استقلالية القضاء في لبنان كأولوية اجتماعية، كلمة رئيس مجلس القضاء الاعلى القاضي جان فهد


2015-04-20    |   

استقلالية القضاء في لبنان كأولوية اجتماعية، كلمة رئيس مجلس القضاء الاعلى القاضي جان فهد

إن أقدس الأمور عند الانسان عقله وضميره، فهما يخولانه أن يكون حرا. ذاك كان واحدا من المبادئ الاساسية الاربعة التي اقترحها شارل مالك كمرتكز لفلسفة الاعلان العالمي لحقوق الانسان في عام 1947. وإذا قرأنا المزيد من الفكر الذي أوحى بهذا الاعلان لوجدنا انه كانت هناك قناعة عميقة بأن الدولة، بمختلف جوانبها، هي من أجل الانسان الحر ولصالحه”. وقد تجلت هذه القناعة في الحقوق المكرسة في النص النهائي للاعلان وفي المعاهدات الدولية كافة التي أقرت في العقود السبعة الماضية.

الانسان الحر، هو الانسان الذي يتمتع بحقوقه كافة، ويتوق للعيش في دولة تحكم الناس وتدير شؤونهم وفق المعايير الدولية. ولبنان، العضو المؤسس لمنظمة الامم المتحدة والعامل فيها والملتزم بمواثيقها وبالاعلان العالمي لحقوق الانسان، تبنى هذه المبادئ في كل الميادين والمجالات من دون استثناء، فدستوره يضمن حرية الانسان، اذ يشدد على ان لبنان جمهورية ديموقراطية برلمانية، تقوم على احترام الحريات العامة، وفي طليعتها حرية الرأي والمعتقد، وتقوم على العدالة الاجتماعية والمساواة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين دون تمايز أو تفضيل.

ما علاقة هذه الامور باستقلالية القضاء؟
أيها الحضور الكريم كما تعلمون جيدا، هناك علاقة عضوية ما بين حقوق الانسان وحكم القانون والقضاء، فلا يمكن أن تقوم دولة تحترم حقوق الانسان، ولا ان يتحقق حكم القانون من دون ضمانة القضاء المستقل والقوي. كما ورد في اعلان بنجلور  The Bangalore Principles of Judicial Conduct 2002

إن أهمية وجود سلطة قضائية مستقلة محايدة لحماية حقوق الانسان هي من المسلمات، اذ ان انفاذ الحقوق الاخرى كافة يعتمد في النهاية على الادارة السليمة للعدالة حيث ان وجود سلطة قضائية مختصة مستقلة ومحايدة يعد امرا جوهريا لكي تستطيع المحاكم أن تلعب دورها في حماية المبادئ الدستورية ودعم سيادة القانون.

إن المجتمع الحر يظل قائما طالما انه محكوم بحكم القانون… الحكم الذي يلزم الحكام والمحكومين، مطبقا بحيادية، ومعاملا بمساواة كل الذين يلجأون الى حمايته. ان قلوب كل الرجال والنساء تتوق لحكم القانون. وهذا التطلع يعتمد لتحقيقه على كفاءة القضاة وحياديتهم في تطبيق القانون. وللقيام بتلك المسؤولية، من اللازم ان يكون القضاة مستقلين وان ينظر اليهم على انهم كذلك. لقد تعودنا على فكرة أن استقلال القضاء تشمل الاستقلال عن اوامر السلطة التنفيذية، لكن القرارات الحديثة شديدة التنوع والاهمية لدرجة ان الاستقلالية يجب الا تكون محملة بأي تأثير من شأنه الافضاء الى التحيز في اتخاذ القرار. ان الاستقلال عن السلطة التنفيذية جوهري في هذا الصدد، لكنه لم يعد الاستقلال الوحيد الذي يتعلق الامر به (سير جيرارد برينان، رئيس المحكمة العليا باستراليا، “استقلال القضاء”، المؤتمر الاسترالي للقضاء، 2نوفمبر 1996– كانبيرا)”.

إن استقلالية القضاء ليست امتيازا له، بل هي منحة لكل مواطن لكي يطمئن الى عدالة القضاة المعبر عنها من خلال الاحكام القضائية. وبالتالي، فإن ضمان استقلال القضاة سواء أكان من الناحية المالية أم المعنوية لا يشكل امتيازا لهم، بل ضمانة لعدالتهم. ومجلس القضاء الاعلى، المشرف على اعمال المحاكم هو الضامن الرئيسي لاستقلالية المنظومة القضائية، والأمر عينه بالنسبة لمكتب مجلس شورى الدولة وأحيي رئيسه القاضي شكري صادر الحاضر معنا اليوم. وأستعيد هنا مقطعا من الكلمة التي القيتها في العيد الخمسين لانطلاق معهد الدروس القضائية عام 2013: اذا كان القضاء ركنا من اركان الديموقراطية وحاجة لا غنى عنها، انطلاقا من مبدأ أن “العدل اساس الملك”، فإنه لا مفر من قيامه بمراجعة ذاتية دورية، عبر قراءة دقيقة وموضوعية لواقعه، وباستشراف مسؤول لما يقتضي ان يكون عليه دوره في المستقبل. وان ثمة ورشة قائمة على قدم وساق، منصبة على رصد العمل القضائي، عديدا وآليات عمل، نسعى من خلالها الى معالجة مواطن الخلل، ونعمل في الآن عينه على الانتقال بالقضاء اللبناني الى مصاف يضحي معها قادرا فاعلا، طليق اليدين، مستجمعا المعايير العالمية الرفيعة. أما منطلق تلك الورشة، فقناعة تامة بأن القضاء لن يؤدي دوره كاملا، في تثبيت حكم القانون، واشاعة العدالة المثلى، الا اذا تفانى واكتسب اسباب الحداثة، وتمتع بكامل الاستقلال، ونهض سلطة متميزة متكاملة مع السلطتين التشريعية والتنفيذية، وفق تشريع يجسد ما ورد في الدستور اللبناني، الذي اعتبر القضاء احد اضلاع المثلث التاريخي، وأكد وجوب فصل السلطات وتوازنها وتعاونها (من كلمة الرئيس الأول لمحكمة التمييز في ذكرى العيد الخمسين لمعهد الدروس القضائية عام 2013)”.

أيها الحضور الكريم
إن استقلالية القضاء بالفعل لا بالقول فقط، هي حاجة اجتماعية ملحة. لقد اظهرنا علاقتها بالدستور، بحقوق الانسان، بحكم القانون، بفصل السلطات، وما الى هنالك.هي أولوية إجتماعية، أولا وآخرا، اولية اجتماعية، لأن القانون ليس حكرا على المحامين والسياسيين، او القضاة، بل هو مسألة تهم المجتمع بأكمله.
 ان مجلس القضاء الاعلى أعد خطة خمسية في هذا الاطار، وباشر في تنفيذها بدعم من جهات مانحة في طليعتها الاتحاد الاوروبي مشكورا،(دعم خطط مجلس القضاء الاعلى ومجلس شورى الدولة ومعهد الدروس القضائية وهيئة التفتيش القضائي)، والمساعي منصبة على تحسين استقلال القضاء وتحفيز المجتمع اللبناني على دعم هذه المساعي ومواكبتها وعلى ادراك أهمية استقلال القضاء كأولوية اجتماعية، ونحن نعول على هذا المشروع الذي نحن في صدد اطلاقه اليوم، نعول عليه في تثقيف المجتمع على اهمية استقلال القضاء كحاجة اجتماعية تساهم في نموه امنيا واقتصاديا ودعم كل الخطوات التي تقوم بها المنظومة القضائية في سبيل زيادة استقلالها سواء لجهة تطوير اساليب العمل ام لناحية بلورة استقلالها من خلال التعديلات التشريعية المطلوبة. فلنعمل سوية، جنبا الى جنب، وكل واحد بحسب دوره واختصاصه وصلاحيته، لدعم استقلالية القضاء في لبنان وتعزيزها.

شكراً لإصغائكم وأتمنى النجاح لمشروعكم المهم بالتنسيق والتعاون مع القضاء اللبناني، المعني الأول في هذا الموضوع المهم والجوهري للنهوض بدولتنا الى حيث نريدها جميعا، ولكي نكون على قدر تطلعات كل لبناني ولبنانية حريص على مستقبل لبنان.

انشر المقال

متوفر من خلال:

قضاء ، استقلال القضاء ، لبنان ، مقالات ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، محاكمة عادلة



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية