استقالة وزير الخارجية المعلّقة؟


2021-05-26    |   

استقالة وزير الخارجية المعلّقة؟

عقب تصريحات وزير الخارجية في حكومة تصريف الأعمال شربل وهبة خلال مقابلته الشهيرة والتي خرج فيها عن كل أصول الدبلوماسية، وبغض النظر عن مدى صوابية هذه المواقف السياسية، أثيرت مسألة “تنحيه” إشكالية دستورية حول مفهوم التنحي، وهل هو عمل يعترف به القانون الدستوري؟

وقد تقدم الوزير وهبة من رئيس الجمهورية بطلب اعفائه من مهامه في 19 أيار المنصرم وصدر في النهار نفسه المرسوم رقم 7770 الذي قضى بتعديل المرسوم رقم 6172 تاريخ 5/3/2020 المتعلق بتعيين وزراء بالوكالة في حال غياب الوزراء الأصليين بحيث تم تعيين وزيرة الدفاع زينة عكر وزيرة للخارجية بالوكالة بدل الوزير شربل وهبة الذي كما يظهر يرفض ممارسة أي مهامّ في هذه الظروف. وبالفعل باشرت الوزيرة عكر مهامها الجديدة علما أن استقالة الوزير وهبة لم تقبل بعد الأمر الذي يحتم علينا معرفة وضعية الوزير وهبة الدستورية إذ هو انقطع فعليا عن ممارسة مهامه لكن دون صدور مرسوم يكرس قبول استقالته بشكل واضح وصريح.

درجت العادة في لبنان على تعيين وزراء بالوكالة عند غياب الوزير الأصيل “لأي سبب كان”. وبما أن تعيين الوزراء يتم بمرسوم يصدره رئيس الجمهورية بالاتفاق مع رئيس مجلس الوزراء وفقا لأحكام الفقرة الرابعة من المادة 53 من الدستور، فإن تعيين الوزراء بالوكالة يخضع للآلية الدستورية نفسها إذ يقوم رئيس الجمهورية بالاتفاق مع رئيس مجلس الوزراء بإصدار مرسوم يعين فيه لكل وزير أصيل يتولى حقيبة في الحكومة وزيرا أخر من الحكومة نفسها كي يتولى وكالة هذه الحقيبة عند غياب الأصيل. وعادة ما يصدر مرسوم تعيين الوزراء بالوكالة بعد فترة وجيزة من صدور مرسوم تشكيل الحكومة علما أن هذه الممارسة تطورت في لبنان عبر الزمن لكنها تكرست بعد اتفاق الطائف إذ أعقب دائما تشكيل الحكومة صدور مرسوم واحد بتعيين وزراء بالوكالة لكل وزراء الحكومة الأصيلين.

لا شك أن هذا الاجراء هو تدبير يتسق بشكل كامل مع المنطق الدستوري كونه يهدف إلى تأمين استمرارية العمل الحكومي وحماية الصالح العام، “فالوكالة ترتكز على مبدأ استمرارية المرافق العامة الذي يعتبر أن له قيمة دستورية” (مجلس شورى الدولة، قرار رقم 291 تاريخ 18/1/1996)، لذلك يتمتع الوزير الوكيل “بكافة الصلاحيات المتعلقة بالوظيفة ويتحمل كامل المسؤولية السياسية للحقيبة الوزارية التي اوكلت اليه وتنتهي الوكالة بمعاودة الوزير الاصيل ادارة شؤون وزارته” (قرار رقم 291). ويتجلى هذا الأمر تحديدا بقيام الوزير الوكيل بتوقيع المراسيم التي يصدرها رئيس الجمهورية وهو يتحمل أيضا كامل المسؤولية السياسية للحقيبة الوزارية التي عهدت اليه وكالة.

وبما أن تعيين الوزراء بالوكالة يتم، لا سيما بعد التعديلات الدستورية لسنة 1990، بالاتفاق بين رئيسي الجمهورية والحكومة، لا شيء يمنع من تعديل مرسوم تعيين الوزراء بالوكالة بحيث يتم إعادة توزيع الحقائب على الوزراء المعينين بالوكالة لكن طبعا عبر اتباع الالية الدستورية ذاتها، أي صدور مرسوم عن رئيس الجمهورية بالاتفاق مع رئيس مجلس الوزراء. ولا يمنع من ذلك كون الحكومة مستقيلة إذ ان الوزير الوكيل سيتولى فقط تصريف الأعمال هذا فضلا عن أن الفراغ الكامل الذي قد يلحق وزارة معينة بسبب غياب الوزير الأصيل والوزير الوكيل في الوقت عينه يؤدي إلى خرق مبدأ استمرارية المرافق العامة الذي يتمتع بالقوة الدستورية.

وبالفعل عرف لبنان سوابق مشابهة، ففي 4 أيار 1987 قدم الرئيس رشيد كرامي استقالة حكومته ومن ثم في الأول من حزيران من العام نفسه تم اغتيال الرئيس كرامي فما كان من رئيس الجمهورية أمين الجميل الا وأن أصدر المرسوم رقم 3936 بتاريخ 1 حزيران 1987 والذي نصت مادته الأولى على تعيين وزير العمل والتربية الوطنية سليم الحص “في وزارة دولة الرئيس المغفور له رشيد كرامي المستقيلة رئيسا للحكومة بالوكالة لتأمين تصريف الأعمال ريثما يتم تأليف حكومة جديدة”[1]. وقد تكرر هذا الأمر أيضا مع المرسوم رقم 3942 تاريخ 17 حزيران 1987 الذي قضى بتعيين وزير الداخلية وزيرا للدفاع وللتربية الوطنية بالوكالة، وقد صدر هذا المرسوم ليس فقط في ظل حكومة مستقيلة لكن أيضا بناء على اقتراح رئيس مجلس الوزراء بالوكالة سليم الحص.

لكن السؤال الذي لا بد أن نطرحه هو معرفة مدى جواز “تنحي” وزير ما عن القيام بمهامه في حال افترضنا أن التنحي يختلف بمفاعيله القانونية عن الاستقالة.

اعتبر مجلس شورى الدولة “أن بدء تنفيذ الوكالة يفترض بصورة أساسية عائقا ما لسلطة الأصيل من الممارسة” وان هذا العائق هو “كل سبب يجعله في استحالة من هذه الممارسة مؤقتا أم نهائيا” والعائق الموقت “هو الغياب أو المرض مثلا بينما العائق النهائي هو كالصرف من الخدمة أو الاستقالة…” وأن الوكالة “تنتهي حكما عندما يعاود الوزير الأصيل إدارة شؤون وزارته، أي عندما تزول الظروف التي أدت به إلى عدم الممارسة” هذا علما أن الوزير الوكيل يتمتع بكافة الصلاحيات المتعلقة بالوظيفة “غير انه يجب أن تكون الوكالة لمدة قصيرة” (قرار رقم 291).

جراء ما تقدم، يتبين لنا أن مجرد تنحي الوزير عن القيام بمهامه فاسحا المجال للوزير الوكيل كي يحل مكانه لا يستقيم لجهة احترام غاية مفهوم الوكالة إذ ان تنحيه هو دائم ويصدر عن محض ارادته، أي انه يتحكم بمتى يبدأ هذا التنحي ومتى ينتهي أيضا كونه يستطيع أن يعود لممارسة مهامه حتى لو بعد فترة انقطاع طويلة.

أكثر من ذلك، حتى لو قام الوزير ليس بإعلان تنحيه لكن بتقديم استقالته فإنه يستطيع العودة عن هذه الاستقالة طالما أن مرسوم قبول استقالته لم يصدر بعد. وهذا ما ذهب إليه مجلس شورى الدولة في معرض مناقشته لقرار أصدره وزير العدل المستقيل حينها أشرف ريفي إذ اعتبر أن الفقرة الرابعة من المادة 53 من الدستور بنصها على ضرورة صدور مرسوم عن رئيس الجمهورية بالاتفاق مع رئيس مجلس الوزراء بقبول استقالة الوزراء “يفيد بأن مجرد تقديم الوزير استقالته لا تنتج مفاعيلها، إذ ان القول بالعكس يفرغ الاتفاق بين الرئيسين من مضمونه، وهو أمر لا يستقيم منطقا ودستوريا” (قرار رقم 246 تاريخ 14/12/2017). ويضيف القرار أن الأعمال الادارية الصادرة عن الوزير المستقيل تعتبر “صادرة عن صاحب الصلاحية وذلك إلى حين صدور مرسوم قبول استقالته”.

ولا شك أن تنحي الوزير دون استقالته، أو استقالته دون صدور مرسوم بقبول تلك الاستقالة، هو اجراء يخفي اهدافا سياسية تدخل من ضمن الصراع القائم بين مختلف أحزاب السلطة. وقد برزت هذه الظاهرة بشكل قوي بعد 2005 وهي آلية سلطوية بامتياز هدفها الحفاظ على توازن المصالح السياسية داخل مجلس الوزراء. وقد كان وزير الداخلية حسن السبع أول من تقدم باستقالته في 5 شباط 2006 ولم يوافق عليها رئيس الحكومة فؤاد السنيورة من أجل الحفاظ على التوازن السياسي في حكومته. وقد عاد[2] حسن السبع عن استقالته عندما سنحت له الفرصة بعد اغتيال الوزير بيار الجميل في تشرين الثاني 2006 واستأنف ممارسة مهامه بينما تولى وزير الشباب والرياضة أحمد فتفت مهام وزارة الداخلية بالوكالة طيلة فترة غياب حسن السبع.

فاستقالة الوزير الحقيقية، أي تلك التي تقترن بنيته الصادقة بالانفصال كليا عن وظيفته، تفرض انقطاع هذا الوزير عن ممارسة مهامه فور تقديمه لهذه الاستقالة ما يسمح للوكيل بممارسة مهام الوزير المستقيل مؤقتا ريثما يتم قبول هذه الاستقالة وتعيين وزير أصيل جديد على أن يتم ذلك ضمن مهلة معقولة. لكن أن يعلن أي وزير تنحيه أو يتقدم باستقالته هو يعلم مسبقا ان هذا التنحي هو مؤقت فقط أو أن هذه الاستقالة لن تقبل لأسباب سياسية فأن ذلك لا يستقيم اطلاقا مع منطق الوكالة الدستوري كونه يفتح المجال لعودة الوزير الأصيل لممارسة دوره عندما تفرض المصالح السياسية للسلطة الحاكمة ذلك.

وهكذا يتبين لنا أن مجرد تنحي وزير الخارجية لا يؤدي إلى انفصاله بالكامل عن وظيفته بل من اللازم عليه ليس فقط أن يتقدم صراحة باستقالته لكن أيضا أن يقوم رئيس الجمهورية بالاتفاق مع رئيس مجلس الوزراء بإصدار مرسوم بقبول تلك الاستقالة على أن يقوم الوزير الوكيل بمهام وزارة الخارجية ريثما يتم تشكيل حكومة جديدة. وخلاف ذلك هو استعراض سياسي يصعب تفسيره بالمنطق الدستوري السليم.

 

  1. يشار هنا انه بعد 1990 لم تعد تصدر مراسيم بتعيين رئيس لمجلس الوزراء بالوكالة.
  2. ان عدم صدور مرسوم بقبول استقالة الوزير تطرح مسألة استمرارية تقاضي هذا الوزير لراتبه إذ وحدها الاستقالة التي تقبل بمرسوم صريح تؤدي إلى التوقف عن دفع راتب الوزير المعني.
انشر المقال

متوفر من خلال:

أحزاب سياسية ، تشريعات وقوانين ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، لبنان ، مؤسسات عامة