استئناف جبل لبنان تردّ طلب تنحية الخطيب للمرة الثانية: مثابرة وجدّية القاضي لا يعنيان انحيازه


2023-02-01    |   

استئناف جبل لبنان تردّ طلب تنحية الخطيب للمرة الثانية: مثابرة وجدّية القاضي لا يعنيان انحيازه
رسم رائد شرف

بتاريخ 31/1/2023، ردّت محكمة الاستئناف في جبل لبنان (الغرفة التي ترأسها القاضية ريما شبارو) طلب ردّ المحامية العامة الاستئنافية في جبل لبنان القاضية نازك الخطيب المقدم من رئيس مصلحة تسجيل السيارات أيمن عبد الغفور الموقوف بملف فساد “النافعة”. يأتي هذا القرار تبعا لصدور قرار مماثل عن المحكمة نفسها في القضية نفسها بتاريخ 24/11/2022، وهو القرار الذي ردّت بموجبه المحكمة طلب ردّ القاضية الخطيب المقدّم من المديرة العامّة لهيئة السّير (وضمنها النافعة) هدى سلوم. ومن أبرز أسناد طلب الرد الذي تقدّم به عبد الغفور كان اتّهامه للخطيب بتسريب التحقيقات للإعلام ما أساء لطالب الرد “وجعله عرضة للتحقير والاستهزاء”، كما وأورد عبد الغفور خشيته من وجود ميل وعدم موضوعية تحكم عمل القاضية، كما واعتبر أنّ التحقيقات الأولية التي قامت بها القاضية شابتها أخطاء جوهرية معادلة لسوء النية. وعليه، لخّصت المحكمة إدلاءات عبد الغفور أنّها “تركّزت بوضوح كلّي على خرق موجب السرية المتصلة بعمل القاضي وبمجمل القواعد القانونية الواجب مراعاتها”.

تاليا، سنُبرز أهمّ حيثيات القرار ونُبرز الملاحظات المناسبة لها:

الغوص في الأساس حماية للتحقيق

قبل الغوص في دراستها للطلب، أوردت المحكمة حيثية بالغة الأهمّية حول الطريقة الواجب اتّباعها لدراسة طلب الرد. فعلى الرغم من تأكيد المحكمة أنّ قسما ليس بقليل من الاجتهاد أكّد على عدم إمكانية ردّ النيابة العامة لكونها تبدو كفريق في الدعوى، إلّا أنّها اعتبرت أنّه يجب عليها دراسة الطلب. ويتبدّى إذ ذاك أنّ المحكمة أبت إلّا وأن تدخل في الأساس رغم احتمال ردّ الطلب شكلا. وقد برّرت المحكمة ذلك بتبرير فائق الأهمّية، قوامه أنّ الدخول في الأساس ودراسة الطلب بشكل موضوعي “لربّما تحصّن عمل القاضي وتعطيه الحماية لإتمام عمله بحرية ضمير وموضوعية”. بذلك، تكون المحكمة وبنفس حمائي مميّز قد اعتبرت أنّ دراسة الطلب موضوعيا سيؤدّي إلى حماية الملاحقات التي بدأتها الخطيب، بحيث أنّ الردّ على ادّعاءات طالب الرد وتفنيدها تفصيلا سيكون له شأن هام في قطع الشك باليقين حول صحة الإجراءات التي قامت بها الخطيب.

أكثر من ذلك، لم تنسَ المحكمة أن تؤكد أنّ دراسة طلب الرد يجب أن تكون متناسقة مع مركز القاضي المطلوب ردّه. فمنصب المحامي العام الذي يُمثّل الحق العام، وهو فريق في القضية، لا يجب أن تنطبق نفس شروط ردّه التي تنطبق على قاضي التحقيق أو قاضي الحكم، لكون وظيفته الموضوعية مختلفة. وتكون بذلك المحكمة قد وضعت إطارا لدراسة طلب الرد قوامه المهام الملقاة على عاتق القاضي، أي عبر وجوب تكييف النظر بطلب الرد مع طبيعة عمل القاضي.

جدّية القاضي وتمثيله مصالح المجتمع لا تعني الانحياز

في حين حاول عبد الغفور لتبرير طلب ردّه تظهير بعض إجراءات القاضي الخطيب على أنّها تدّلّ على انحياز ضدّه أو دليل على عداوة مسبقة، جاء ردّ المحكمة واضحا على ذلك. فقد اعتبرت المحكمة أنّ “قيام القاضي بعمله باندفاع وجدّية ومثابرة طغت عليها روح المسؤولية… بما في ذلك اتّخاذ بعض الاحتياطات والإجراءات القانونية الواجبة، فإنّ ليس معنى ذلك حتما وجود الانحياز المطلق أو العداوة المسبقة.” كما أضاف القرار بأنّ “القول بعكس ذلك يعني ترك القضاة عرضة للأهواء والدخول بالنوايا والاستنتاجات”. وأضافت أنّ “عمل ممثل النيابة العامة يأتي بروح الانحياز للصالح العام…”. 

إنّ الاتّجاه الذي ذهبت إليه المحكمة في قرارها يُعدّ فائق الأهمّية. فمن جهة أولى، استعاد القرار أبسط مبادئ القضاء الجزائي بحيث ذكّر بأنّ النيابة العام يُفترض أن تمثّل الصالح العام أي مصلحة المجتمع برمّته، وهو ما يُعيدنا على النقيض من ذلك إلى ما قام به رأس هرم النيابات العامة النائب العام التمييزي غسان عويدات من انقلاب على التحقيق في قضية المرفأ، بعكس مصلحة المجتمع المتمثلة بما لا يقبل الشك بحقّه بمعرفة الحقيقة والوصول إلى العدالة في هذه القضية.

ومن جهة ثانية، تؤكّد هذه الحيثيات على أنّ جدّية القاضي ومثابرته وإصراره على القيام بالإجراءات اللازمة لا تعني انحيازه ضدّ المدّعى عليهم أو وجود عداوة مسبقة بينه وبينهم. وهذه الحيثية إنّما تعيدنا أيضا لقضية المرفأ، بحيث لجأ المدّعى عليهم خليل وزعيتر والمشنوق وفقما وثّقناه سابقا، إلى اعتبار في طلباتهم أنّ للمحقق العدلي عداوة شخصية ورأي مسبق تجاههم. وقد بقيت هذه الادعاءات في قضية المرفأ وفي قضية النافعة مجرّدة عن أيّ دليل سوى ما يرد في الإعلام، من دون أن يُثبت صحّة ذلك أنّ القاضي قد وجّه الوسيلة الإعلامية للتحدّث بهذا الشكل.

ومن جهة أُخرى، أوحت هذه الحيثية على تضامن بين الغرفة الناظرة بطلب الرد وبين القضاة الآخرين ومن بينهم الخطيب في ظلّ الهجمات التي يتعرّض إليها أيّ قاض يلاحق أيّ صاحب نفوذ في الآونة الأخيرة. فقد أكّدت أنّه لا يُمكن ترك القضاة عرضة للاتهامات والإشاعات والأهواء المجرّدة عن أي دليل، وأكّدت على أنّ مسؤولية القضاة أن يقوموا بأعمالهم بجدّ ومسؤولية دون تهاون.

عبد الغفور يستعيد استراتيجية ثنائي أمل حزب الله لتطويل أمد تعليق التحقيق

لم يكتفِ عبد الغفور بطلب الردّ، بل استعاد استراتيجية تكثيف التقاضي وتعطيل القضية بالكامل التي اتّبعها المدّعى عليهم في قضية المرفأ وبخاصة الثنائي علي حسن خليل وغازي زعيتر، فقد طلب ردّ غرفة الرئيسة شبارو بعد تقديمه لطلب ردّ الخطيب، وهو طلب تمّ ردّه لانتفاء ما يبرّره وغُرّم عبد الغفور لعلّة “التعسّف الجلي والواضح باستعمال حق التقاضي”.

تجدون هنا قرار محكمة الاستئناف في جبل لبنان كاملا

انشر المقال



متوفر من خلال:

قضاء ، المرصد القضائي ، قرارات قضائية ، استقلال القضاء ، لبنان ، مقالات ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، محاكمة عادلة



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية