استدعاء طبيب بسبب عمله الخيري: أين الجرم؟ 


2021-02-22    |   

استدعاء طبيب بسبب عمله الخيري: أين الجرم؟ 
الطبيب رامي فنج بعد خروجه من المخفر

“توزيع الطعام على المحتاجين تهمة بتشرّف” لافتة رفعت تضامناً مع الطبيب رامي فنج أثناء تواجده في مخفر التل في طرابلس الخميس الماضي بعد استدعائه على خلفية توزيع الطعام للمحتاجين في ساحة النور. بدا خبر استدعاء فنج على هذه الخلفية مزحة أو حتى خبراً كاذباً لكن الحقيقة أنّه جرى فعلاً استدعاء الطبيب لـ”الاستماع” إلى أقواله، بإشارة من النيابة العامّة الاستئنافية في شمال لبنان برئاسة القاضي زياد المصري الشعراني. والمريب أنّ هذا الاستدعاء جرى في أكثر الظروف حساسية لناحية انتشار فيروس كورونا وكأنّها حالة طوارئ، وفي الوقت الذي سُجِّل فيه تمنّع بعض الأجهزة الأمنية والنيابات العامّة عن قبول العديد من شكاوى المواطنين بحجة كورونا. 

استدعاء على خلفية وثيقة معلومات أمنية

في الوقائع، تمّ استدعاء طبيب الأسنان رامي فنج إلى مخفر التل في طرابلس عبر الهاتف، على خلفية “وثيقة معلومات أمنية” ورد فيها أنّه كان متواجداً في ساحة النور يوم 31 كانون الثاني 2021، وكان يقوم بتوزيع الطعام على المتظاهرين الساعة 4:30 عصراً، وكان لدى قوى الأمن الداخلي صورة لفنج وهو يقوم بنشاطه الخيري. ويوم الخميس في 18 شباط 2021، توجّه فنج إلى التحقيق ومعه المحاميان محمد صبلوح وشوكت حولا المكلّفان من نقابة المحامين في طرابلس، ومحام ثالث من نقابة أطباء الأسنان. وخارج المخفر تجمّع حشد من المتضامنين احتجاجاً على هذا الاستدعاء، وحملوا لافتات عبّروا من خلالها على انتقائية السلطة في الاستدعاءات وفي فتح التحقيقات مع ناشطين بينما تترك الناهبين الحقيقيين لأموال الناس خارج السجون. وكتب على إحدى اللافتات “استدعوا من نهب الدولة وسرق الناس وفجّر المدن”، وواكبت الوقفة الاحتجاجية حملة تضامن معه على وسائل التواصل الاجتماعي. 

لم يمر وقت طويل حتى خرج فنج من المخفر وأعلن أنّه عائد إلى “مطبخ شباب الخير” في باب التبانة ليستكمل مهمته الإنسانيّة التي بدأها منذ عام في ساحة النور. وأكدّ لـ”المفكرة القانونية” أنّ التحقيق كان هادئاً، وقد شرح له المحققون أنّه غير مدّعى عليه إنّما تم استدعاؤه للاستماع إليه وليس للتحقيق. وأضاف، “سألوني إن كنت أعترف بأنني كنت أقوم بتوزيع الطعام، أجبت بأن الأمر صحيح”. ولفت إلى أنّ المحقق سأله عن “مصدر التمويل الذي يتيح لي شراء المواد الغذائية، أجبت بكل فخر أنّ هذا التمويل هو نتيجة تعاضد وتكافل اللبنانيين من جميع المناطق والطوائف”.  

يشرح فنج لـ”المفكرة” أنّه في يوم 31 كانون الثاني “توجّهت إلى ساحة النور وقبل دخولي أخذت إذناً من عناصر الجيش اللبناني المتواجدين في الساحة وأريتهم أوراقي الثبوتية وسهّلوا مروري، وحينها وزّعت الطعام كما وزّعت 500 كمامة على المتظاهرين”. وبالتالي فهل ستلجأ النيابة العامّة إلى الادعاء على الطبيب، وإن حصل ذلك فعلاً فبأي جرم في ملف يخلو حقيقة من أي جرم. 

يؤكّد وكيل فنج المحامي شوكت حولا لـ”المفكرة” أنّ “استدعاء فنج ليس قانونياً، فلم يتم توجيه أي تهم إليه بل طُلب لأجل الاستماع إلى أقواله بناء على وثيقة معلومات تتضمن أنّ د. رامي فنج كان يوزّع الطعام، والاستدعاء هو للاستيضاح منه حول توزيع الطعام ولم يكن مدّعى عليه”. ويعتبر حولا أنّ هذا “الاستدعاء هو محاولة لقمع الحريات، وطلبنا خلال وجودنا في المخفر أن يتم تسجيل موقفنا على المحضر”. ويضيف، “طلبنا إبطال الإجراءات لعدم قانونية الاستدعاء ووثيقة المعلومات، وما بني على باطل فهو باطل”. وأصرّ وكلاء فنج على أن يتم تدوين موقفهم لجهة التحفّظ على هذا الاستدعاء، وطلبوا اتخاذ الإجراءات القانونية بمن هو وراء وثيقة المعلومات غير القانونية.

ويلفت حولا إلى أنّ “د. فنج يقوم بعمله الخيري منذ عشرات السنوات، وعمله الخيري خلال التظاهرات حصل بعلم الجيش الذي سهّل دخوله إلى ساحة التظاهرات”. ويلفت إلى أنّه خلال ممارسته لمهنة المحاماة لما يزيد عن عشرين عاماً لم يُصادف هكذا نوع من الاستدعاءات، “فعمل الخير هو فعل تشجع عليه جميع الأديان كما أنّ القانون يشير إلى ضرورة إغاثة المحتاج”. ويسأل حولا مستغرباً، “لماذا يتم استدعاء شخص يقوم بهذا العمل الخيري؟”

 

ملاحقة المتظاهرين بتهم التمويل وإنكار التكافل الاجتماعي

رامي فنج (55 عاماً) هو طبيب أسنان من طرابلس، “سمعته سابقته” حسبما يتكلم عنه عارفوه. كان أحد المتطوعين في “مطبخ الثورة” في طرابلس الذي أنشأته الناشطة ليندا برغل وعدد من المتطوّعين في بداية التظاهرات في 17 تشرين الأول 2019. ومنذ فترة أعاد فنج إحياء المبادرة في باب التبانة وأنشأ “مطبخ شباب الخير”. ويشرح فنج أنّ “الهدف من الطبخ هو تأمين الوجبات الغذائية للعائلات الفقيرة في طرابلس الكبرى مجاناً، وليس حصراً بالتظاهرات، ونعمل على الاستمرار بهذا المشروع”. 

ويلفت إلى أنّ “هناك دائماً من يريد تشويه عمل الخير الذي نقوم به، فمنذ أن بدأنا في عملنا في مطبخ الثورة كنّا دائماً نسمع تعليقات من أشخاص يتّهموننا بأننا مموّلون من جهات خارجية، وكنّا حين نقول لهم أنّ تمويلنا هو من المتبرّعين العابرين للتفكير الطائفي والمناطقي كانوا يهربون منّا، فهم يريدون فقط تشويه نشاطنا”. ويؤكد، “تمويلنا هو من المتبرّعين وفاعلي الخير ونحن لم نأخذ قرشاً من أي جهة خارجية”. 

مسألة “التحقيق حول التمويل” ليست بجديدة على كل من شارك في التظاهرات، فهي تهمة كادت تلاحق أي شخص شارك في تأمين مساعدات. ويُشير بعض المحامين المتابعين للتحقيقات التي خضع لها الكثير من الموقوفين والمستدعين للتحقيق على خلفيّة الاحتجاجات على “تضمّنها دائماً أسئلة حول التمويل الذي يؤمّنه الناشطون لإعداد وجبات الطعام في ساحات التظاهر، بشكل يستبعد حالة التضامن الشعبية التي حملت العديد من الناس وأصحاب المطاعم إلى التبرّع بتأمين وجبات الطعام للناس في بداية مرحلة التظاهرات. واستمرار هذا النوع من الأنشطة حتى اليوم في طرابلس ليس مستبعداً في غياب الدولة التي تمتهن عزل المدينة وتجاهل حاجات سكانها، فالمدينة تعدّ من أفقر المدن الموجودة على ساحل المتوسط بحسب دراسة نشرها البنك الدولي عام 2017،  وأكثر من نصف سكانها يعيشون تحت خط الفقر. 

 

انشر المقال

متوفر من خلال:

أجهزة أمنية ، احتجاز وتعذيب ، اختفاء قسري ، المرصد القضائي ، حراكات اجتماعية ، حريات ، حريات عامة والوصول الى المعلومات ، حرية التعبير ، قضاء ، لبنان ، محاكم عسكرية ، محاكمة عادلة ، منظمات دولية



لتعليقاتكم