الموقف "المتطرف" في قضية بالغة الحساسية تحظى بتغطية اعلامية واسعة، وفيها اصلا ما يكفي من مسائل مثيرة للجدل، وكل ذلك من دون ان يكون هنالك اي حاجة لذلك؟ ولا اجد جوابا لذلك الا، ان المحكمة الاستئنافية ارادت من خلال هذه الدعوى، ليس فقط فسخ الحكم، انما قبل كل شيء الرد على اعلان القاضي الابتدائي لدوره الريادي، باعلان اكثر قوة ووضوحا مفاده تجريد القاضي من اي دور مماثل. وكأنها بذلك توجه رسالة مزدوجة تنسف مفاعيل الحكم الابتدائي برمتها: رسالة الى القاضي تدعوه الى ممارسة اعلى قدر من التحفظ وتثنيه عن اي دور ريادي، واخرى للمجتمع المدني تثنيه عن التصفيق لأي قاض، بل عن المراهنة على اي قاض لتحقيق اي مكسب اجتماعي. فالمرجعية الوحيدة الجديرة بهذا الاسم هي المرجعية السياسية (وفي لغة الشارع: زعماؤكم)، اما القاضي فهو مجرد خادم للقانون وتاليا للسلطة التي تضعه، وعليه ان يطيعها من دون اي موقف نقدي. ولا بأس في هذا الصدد من الاستفادة من التغطية الاعلامية المرتقبة لقرارها لاعطاء هذه الرسالة اوسع تغطية ممكنة. وخير دليل على هذا التوجه هو اصرارها على تعداد الاتفاقات الدولية المقصودة واحدة فواحدة، فهي تشمل المواثيق الدولية كميثاقي الحقوق السياسية والمدنية والحقوق الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والاجتهاد الدولي والعرف الدولي، وبكلمة اخرى ابرز الادوات التي يستخدمها القاضي على مدار العالم لاداء دور ضابط للقانون الوضعي. وما يؤكد ذلك اكثر فاكثر ان محكمة الاستئناف لم تر مانعا لفسخ الحكم رغم قناعتها بوجوب تعديل قانون الجنسية عملا بهذه المواثيق، وذلك التزاما منها بصلاحية السلطة السياسية التي هي وحدها تحدد الوقت المناسب للقيام بذلك.
وابعد من ذلك، فان الامعان في الحجة القانونية التي اعتمدتها المحكمة الاستئنافية للتوصل الى هذه النتيجة يظهر تفاصيل لا تقل دلالة (بل ربما خطورة) عما سبق. فوفق المحكمة، فان "المادة الثانية من اصول المحاكمات المدنية (اصول المحاكمات المدنية وهي الاصول التي تتبعها المحاكم العدلية) التي اولت الاتفاقات والمعاهدات الدولية مرتبة اعلى من مرتبة التشريع الداخلي قد الغيت ضمنا بموجب المادة 18 من قانون انشاء المجلس الدستوري (1993) التي منعت على المحاكم العدلية مراقبة التشريع الداخلي ان "لجهة دستوريته او لجهة توافقه مع القانون الدولي" (الحيثية بين هلالين وردت حرفيا في متن القرار). والواقع ان اقل ما يمكن ان يقال عن هذه الحجة هو انها تتوسع في تأويل المادة 18 المذكورة وتحملها معنى لا تحتمله طالما ان هذه المادة التي اناطت بالمجلس الدستوري حصرا مهمة النظر في دستورية القوانين، لم تشر، من قريب او بعيد، الى مدى توافق القانون الداخلي مع القانون الدولي (وهو امر يخرج اصلا عن اطار القانون المذكور). وموقف المحكمة في هذا الصدد لافت جدا: ففيما هي انكرت على المحكمة الابتدائية اي قدرة على تجاوز حرفية النصوص القانونية، اذا بها في هذه الحيثية تسمح لنفسها التوسع في تأويل، بل في تحريف المادة 18 الى اقصى حد، وعلى نحو يخالف اجماع الفقه والاجتهاد، كما سبق بيانه. فكيف امكن تفسير هذا التناقض في المواقف؟ بالواقع، التفسير الوحيد المنطقي في هذا المجال يكمن في النتيجة التي يؤول اليها كلا الموقفين، وهي تضييق قدرات القاضي على اداء اي دور ريادي. فمن غير المهم وضع قواعد مبدئية واضحة للاجتهاد في اتجاه او اخر، المهم اعتماد حلول براغماتية من شأنها حرمان القاضي من هذا الدور. وهكذا، اذا وجب اغلاق ابواب الاجتهاد بشكل عام، فالاجتهاد يبقى جائزا في الحالات التي يؤول فيها الى تضييق صلاحيات القاضي في الاجتهاد كما هي حال حرمانه من تطبيق المعاهدات الدولية المخالفة للقانون الداخلي. وبذلك، تكون المحكمة قد دفشت مبدأ فصل السلطات لصالح السلطات السياسية على حساب القاضي الى اقصى حدد ممكن. بل هي قامت بذلك من تلقاء نفسها ومن دون اي حاجة الى ذلك، بل خلافا لاجماع الفقه والاجتهاد. ومنطق المحكمة في هذا الصدد يشابه الى حد كبير منطق المرأة التي لا تقتبل فقط موقعها الدوني، انما تبادر –هي ومن تلقاء نفسها- الى التنازل عن اي صلاحية قد يعطيها اياها القانون اثباتا لهذا الرضوخ.
وفي ظل ذلك، يكتسي خطاب القاضي قزي بمناسبة منحه جائزة من قبل احدى مؤسسات حقوق الانسان في 11-12-2009 اهمية فائقة. ففي هذا الخطاب، ابدى القاضي قزي سلسلة من التساؤلات: "هل يستقيم التطور المجتمعي، اذا ما كان الناس في خدمة القانون، في حين ان الشرط الاساسي لاي ازدهار يستوجب العكس، عبر اخضاع القوانين لمصلحة الناس تسن على هذا الاساس وتفسر ضمن هذا المنحى، وتعدل تبعا لهذه الروحية؟ واذا ما تعثر التعديل الى حد الاستحالة، فما هو الحل؟ وما هو دور القضاء عندها، وهو الملجأ، وهو الحامي، هل ينكفئ بالحياد السلبي او يبادر بالحياد الايجابي؟ هل يخضع لحدود النص بحرفيته وقيوده او يتوسع في المقاربة بما يؤمن مصلحة شعبه الذي يلفظ احكامه باسمه بوكالته عنه؟".. "انا ما فهمت القانون يوما الا مجسدا للحق، خادما له،.. حلمت كثيرا … بسلطة قضائية تستوي بالسلطتين التشريعية والتنفيذية، تستقل ماديا، تحتفظ بمكانها الملائم في ضمير الشعب بما يليق بها.. وتدخل اللاوعي الجماعي بما يظهر الصورة المشرقة.. لطالما حلمت بمجتمع يتجاوز انقساماته ويتوحد حول قضاته وقضائه، الحصن الاخير لرفع كل ظلامة، ولا يسمح بتشويه سمعة من تجرأ على خرق الجدار الطائفي..". وقد عزز هذه التساؤلات بمقدمة تعبر عن رؤيته للقاضي العادل وتاليا عن موقفه بهذه المسائل: "انا حر، انا شجاع، فانا عادل"، "انا عادل عندما افقه ان قليلا من الحق يدفع كثيرا من الباطل"، "انا عادل عندما اكرس حياتي لقتال الظلم ولا اكتفي بالاحتجاج عليه"، "انا عادل عندما لا افهم القانون الا في خدمة الانسان"، "انا عادل عندما لا افسر النص الا بما يأتلف ومصلحة الانسان"، "انا عادل عندما لا اصم اذناي عن سائل"، "الم نفهم بعد، ان السبت هو في خدمة الانسان وليس العكس؟". وقد استعاد عددا من هذه المقولات فيما بعد في مقدمة كتابه "رحلة العمر الى الجنسية".
3- المجتمع المدني امام التشكيلات القضائية: كيف ندافع عن القاضي الذي صفقنا له؟[3]
وكما سبق بيانه، لم تكتف السلطة بمعناها الواسع بفسخ الحكم بل هي اتجهت الى استخدام سلاحها الثقيل ضد القضاة الذين يعاندونها "التشكيلات والمناقلات القضائية": وهكذا نقل القاضي جون قزي رغما عنه من رئاسة محكمته في جديدة المتن الى مركز مستشار في احدى غرف محكمة التمييز، وهو مركز يجعله بمنأى عن ادارة اي ملف قضائي والى حد كبير مجردا من اي سلطة فعلية. وفي هذا الصدد، تجدر الاشارة الى ان غرف محكمة التمييز باتت في مراسيم التشكيلات الاخيرة تؤلف غالبا من رئيس وثلاثة او اربعة مستشارين، بحيث يكون للرئيس عمليا، وجزئيا بفعل الهرمية السائدة داخل القضاء، حق اختيار اثنين منهم للنظر في ملف معين، وتاليا في استبعاد، ساعة يشاء، من قد يراه "اشكاليا" او معترضا، عن النظر فيه. وبفعل ذلك، اصبح نقل اي قاض بدرجة قزي الى هذا المركز من منظور القضاء بمثابة عقوبة، او ايضا بمثابة "استيداع" بانتظار احالته الى التقاعد. وهذا ما تعبر عنه، للاسف، عبارة متعارف عليها في قصور العدل في وصف مراكز المستشارين – وبعضهم يتميز حقا بجدارة وكفاءة عاليتين- لدى محكمة التمييز بالمستودع "DEPOT" الذي ينقل اليه كل من ليس مرضيا عنه.
وبالطبع، تأتي هذه الخطوة كحلقة اضافية من المسلسل الآيل الى نقض حكم "سويدان" في مختلف ابعاده. فالسلطة لا تكتفي بفسخ الحكم، لا تكتفي بنقض التوجه الاجتهادي للقاضي وتجريده من اي مشروعية، انما تريد بالدرجة الاولى ردع اي قاض تسوله نفسه اعتماد توجه مماثل. فالمشكلة ليست في نتيجة الحكم المذكور بحد ذاتها انما في رمزيته وابعاده؛ وهي مشكلة تفرض علاجا من جذورها. فما نفع ان ينقض الحكم في هذه القضية اذا بقي القاضي واثقا من موقفه وحريصا على حقه في الاجتهاد، اذا توسع سواه من القضاة في الاجتهاد في هذا الميدان وذاك، فاخرجوا عشرات الاحكام المناقضة لرغبات السلطة؟ بل ما نفع ذلك اذا باتت قصور العدل قبلة ومنبرا للقوى المطلبية التغييرية للتعبير عن مطالبها بلغة حقوقية، على نحو يجعل القضاء في تواصل دائم مع هذه القوى، وفي موقع الحكم الطبيعي بينها وبين السلطة الحاكمة؟ 
والواقع ان "السلطة" تقدم، من خلال هذه التشكيلات، اثباتا اضافيا على سوء التنظيمات القضائية والتي ما برحت تسمح بنقل القاضي من دون موافقته، على نحو يجرده من احدى ضمانات الاستقلالية الاساسية  ويجعله دائما تحت رحمة القيمين على وضع التشكيلات. فبامكانهم ان ينقلوه حيثما شاؤوا، وربما متى وكيفما شاؤوا، بقرارات استنسابية، وذلك بموجب مشروع تشكيلات يضعه مجلس القضاء الاعلى بالتشاور مع وزير العدل وفق احكام لا تقيم اي اعتبار لموافقته ولا يلزمها اي تعليل. ويلحظ ان مجلس القضاء الاعلى معين في غالبية اعضائه (ثمانية من اصل عشرة) مباشرة من قبل الحكومة، مما يجعله مجردا هو الآخر عن ضمانات الاستقلالية تجاهها واقله مجردا من اي صفة تمثيلية للسلطة القضائية. وبالواقع، هذا التحكم في نقل القضاة لا يخالف فقط مبادئ الامم المتحدةبشأن استقلالية القضاء المعلن عنها في عام 1985 ومعها المبدأ المكرس بعدم جواز نقل القاضي من دون موافقته في غالبية الدول الدستورية في العالم، انما ايضا الدستور اللبناني 1926 والذي وردت في صيغته الفرنسية اشارة الى وجوب تمتع القاضي بهذه الضمانة  garantie d’inamovibilite، وهي ضمانة لا نجد لها اثرا في النسخة العربية لاسباب يصعب اختزالها بخطأ في الترجمة. وهكذا، وفي ظل تنظيم مشابه، كان من الطبيعي ان تشكل التشكيلات سلاحا بيد السلطة بمعناها الواسع من داخل القضاء او من خارجه ضد القضاة، فيسعى كل منهم الى التقرب من اصحاب القرار الجالسين على قمة الهرم والاستقواء بهم للمحافظة على منصبه او الى تحسينه، وغالبا في مواجهة زملاء يتحولون الى غرماء له. سلاحا بيد هذه السلطة لتهديد استقلالية القضاة، للاستفراد بهم وتعريتهم، فيرقى من يجاملها ويهمش من يعارضها. وتشاء الصدف ان يكون احد ابرز ضحايا التشكيلات فيما مضى هو القاضي كبريال المعوشي (والد القاضية ماري دنيز المعوشي رئيسة غرفة المحكمة التي فسخت حكم سويدان والتي هي عينت في وقت لاحق لاصدار القرار الاستئنافي بقرار حكومي في احد اعلى المناصب القضائية كرئيس لهيئة التشريع والاستشارات) والذي نقل هو الآخر بموجب تشكيلات جزئية صدرت في شباط 1980 من رئاسة محكمة جنايات بيروت الى منصب مستشار ثان في محكمة التمييز. وقد جاء نقله آنذاك كردة فعل على انتخابه رئيسا للجنة القضائية المؤقتة والتي انشأها عدد من القضاة للمطالبة بتحسين الشروط المعنوية والمادية للعمل القضائي. وكانت هذه اللجنة قد نجحت في اطلاق حراك لافت شمل مئات القضاة في خضم الحرب، للمطالبة بتحسين شروط عملهم معنويا وماديا، وهو احد الحراكات القليلة التي اجتمع فيها هذا العدد الكبير من القضاة للتعبير عن استقلاليتهم. ويلحظ ان الصحف نقلت بشكل مستفيض آنذاك خبر استهداف الرئيس المعوشي، لا بل ان المعوشي نفسه توجه الى الاعلام للتنديد بالسياسة الرسمية مؤكدا ان نقله "لم يأت عفوا بل انتقاما وتشفيا للمواقف التي اتخذها" و"ان السياسيين تدخلوا في هذه التشكيلات وكأنها اصبحت كوتا" مضيفا "ان المتضررين من استقلال القضاء يستشرسون في محاربة كل من يطالب باستقلاله" (النهار، 23-2-1980). كما يسجل ان لجنة الادارة والعدل البرلمانية تحركت للتحقيق في مدى صحة هذه الاتهامات الموجهة لوزارة العدل ومجلس القضاء الاعلى باستخدام سلاح التشكيلات للتخلص من قاض معارض (عن كل هذه الامور، يراجع سامر غمرون ونزار صاغية، التحركات القضائية الجماعية في لبنان، في "حين تجمع القضاة"، المنشورات الحقوقية صادر، بيروت، 2009).  
والمخيب للآمال انه، رغم صدور التشكيلات القضائية والتعليقات، فان ردود وسائل الاعلام بقيت دون الاهتمام الكبير الذي لقيه حكمه. فالقاضي الذي ملأ حكمه نشرات الاخبار المتلفزة والصفحات الاولى للصحف، القاضي الذي فتح المجال امام نقل النضال النسائي لفترة من صالونات السياسيين الى قصور العدل، القاضي الذي استقبله وزير الداخلية آنذاك (الوزير الوحيد المختص في قضايا الجنسية) مهنئا قبلما يطعن او يغض الطرف عن الطعن في حكمه، بدا اذ ذاك عاريا يجابه وحده سلاح التشكيلات من دون اي صوت يرفده للدفاع عنه او على الاقل يقدر ان يرد هذا السلاح عنه. لا بل ان الصحف نفسها التي تسابقت في تغطية حكمه وردود الفعل عليها (وخصوصا الاخبار والسفير)، هي نفسها التي تجنبت اذ ذاك اي اشارة الى احتمال نقله رغم المطولات المنشورة فيها عن التشكيلات القضائية والاسماء المطروحة فيها وتجاذبات السياسيين حولها وفيها. وكأنما "السلطة" تتحدى القوى التغييرية وتوجه اليها مرة اخرى رسائل بالغة الدلالة: فان ينتهي القاضي الذي راهنت عليه هذه القوى، وحيدا، عاجزا عن اجتذاب اي اهتمام، اي ضوء، يعني انه من العبثي المراهنة على التغيير من خلال القضاء. فليس للقضاء اي دور، فهو مجرد خادم للحاكم.. وقد آن تاليا لدعاة التغيير ان ينكفئوا عنه وان يعودوا الى الدوران في افلاك السلطة الحاكمة التي هي وحدها تملك زمام القرار، اما ما عدا ذلك فهي مغامرات غير محسوبة  وفقاعات اعلامية محض. بل اكثر من ذلك، فكأنما هذه الرسائل تهدف الى تحميل هذه القوى، ومعها الاعلام، مشاعر ذنب من خلال اظهار استهداف القاضي على انه نتيجة طبيعية للتغطية الاعلامية والترحيب العارم الذي حظي حكمه به، فعسى هذه القوى تمتنع مستقبلا عن تكريم القضاة، عن التصفيق لهم، ضنا بهم وتجنبا لشرور النقمة عليهم.   
وانتصار السلطة الحاكمة هنا لا يتوقف عند هذا الحد. ففضلا عن دفش مبدأ فصل السلطات مع القضاء الى اقصى حد لصالحها، والمساعي نحو استعادة احتكارها ل"ورش الاصلاح"، فهو يتعداه نحو تحجيم القوى الاجتماعية واظهار مدى تشتتها واجتزاء رؤاها.
ففيما تبدو السلطة في انسجام تام مع نفسها، فتحدد اهدافها وتستخدم لهذه الغاية جميع الوسائل المتاحة لها المشروعة او غير المشروعة (ومنها القدح و

انشر المقال

متوفر من خلال:

استقلال القضاء ، المرصد القضائي ، جندر وحقوق المرأة والحقوق الجنسانية ، لبنان ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *