ازمة اخلاقية على رأس الهرم القضائي (1/3)


2012-02-20    |   

ازمة اخلاقية على رأس الهرم القضائي (1/3)

ازمة اخلاقية على رأس الهرم القضائي: ثمة قاض (غسان رباح) يرأس احدى غرف محكمة التمييز وهو ايضا عضو في مجلس القضاء الاعلى، متهم بتقاضي رشوة بقيمة ثلاثة ملايين دولارا اميركيا، والدليل المبرز ضده تسجيل بصوته وهو يتفاوض على قيمتها، لصالحه ولصالح مستشارتيه في المحكمة، دون ان ينهض اي دليل على علم هاتين المستشارتين بذلك (الاخبار، 16-2-2012). وما يزيد الاتهام خطورة هو شخصية القاضي: فهو استاذ جامعي له مؤلفات عدة عن العفو العام والمخدرات واطفال الاحداث.. كما هو ناشط في مجال العمل الاجتماعي وحقوق الانسان، وقد شارك في صياغة مشاريع قوانين آخرها مشروع قانون لاطفال الشوارع كان محل نقاش لدى اللجنة البرلمانية للمرأة والطفل. وفيما يتضح ان مجلس القضاء الاعلى آثر من خلال قبول استقالة القاضي انهاء الموضوع من دون اي مساءلة وتاليا من دون حسم الاتهام في اتجاه او في آخر، تماشيا مع ممارسة عمل بها سابقا (الاستقالة مقابل التنازل عن الملاحقة) من باب كتم الفضيحة بالصمت، يبدو ان حل الامور على هذه الطريقة لن يكون في هذه الحالة ميسرا او على الاقل بات يلقى ممانعة معينة. وهذا ما ساحاول عرضه في حلقتين: الاولى تتناول كيفية تعاطي القاضي ومعه مجلس القضاء الاعلى مع هذه المسألة، والثانية اشكال الممانعة لهذه الممارسة القائمة على الصمت، لاتطرق في حلقة ثالثة الى ما قد يترتب عن هذه الازمة من انعكاسات على صعيد الورشة الاصلاحية.
لا تسائلوني، لا تحاسبوني، فاي مس بكرامتي مس بهيبة القضاء
التساؤل الاول في هذا المضمار يتصل بتصرف القاضي نفسه، ولا سيما بخياره باللجوء الى الاستقالة. فكيف برر القاضي المذكور استقالته في هذه الظروف؟ وهل ادلى باي مبررات تحول دون تفسيرها على انها تهرب من المحاسبة او من المسؤولية؟ واكثر من ذلك، هل تم صوغها كقرار شخصي لسبب او لآخر ام كجزء من اتفاق ضمني بينه وبين المعنيين (مجلس القضاء الاعلى) يقضي بانسحابه رضائيا لقاء الكف عن ملاحقته؟
للاجابة على هذه الاسئلة، لا بد من العودة الى التصريح الذي نسبته جريدة النهار الى القاضي المستقيل غسان رباح (17-2-2012) وقد ورد تحت عنوان: "القاضي غسان رباح يوضح انه قدم استقالته تحت وطأة الضغط النفسي". وقد جاء حرفيا فيه بان استقالته قد جاءت "تحت وطأة الضغط النفسي لان ما اثير يصيب العدلية اكثر مما يصيبني ونتيجة ما حل علي لجهة ما اثير في حقي. وقد ضمنت طلب استقالتي الذي تقدمت به كلمتين وهما  امتعاض من الوزارة. فانا ابن العدلية منذ 38 عاما لم اجد احدا وقف الى جانبي في وجه ما اثير وترفعا لعدم الدخول في بازار". وفي مكان آخر من المقال، يصرح انه "لم أعد أشعر ان القضاء هو بيتي. أحد لم يقل لي "مرحبا".لم يقف أحد الى جانبي. مثلما حصل معي يوم تفجير سيارتي حيث صدر الحكم النهائي في صددها بعد 20 سنة وقضى بتعويضات قيمتها 12 ألف ليرة"، مبدياً تمسكه بموقفه من الاستقالة "لأرد الأذى عن القضاء. ولا مشكلة في ان أرد المشكلة عن نفسي"، مشيرا" الى ان "اليوم الذي سيتبين منه الخيط الأبيض من الخيط الأسود آت لا محالة".
ومما تقدم، وفضلا عن ان القاضي ينفي الاتهامات الموجهة اليه، فهو يرى ان استقالته كانت ضرورية، ليس فقط لان المسألة المثارة بوجهه سببت له ضغطا نفسيا لم يعد بامكانه احتماله، بل ايضا وقبل كل شيء صونا للقضاء. واذا كان بالامكان فهم الاعتبار المتصل بتفادي الضغط، فان الاعتبار الثاني يبقى بالمقابل غير مفهوم بل مبتذلا بعض الشيء: فكيف يمكن ان تكون استقالته ضرورة لرد الاذى عن القضاء؟ فهل للقضاء حساسية نفسية ايضا ام على العكس من ذلك ان للقضاء مصلحة في تبيان الابيض من الاسود، فلا تطلق الاتهامات على عواهنها، بل يبرأ المتهم زورا ويحاسب المرتكب؟ ومن دون ان يتضمن تصريحه اي تفسير واضح بهذا الشأن، يستشف منه انه يتبنى فرضية مفادها ان اي اتهام لقاض بحجمه، سواء كان محقا او غير محق، يسيئ الى القضاء برمته، وان ثمة مصلحة دائمة تاليا في لزوم الصمت بشأن مسؤوليات القضاة وفي حال اتهام احدهم، في قطع دابر هذا الاتهام من خلال استقالة القاضي المتهم، حتى ولو كان بريئا.
وبالطبع، الاخذ بهذه الفرضية يؤدي عمليا الى نتائج عبثية: فهي تفترض ليس فقط حفظ كرامة القضاء من خلال حصر محاسبة القضاة بالمراجع القضائية المختصة وحدها بمنأى عن الاعلام (وهذا ما كان تم التركيز عليه في خطاب الوزارة في التسعينات تحت شعار عدم المس بهيبة القضاء)، بل صرف النظر عن المحاسبة من اصلها، كلما كان المتهم قاضيا بحجم غسان رباح، مهما بلغت خطورة الفعل موضوع الاتهامة او درجة تورطه فيه، حفظا لهيبة القضاء. وما يزيد الامر عبثية هو صدور هذه الحجة (ليس عن مرجع معني بشؤون القضاء)، انما عن المتهم بنفسه، وكأنما لسان حاله هو الآتي: "لا تحاسبوني، لا تسائلوني فأي مس بكرامتي يمس بهيبة القضاء"، او كأنه يتخذ من هيبة القضاء درعا لمواجهة شبح المساءلة. ولا بأس لتقوية موقفه على هذا الصعيد من اعتماد ثلاث مواقف: الاول السعي الى تمجيد الذات من خلال الاشارة الى "مآثره" في القضاء، والثاني، "الترفع" بما يوحي بان القاضي المذكور هو اكبر من ان يجيب على التهم الموجهة اليه وهذا ما يذكر بموقف مجلس القضاء الاعلى حين ترفع عن الاتهامات الموجهة لقضاة عدة بارتكاب الاحتجاز التعسفي عمدا (نزار صاغية، مجلس القضاء الاعلى يلبس وشاحا جديدا: الترفع، الاخبار 23 ايلول 2009)، والثالث، الربط بين الاتهام الموجه اليه في 2012 بتفجير سيارته والذي تعرض له في 1984 اي منذ ما يقارب ثلاثين سنة، وكأنما قدره ان يكون ضحية وان يتحمل وحده جور الزمن. وهكذا، لا يشكل تخلي مجمع القضاة عنه في هذه الظروف اي دليل على تورطه في الفعل المتهم به، طالما ان هؤلاء تخلوا عنه منذ ثلاثين سنة حين تعرض لاعتداء واضح لا لبس فيه.  
ويلحظ ان تصريح القاضي دفاعا عن نفسه ورد في صحيفة النهار غداة نشر مقال في صحيفة اخرى (الاخبار) حول الاتهامات الموجهة اليه من دون تسميته. ويستدل من ذلك ان رغبته الاساسية تكمن في لزوم الصمت والانكفاء عن الدفاع عن نفسه في هذه المسألة، فيما يبقى على اتم الاستعداد للتراجع عن انكفائه في حال قيام الاعلام او اي مرجع آخر في اثارة الموضوع كما فعلت صحيفة الاخبار. لا بل ورد في اسفل المقال انه قد يعود عن استقالته في ظروف كهذه. وفيما المح التصريح الى فبركة التسجيل من قبل جهاز مخابراتي، فانه المح في تصريحه عن الاساليب التي بامكانه اللجوء اليها للدفاع عن نفسه. فالى جانب التهديد برفع دعاوى قدح وذم ضد كل من يشهر او يذم به وبتاريخه ومآثره في العدلية، وردت عبارة لافتة تقول الكثير: "لا أحب ان أسيس القضية حتى لا يقال هذا ضعف مني". فما معنى هذه العبارة؟ وما جدوى الاشارة الى التسييس من قبل قاض متهم برشوة في قضية تجارية ليس لها اي ابعاد سياسية؟ والواقع ان تفسير هذه العبارة الاكثر رجحانا هو تذكير من يهمه الامر (وبالاخص الوزارة التي عبر عن امتعاضه لها مرتين في المقال والتي ما برحت تلزم الصمت) بان بامكانه، عند الضرورة، اللجوء الى التسييس، وان كان يكره ذلك وانه من الافضل اذا للجميع لزوم الصمت والابتعاد عن الملاحقة. فاذا كان هو برئيا، فما جدوى اثارة الامر؟ بل الا يجدر بالجميع في هذه الحالة الانحناء احتراما لارادته بالترفع، حفظا لهيبة القضاء؟ واذا كان مذنبا، فما الذي يمنعه عن تسييس القضية وما تضمره من تطييف ومحاصصة، تماما كما يحصل عند محاسبة اي شخصية في لبنان، مما يحول عمليا وفي منتهى المطاف، دون محاسبته؟ وهكذا، بدا القاضي المتهم وكأنه يسعى الى تحصين ذاته من خلال ربط مسؤوليته الشخصية (وتاليا نجاته) بسفينتين: سفينة اولى اسمها هيبة القضاء (وهي السفينة التي يفضلها وهي تقود الجميع الى برّ الصمت)، وثانية اسمها النظام اللبناني الذي يبقى عصيا على المحاسبة باسم التسييس (وهي سفينة بامكانه اللجوء اليها عند الضرورة وهي تقود حتما الى ابرائه من المسؤولية).
وبكلام آخر، لمن يهمه الامر ان يعلم ان مصلحة الجميع هي الصمت، اما اذا ارادت الوزراة او غيرها الاستمرار في اثارة الموضوع، فان ذلك سيؤدي الى الاضرار بالقضاء (وربما الى اغراق سفينته) من دون الاضرار به لتوفر سفينة نجاة اخرى عملا بالقاعدة اللبنانية التي تمنع المحاسبة. اما الدفاع عن النفس من خلال اثبات براءته وعدم صحة الاتهامات، فهي امور تأتي من لزوم ما لا يلزم، او كآخر الحلول الممكنة والتي يتمنى ان لا يضطر اليها لما تسببه من امتعاض وضغط على نفسيته وعلى القضاء.
المقايضة: استقالة مقابل امتناع عن الملاحقة
ايا يكن، يتضح ان هذه الحجج وجدت لدى مجلس القضاء الاعلى آذانا صاغية. فقد سارع هذا الاخير الى  قبول طلب الاستقالة، رغم علمه الكامل بالتسجيل، بما يعني التزاما منه بالصمت المقترح ويؤشر ربما الى وجود اتفاق صريح او ضمني بمعالجة الفضيحة (الاتهام بالرشوة) بالاستقالة والصمت. وهكذا، بامكان "رباح" وفق هذا المجلس ان ينكفئ عن الدفاع عن شرفه حفظا على تعويض نهاية الخدمة ونظام التقاعد وربما منصب قاضي الشرف وكلها امور بامكانه ان يفقدها في حال ادانته او صرفه من الخدمة، وبامكان مجلس القضاء الاعلى بالمقابل ان يتجنب نزاعا مريرا مع احد كبار القضاة، وما يستتبعه من تغطية اعلامية لا مجال للتهرب منها، ويصعب التنبؤ بنتائجها ومن شأنها ربما ان تشكل رافعة لفضح قضاة آخرين يكثر الحديث عنهم داخل اروقة العدل من دون ان يتزحزحوا قيد انملة عن المناصب العليا التي يشغلونها. وما يؤكد على حصول اتفاق مماثل هو اعلان القاضي رباح عن امتعاضه من الوزارة ومن لزومها الصمت بشأن قضيته من دون اي اشارة الى المجلس، وكأنما الاتفاق حصل بينه وبين المجلس من دون ان يكون الوزير راضيا تماما عنه.
ولكن هل يعكس هذا الموقف مصلحة القضاء حقيقة؟ فالا يشكل الاتهام الموجه الى القاضي رباح اتهاما بارتكاب مخالفة من العيار الثقيل، من الحجم الذي لا يمكن اغلاق الباب معه من دون فصل الابيض عن الاسود؟ والا يشكل الامتناع عن ذلك مؤشرا آخر على غياب المحاسبة داخل القضاء خلافا للنوايا المعلنة، مما يجرد النظام القضائي برمته من مصداقيته ومشروعيته؟ ثم، وعلى فرض صحة الاتهام بالرشوة، فمن المفروغ منه ان المسؤولية الجزائية لا تتوقف عند رباح، بل تمتد لتشمل اشخاصا عدة آخرين. فمن هو الراشي؟ هل هو المتقاضي، اجير او سمسار لديه؟ ام انه محام ام قاض آخر؟ وما الى ذلك من اسئلة مشروعة.. ثم، اذا ثبت ضلوعه في الرشوة، فالا يجدر مصادرة الاموال المدفوعة، والامتناع عن تسديد التعويض وما الى هنالك من امور بديهية. ثم، وباية حال، اليس من المصلحة العامة ان نفرد طاقات لتبيان الحقيقة في هذا المجال ولردع اي تكرار؟ في ظل كل ذلك، يبدو مجلس القضاء الاعلى وكأنه قال كلمته وسقط.. اما الوزارة فيرجى ان يتحول صمتها –الذي اثار امتعاض القاضي- الى حركة تبدأ معها عملية المساءلة، تاديبيبا وجزائيا على حد سواء. ثم ماذا بشأن سائر القضاة؟ ماذا بشأن دور الاعلام ومنه المفكرة القانونية وما الى هنالك من اعلام مسؤول؟ هذا ما سابحثه في الحلقة الثانية.

انشر المقال

متوفر من خلال:

استقلال القضاء ، لبنان ، مقالات ، حريات عامة والوصول الى المعلومات



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية