ادّعاء عسكري على ناشط بدون أدلّة: براءة بعد افتراء؟


2020-12-07    |   

ادّعاء عسكري على ناشط بدون أدلّة: براءة بعد افتراء؟
رسم رائد شرف

يستغرب الناشط سامر مكاري أن يتمّ الادّعاء عليه من قبل النيابة العامّة العسكريّة بجرم معاملة قوى الأمن بالشدّة، وهو يؤكّد أنّه لم يتواجه يوماً مع أيّ من القوى الأمنيّة منذ بدايّة مشاركته في التظاهرات التي انطلقت في 17 تشرين الأول 2019. يوم الجمعة في 4 كانون الأول 2020، انعقدت جلسة مكاري وصديق له أمام المحكمة العسكريّة الدائمة برئاسة العميد منير شحادة، فخرج الشاب بحكم براءة فيما حوكم صديقه غيابياً بسبب غيابه عن الجلسة لوجوده خارج لبنان.

تأتي جلسة الناشط مكاري بعد سلسلة جلسات لمتظاهرين أمام المحكمة العسكريّة انتهت بإعلان براءة معظمهم من التّهمة نفسها التي غالباً ما تكرّرت وهي “معاملة قوى الأمن بالشدّة”. وغالباً ما اقترنت ادّعاءات النيابّة العامّة العسكريّة بشوائب عدّة، إمّا لناحيّة ادّعائها بجرائم تخرج عن اختصاصها أو لادعائها من دون أدلّة. وتُشكّل تهمة “معاملة قوى الأمن بالشدّة” واحدة من أبرز التّهم التي توجّه ضدّ متظاهرين، حتى في حالات تعرّضهم للتعذيب، أو من دون ثبوت التهمة عليهم أو حتى من دون لقائهم حتى القوى الأمنيّة كما هي حالة الشاب سامر مكاري الذي اتّهم بمعاملة عناصر أمنيّة بالشدّة وهو لم يلتق بهم أصلاً.

يقول مكاري لـ “المفكرة” إنّ الملف الذي يُحاكم فيه مبني على تحقيق خضع له مع صديقه لدى الشرطة العسكريّة بعد مداهمة منزلهما، بشأن معلومات مغلوطة وصلت للقوى الأمنيّة تفيد بأنّ “الشابين كانا ملثّمين فاستوليا على شاحنة واستخدماها لإغلاق الطريق على الأتوستراد الجنوبي وفرّا”. حينها أكّد الشابّان خلال التحقيق عدم صحّة المعلومات وخرجا في اليوم الثاني، إلّا أنّ ادّعاء النيابة العامّة تحدّث عن “معاملة قوى الأمن بالشدّة” من دون وجود أيّ دليل على ذلك، ما يعني أنّها ادّعت عليهما في جرائم لا تلائم وقائع التحقيق المدوّنة على المحضر. وهذا يستدعي السؤال مجدّداً: هل تقرأ النيابة العامّة الملفات بدقّة قبل الإدعاء؟

يتحدّث مكاري لـ “المفكرة” عن يوم التحقيق مشيراً إلى أنّه كان يشارك في التحركات الشعبيّة التي تحصل على الأوتستراد الجنوبي، وهو عضو في مجموعة أطلقت على نفسها اسم “ثوّار الإقليم”، “كلّ تحرّكاتنا كنّا ننشرها على صفحتنا على فيسبوك”. يُضيف، “وخلال تواجدنا على الطريق لم تحصل مواجهات بيننا وبين القوى الأمنيّة، أنا أحترم الجيش اللبناني لأنّ والدي عسكري سابق”.

ويروي يوم وصول المخابرات إلى منزله في صباح 23 كانون الأول 2019، “كنت حينها في الطريق وتلقّيت اتصالاً من والدي يسألني إن حصل معي أيّ شيء لأنّ المخابرات يسألون عنّي”. يُضيف، “أكّدت له عدم حصول أيّ شيء، وتوجّهت بنفسي إلى الشرطة العسكريّة وكان صديقي أيضاً قد تمّت مداهمة منزله واصطحابه إلى هناك في الوقت عينه”. ويشرح مكاري أسباب طلبه للتحقيق قائلاً: “كان لديهم معلومات غير دقيقة تفيد بأنّنا كنّا ملثّمين ونقوم بسرقة شاحنة بهدف إغلاق الطريق ورمي مفاتيحها، ونفيت أمام المحقق الأمر”.

ويُضيف، “أكدت للمحقق أنّنا في الوقت الذي يتحدّث عنه لم نكن مشاركين في قطع الطريق، بل نحن نعلن عن كل تحركاتنا على صفحتنا على فيسبوك”.

جلسة مكاري كانت سريعة، حضرتها وكيلته المحاميّة هلا حمزة من لجنة المحامين للدفاع عن المتظاهرين. ولسبب غياب صديقه عن الجلسة بسبب السفر جرت محاكمته غيابياً. وباشر رئيس المحكمة العسكريّة العميد منير شحادة استجواب مكاري حيث قرأ في البداية مضمون المحضر أمامه، مشيراً إلى “حادثة الأشخاص الملثمين الّذين أقدموا على قطع الطريق بالشاحنة والهروب”. فأكدّ مكاري أنّه حين تم توقيفه لليلة في وزارة الدفاع تم التحقيق معه من دون أن يطرح عليه أي سؤال حول معاملة قوى الأمن بالشدّة مؤكّداً استغرابه مضمون الادّعاء. وأضاف، “نحن كنّا نشارك في قطع الطريق لكن ليس بهذه الطريقة، كما أنّنا معروفون لدى القوى الأمنيّة في المنطقة ولا نلبسس الأقنعة حين نكون في الشارع”.

هنا سأله العميد شحادة: “يعني أنك لا تنكر مشاركتك بقطع الطرقات؟” فأجاب الشاب، صحيح. فسأله العميد: “هل قمت أثناء مشاركتك بقطع الطريق بالتعرّض للجيش اللبناني؟” فأجاب مكاري بالنفي.

وخلال مرافعتها، أكّدت المحاميّة حمزة على أنّ “الادّعاء لا يلائم الوقائع التي تمّ التحقيق فيها لدى الشرطة العسكريّة”. وشددت على أنّ “موضوع الملف، وهو إغلاق الطريق بالشاحنات عبر الضغط على أصحابها رمي مفاتيحها، لم يُعزّز بأيّ أدلّة”. ومن جهة أخرى، أكّدت حمزة، “في الأساس لا يوجد أدلّة على معاملة قوى الأمن بالشدّة، وبوجود الشاب أمامكم أنكر ذلك”. وطلبت حمزة إعلان براءة الشابين.

بعد ساعات على انتهاء الجلسة، أصدرت المحكمة العسكريّة حكمها، فأعلنت براءة مكاري من التّهم الموجّهة إليه فيما حكمت على صديقه غيابياً بالحبس لمدّة ستة أشهر. وتشرح حمزة “أنّ الحكم على الشاب الثاني بستة أشهر لا يعني أنّ التّهم ثابتة عليه، بل صدر بهذا الشكل لأنّه غاب عن المحكمة بسبب السفر، لذا سنقوم بالاعتراض وباسترداد خلاصة الحكم لتفادي توقيفه، وأثق بأنّه سيكون بريئاً تماشياً مع الحكم الذي صدر بحق مكاري”.

الحكم ببراءة مكاري كان متوقّعاً بالنسبة لوكيلته المحاميّة حلا حمزة التي تستغرب أن تدّعي النيابة العامّة على الشاب بتهمة تتعارض مع مضمون الملف. وتؤكّد أنّها ليست المرّة الأولى التي يتمّ الادّعاء فيها بهذه الطريقة. فملفّات كثيرة أحيلت إلى النيابّة العامّة العسكريّة في تهم تخرج عن صلاحيتها، وهنا تذكر حمزة أنّ مضمون التحقيق المتعلّق بالاشتباه بإغلاق الطريق بالشاحنات هو ليس من صلاحيات القضاء العسكري. أمام ذلك، ترى حمزة أنّ تكرار هذا النوع من الادّعاءات يستوجب السؤال: “هل تقرأ النيابة العامّة ملفّاتها؟ وتضيف، “يمكننا الافتراض أنّه نتيجة الضغط لم تقرأ الملف، لكنّ من ناحيّة أخرى نشعر وكأنّ هناك توجّهاً للضغط على الناشطين للتوقّف عن الاحتجاج”. ويعزز هذه الفرضيّات بالنسبة لحمزة صدور أحكام عديدة بالبراءة بحق المتظاهرين.

 

مقالات ذات صلة:

تهم من دون أدلّة تلاحق متظاهري الانتفاضة: المحكمة العسكريّة تعلن براءة “الجوكر”

النيابة العامّة العسكريّة تدّعي على المتظاهرين من دون قراءة ملفّاتها”.. البراءة مجدّداً لناشطي 17 تشرين

دعاوى “معاملة قوى الأمن بالشدّة” ضد متظاهرين أمام المحكمة العسكريّة: هدر للمال العام

محامو لجنة الدفاع عن المتظاهرين: أيّ تصوّرات لدورهم ودور نقابتي المحامين؟

ممثّل النيابة العامة العسكريّة يطلب البراءة للناشط خلدون جابر: حكم يفضح تلفيق الأجهزة الأمنيّة التّهم ضد المتظاهرين

انشر المقال

متوفر من خلال:

أجهزة أمنية ، أطراف معنية ، أنواع القرار ، البلد ، المرصد القضائي ، انتفاضة 17 تشرين ، تحقيقات ، حراكات اجتماعية ، حريات ، حرية التجمّع والتنظيم ، حرية التعبير ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، قرارات قضائية ، قضاء ، قضايا ، لبنان ، محاكم عسكرية ، محاكمة عادلة وتعذيب ، مسائل



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *