استقالات النواب ونتائجها على مجلس النواب


2020-08-10    |   

استقالات النواب ونتائجها على مجلس النواب
رسم رائد شرف

بعد هول جريمة 4 آب التي أفقدت النظام اللبناني شرعيته بشكل كامل، ارتفع عدد النواب الذين قدموا استقالاتهم من مجلس النواب. وعدد الاستقالات مرشح للتزايد ما يطرح مسألة دستورية لا بد من معالجتها حول مصير مجلس النواب وامكانية استمراره بممارسة صلاحياته.

لا بد أولا من التذكير بأن المادة 16 من النظام الداخلي لمجلس النواب تنص صراحة على التالي: “للنائب أن يستقيل من النيابة بكتاب خطي صريح يقدم إلى رئيس المجلس، فإن وردت الإستقالة مقيدة بشرط تعتبر لاغية”. ما يعني أن الإستقالة عبر وسائل الإعلام غير كافية وأيضا الإستقالة التي أعلن عنها النائب نعمة أفرام كونها مشروطة، إذ قرن بين عودته عن الاستقالة ودعوة مجلس النواب لجلسة من أجل تقصير ولايته.

مجلس النواب هيئة منتخبة لولاية محددة في القانون الانتخابي وهو بالتالي يستمر في ممارسة دوره بغضّ النظر عن عدد الإستقالات أو الوفيات التي يمكن أن تحدث خلال هذه الولاية. وهذا ما عبرت عنه المادة 41 من الدستور إذ أعلنت التالي: “إذا خلا مقعد في المجلس يجب الشروع في انتخاب الخلف في خلال شهرين. ولا تتجاوز نيابة العضو الجديد أجل نيابة العضو القديم الذي يحل محله”. فخلو مقعد نيابي يفرض على السلطة السياسية وجوبيا إجراء انتخابات فرعية على أن تنتهي ولاية العضو الجديد بانتهاء ولاية المجلس كون شرعية النائب هي من شرعية المجلس ولا تنفصل عنه.

لا تطرح استقالة عدد محدود من النواب مشكلة دستورية كون الحل قدمته المادة 41 من الدستور بفرضها إجراء انتخابات نيابية فرعية. لكن المشكلة تظهر عندما يصبح عدد الإستقالات مرتفعا جدا بحيث يفقد مجلس النواب نصابه. فقد نصت المادة 34 من الدستور على التالي: “لا يكون اجتماع المجلس قانونياً ما لم تحضره الأكثرية من الأعضاء الذين يؤلفونه وتتخذ القرارات بغالبية الأصوات”. فهذه المادة تحدّد نصاب مجلس النواب بغالبية النواب الذين يؤلفون المجلس قانونا أو ما يعرف بالغالبية المطلقة التي يتم احتسابها وفقا لعدد النواب المحدد في قانون الانتخابات أي 128 نائبا اليوم ما يجعل النصاب 65 نائبا. السؤال الذي يطرح نفسه ماذا يحدث في حال تقدم أكثر من 65 نائب باستقالتهم هل يعني ذلك فقدان مجلس النواب لقدرته على الاجتماع وهل يمكن أن يؤدي ذلك الى اعتبار مجلس النواب بحكم المنحل؟

المبدأ المتبع هو اعتبار النصاب ثابتا غير متبدل بعدد النواب الذين قد يفقدون عضويتهم بسبب الاستقالة أو الوفاة أو أي سبب اخر:

« Le quorum est calculé d’une façon invariable d’après le nombre de députés dont la chambre se compose en vertu de la loi électorale ; il n’y a pas lieu de le réduire proportionnellement au nombre de vacances qui peuvent se produire (…) il n’y a pas à invoquer cette circonstance que, par suite de décès ou démission ou d’annulation, le chiffre du quorum ne correspondrait pas au chiffre des membres actuellement en exercice. »[1]

فبغض النظر عن عدد الإستقالات، يظل نصاب مجلس النواب هو الغالبية المطلقة أي حضور 65 نائب، علما أن الدستور يفترض أن هذا الشغور هو مؤقت كون الحكومة ستعمد إلى اجراء انتخابات نيابية فرعية لتدارك هذا الأمر.

لكن اندلاع الحرب الأهلية سنة 1975 وتمديد ولاية مجلس النواب المنتخب سنة 1972 أكثر من مرة في ظل استحالة إجراء انتخابات نيابية فرعية بسبب أوضاع الحرب جعل مجلس النواب يفقد عددا متزايدا من النواب مع مرور الوقت بسبب الوفاة، ما أدى عمليا إلى صعوبة تأمين النصاب. فقد انخفض عدد النواب الأحياء من 99 قبل الحرب إلى 94 سنة 1980 ومن ثم الى 79 سنة 1987. وقد شكل هذا الواقع معضلة دستورية: فهل يتم احتساب النصاب وفقا لعدد النواب النظري المحدد في قانون الانتخاب (99) أو وفقا لعدد النواب الفعليين المتناقص مع مرور الأيام؟ وجه رئيس مجلس النواب حينها كامل الأسعد سؤالا الى الفقيه الفرنسي الكبير “جورج فيديل” الذي رد بدراسة مطولة أشار فيها إلى أن النصاب لا يجب أن يحتسب إلا وفقا لعدد النواب الفعليين وليس المتوفين أو المستبعدين. فالمقاعد الخالية لا يمكن أن تدخل في عداد النصاب (الغالبية المطلقة). الأخذ بخلاف ذلك يؤدي إلى افتراض تمثيل الأمة من أشباح:

 “Mais inclure dans ce nombre les sièges vacants, c’est-à-dire nécessairement des morts ou des exclus, c’est faire rentrer dans la représentation nationale des fantômes’.

وقد تبنت اللجان النيابية المشتركة هذا التفسير في 10 نيسان 1980 واتخذت قرارا اعتبرت فيه أن الغالبية المطلقة “تعني الغالبية محسوبة على أساس عدد النواب الأحياء، حاضرين أو متغيبين، دون المتوفين”.

من الملاحظ أن هذا القرار -ودراسة العميد فيديل- لا تذكر فرضية النواب المستقيلين بل تتكلم فقط عن المتوفين، بينما فيديل يضيف أيضا المستبعدين أي الذين يقرر المجلس فصلهم بسبب صدور قرار قضائي بحرمانهم من ممارسة حقوقهم الإنتخابية ما يحتم أيضا إجراء انتخابات فرعية لملء الشغور.  وبما أن فصل النائب هو شبيه من حيث نتائجه بالإستقالة يمكن القول أن تفسير فيديل واللجان النيابية المشتركة ينسحب أيضا على النواب المستقيلين.

في مطلق الأحوال، يمكن القول بأن مجلس النواب عاد وتراجع عن هذا الموقف عندما صوت على القانون رقم 11 الرامي إلى تحديد العدد المعتمد لاحتساب النصاب والذي صدر في 8 آب 1990. فقد نصّت مادته الأولى على التالي: “بصورة استثنائية وحتى إجراء انتخابات فرعية أو عامة وفقا لاحكام قانون الإنتخاب، وبالنسبة إلى النصاب المقرر في الدستور، يعتبر عدد أعضاء مجلس النواب الأعضاء الأحياء”. أي أن الإنتخابات النيابية العامة التي جرت سنة 1992 أدت حكما إلى إلغاء العمل بهذا التفسير[2] والعودة إلى المبدأ المتبع الذي يقول بأن النصاب ثابت لا يتعدل بتبدل عدد النواب المتوفين أو المستقيلين.

وما يؤكد أن هذا هو التفسير الصحيح والذي لم ينتبه له مجلس النواب عندما تبنى دراسة فيديل هو التعديل الذي أدخل على المادة 57 من الدستور سنة 1927. ققد نصت المادة 57 بصيغتها الأصلية سنة 1926 أن رئيس الجمهورية عندما يعيد الفانون إلى البرلمان يتوجب على هذا الأخير أن يقره مجددا “بالغالبية المطلقة من مجموع الأعضاء العاملين فيه”. وقد جاء النص الفرنسي للمادة ذاتها أكثر وضوحا إذ يفسر ما المقصود بالنواب العالمين فيقول: “les sièges vacant par décés ou démission ne sont pas comptés” أي ان النص الأصلي كان يعتبر أن النصاب لا يشمل الأعضاء المتوفين أو المستقيلين. لكن سنة 1927 تم تعديل هذه المادة بحيث باتت تنص على أن القانون الذي يعيده مجلس النواب يتوجب إقراره مجددا “بالغالبية المطلقة من مجموع الأعضاء الذين يؤلفون المجلس قانوناً”. أي أن الدستور استبدل صراحة “النواب العاملين” بالأعضاء الذين يؤلفون المجلس قانونا بغض النظر عن التبدلات التي قد تحدث بعدد النواب الفعليين.

جراء ما تقدم يتبين لنا أن استقالة النائب تفرض على الحكومة إجراء انتخابات نيابية فرعية وأن امتناع السلطة السياسية عن ذلك دون سبب مقنع يعرضها للمحاسبة، لا بل يمكن حتى اتهام رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء بخرق الدستور ومحاكمتهم أمام المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء.

أن استقالة غالبية أعضاء مجلس النواب لا يجعل من مجلس النواب منحلا حكما كون هكذا أمر لا يمكن أن يوجد إلا بنص دستوري يقر بهذه الفرضية ويرتب نتائج قانونية على وقوعها. فدستور لبنان لا يأتي على ذكر مثل تلك الفرضية، بل هو يعلن أن خلو المقعد النيابي بالمطلق يفرض إجراء انتخابات فرعية، أي أن الحل الذي تقره الأحكام الدستورية هو إجراء انتخابات فرعية وليس اعتبار المجلس بحكم المنحل. ويمكن لذلك القول أن فقدان المجلس لنصابه يمنعه من الاجتماع لكن فقط بانتظار إجراء الانتخابات النيابية الفرعية، وأول ما يتأمن النصاب مجددا حتى لو لم يتم ملء كل المقاعد الشاغرة يمكن له أن يعاود ممارسة دوره المعتاد.

ولا بأس في النهاية من توقع ردة فعل النظام في حال فقدان المجلس للنصاب وعدم قدرته بالتالي على الاجتماع، إذ أن ذلك قد يدفع برئيس مجلس النواب إلى احياء التفسير الذي كان سائدا خلال الحرب، واعتبار أن نصاب المجلس يحتسب وفقا لعدد النواب الفعليين. وهو سيتوسع في تفسيره كي يشمل أيضا النواب المستقيلين، لا سيما أن ذلك سيقترن مع تمنع السلطة السياسية عن الدعوة إلى انتخابات فرعية لملء المقاعد الشاغرة بحجة “الظروف الإستثنائية” التي تمر بها البلاد. فالنظام السياسي الذي يحاول تبرير جريمة مثل تلك التي حصلت في الرابع من آب ويتنصل من المسؤولية بشتى الذرائع الواهية، لا يمكن اطلاقا استبعاد احتمال تلاعبه بالتفسيرات الدستورية خدمة لبقائه حتى ولو تم ذلك على جثث الضحايا.


[1] Eugène Pierre, Traité de droit politique, électoral et parlementaire, p. 1124.

[2]  لا بد من ملاحظة ان مجلس النواب هنا فسر الدستور بقانون عادي في فترة لم يكن المجلس الدستوري قد استحدث بعد، الأمر الذي يؤكد ان مجلس النواب لا يمكنه تفسير الدستور من خلال نقاش عام يسجل في محضر الجلسة، ولا حتى بقانون عادي كون هذا القانون معرض للطعن أمام المجلس الدستوري الذي يمكنه بكل بساطة ابطاله.

انشر المقال

متوفر خلال:

أحزاب سياسية ، البرلمان ، دستور وانتخابات ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، لبنان ، مجزرة المرفأ ، مقالات