ادّعاءات بالتعذيب والصّعق بالكهرباء لدى مخابرات صيدا وطرابلس


2020-10-19    |   

ادّعاءات بالتعذيب والصّعق بالكهرباء لدى مخابرات صيدا وطرابلس
رسم غابرييلا لطيف

نشر هذا التقرير ضمن العدد 66 من المفكرة القانونية حول “الثورة في مواجهة السلطة وعنفها”، وهو جزء من سلسلة تقارير توثق أساليب قمع السلطات اللبنانية لحرية التظاهر بعد اندلاع انتفاضة 17 تشرين. تظهر هذه التقارير حجم تضحيات القوى المعترضة في لبنان وتشكّل مضبطة اتّهام بحقّ السّلطة، وتحديداً المرفق القضائي-الأمني، لجهة استخدام القوّة ضدّ معارضيها وارتكاب الأجهزة الأمنية جرائم عديدة وجسيمة بقيت بمنأى عن أيّ محاسبة جدّية. في الجزء الأوّل، نتناول التوقيفات التي تعرّض لها المتظاهرين والمنتفضين خلال الفترة الممتدة بين 17 تشرين الأوّل 2019 و15 آذار 2020. في الجزء الثاني، نتناول العنف والتعذيب بحقهم خلال هذه الفترة. في الجزء الثالث، نتطرّق إلى قمع حرية التظاهر خلال فترة إعلان التعبئة العامة والإغلاق لمواجهة وباء كوفيد-19 بين 16 آذار و30 حزيران 2020. وفي الجزء الرابع، نتناول استدعاءات المنتفضين إلى التحقيق خلال هذه الفترة. وفي هذا المقال، نتناول حملة التوقيفات التي قامت بها مخابرات الجيش على أثر التظاهرات في نيسان 2020. للإطلاع على منهجية  التوثيق، إضغط هنا

 

في آخر شهر نيسان 2020، أعلنت “لجنة المحامين للدفاع عن المتظاهرين” عن موجة اعتقالات في لبنان طالت أكثر من 75 موقوفاً في طرابلس وصيدا ونهر الكلب والبقاع وعين الرمانة، وذلك بعد موجة احتجاجات شهدتها تلك المناطق، بسبب ارتفاع سعر الدولار والغلاء وسياسات المصارف. اختلفت طرق إلقاء القبض على هؤلاء المحتجّين، بين توقيف خلال الاحتجاجات، أو مداهمة منازلهم، أو ترصّدهم واعتقالهم على الطرقات. واختلفت أماكن احتجازهم بين فروع مخابرات الجيش في المناطق، ومديرية المخابرات في وزارة الدفاع والمخافر. ومن اللافت، أنّ حالات تعذيب رُصدت بنتيجة هذه التوقيفات، كان من بينها حالتا صعق بالكهرباء على الأقل لموقوفين في مركز المخابرات في مدينة صيدا، في أوائل شهر أيّار 2020.

في قضيتيّ موقوفي طرابلس وصيدا، كانت مخابرات الجيش هي الجهة التي استلمت التحقيق معهم. ورغم تحفّظ “لجنة الدفاع” على صلاحية مديرية المخابرات كضابطة عدلية عسكرية وعدم التزامها بنطاق صلاحيّاتها، خاض المحامون معارك عديدة في هاتين القضيتين لضمان تطبيق المادّة 47 من أصول المحاكمات الجزائيّة التي تضمن للموقوف لدى الضابطة العدليّة الحقّ في الاتصال بأهله، ومقابلة محام، وطلب طبيب شرعيّ.

 

موقوفو صيدا: صعق بالكهرباء والمخابرات تحقّق مع نفسها

علمت “لجنة الدفاع” بوجود ستّة موقوفين تراوحت أعمارهم بين 17 و25 سنة لدى فرع مخابرات الجيش في مدينة صيدا تمّ إيقافهم في 30 نيسان 2020 على خلفيّة احتجاجات حصلت في صيدا ضدّ المصارف. وأشارت اللجنة في بيان إلى أنّه لم يسمح لغالبية الموقوفين بإجراء أيّ اتصّال أو ممارسة أيّ من حقوقهم منذ توقيفهم وحتّى تدخّل “لجنة الدفاع” ونقابة المحامين في بيروت يوم السبت في 2 أيّار.

رغم صدور إشارة من مفوّض الحكومة لدى المحكمة العسكريّة السابق بيتر جرمانوس بالسماح للموقوفين لدى فرع المخابرات في “ثكنة محمد زغيب” في صيدا بمقابلة المحامية لمى الأمين من “لجنة الدفاع”، لم تسمح المخابرات لها بالدخول وطُلب منها تأجيل زيارتها إلى اليوم التالي. لكن إصرار المحامية على مقابلتهم فوراً تنفيذاً للمادة 47 أدّى إلى نقل الموقوفين إلى الشرطة العسكرية في صيدا حيث تمكّنت المحامية من مقابلتهم.

تقول الأمين لـ”المفكّرة القانونيّة” إنّها خلال مقابلة الموقوفين الستّة لمدّة 25 دقيقة فقط، رصدت آثار الضرب الواضحة عليهم وكان وضعهم صعباً. وبالفعل سرعان ما أخبروها عن تعرّضهم للضرب والتعذيب من أجل انتزاع اعترفات منهم وعن تعرّض اثنين منهم للصّعق بالكهرباء، ما استلزم نقلهما إلى المستشفى الحكومي في صيدا فور الإفراج عنهما لاحقاً. أمّا الآخرون فأعلموا المحامية بأنّهم تعرّضوا للتهديد باستخدام الكهرباء ضدّهم كما تمّ تحذيرهم من مغبّة الكشف لاحقاً عن تعرّضهم للتعذيب.

تنوّعت الاتهامات التي وجّهت إلى الموقوفين بين رمي مولوتوف على المصارف، وضرب عناصر من الجيش، وإصابة عين ضابط، وتخريب أملاك عامّة، وتلقّي أموال مقابل التخريب والمشاركة في الاحتجاجات. وخلال التحقيق معهم لدى المخابرات سُئلوا عن أشخاص آخرين وعرضت عليهم صور لأشخاص مشاركين في الاحتجاجات.

وبعد ساعتين تقريباً من زيارة المحامية، تمّ الإفراج عن الموقوفين الستّة من الشرطة العسكريّة بعد التحقيق معهم، بعدما دام تحقيق المخابرات ثلاثة أيّام. وخلال التحقيق لدى الشرطة العسكرية، أكّد الموقوفون أنّ اعترافاتهم في “ثكنة زغيب” جاءت تحت التعذيب وأنّهم بحاجة لطبيب شرعيّ.

وإضافة إلى الموقوفين الستّة، أوقف قاصر (13 سنة) لدى مخابرات الجيش في “ثكنة زغيب” وتم التحقيق معه من دون حضور مندوب عن الأحداث خلافاً لما يفرضه القانون. ورغم إعطاء جرمانوس إشارته للمخابرات بتسليم جميع الموقوفين إلى الشرطة العسكرية، إلّا أنّ الموقوف السابع ظلّ موقوفاً لدى المخابرات حتّى يوم الاثنين في 4 أيّار أي بعد يومين من صدور الإشارة.

وفي تصريح إعلامي، قال الموقوفان علاء ومحمّد إنهما تعرّضا للتعذيب بالكهرباء وإنّ عناصر المخابرات هدّدوهما بإعادتهما إلى السجن وتعذيبهما مجدّداً، في حال تكلّما عمّا حصل معهما في “ثكنة زغيب”: “إذا بتحكي كلمة برا رح نرجع نجيبك لهون 4 أيام ونكسّرك من الضرب”. تحدّث محمّد عن صعقه بالكهرباء في قدميه وفي ظهره إلى أن فقد القدرة على تحمّل الألم وقال رداً على أسئلة المحقّقين بأنّه هو من كان يحرّض الناس على النزول إلى الشارع وهو من أعطاهم أموالاً لقاء ذلك. فضلاً عن ذلك، تعرّض محمّد للضرب على وجهه لمدّة ربع ساعة وتكسّرت أضراسه، بحسب تصريحه. ومن بعد الضرب والتعذيب الذي تعرّض له لـ4 إلى 5 ساعات، أصبح يقول لهم بأنّه إرهابيّ وقاتل حتّى يتوقّفوا عن تعذيبه. وفي تصريح آخر، ذكر علاء تعرّضه للضرب العنيف على أذنه وحنكه وقدميه.

وأمام تداول الإعلام والرأي العام بالمعلومات حول التعذيب، قرّر جرمانوس تكليف مديريّة المخابرات في الجيش بفتح تحقيق في هذه الادّعاءات. وقد شكّل هذا القرار مخالفة صريحة لقانون مكافحة التعذيب الصادر في العام 2017 الذي ينصّ على أنّ الملاحقة والتحقيق والمحاكمة بجرائم التعذيب تحصل من قبل “القضاء العدلي العاديّ، دون سواه من المحاكم الجزائيّة الإستثنائيّة”. وينصّ القانون أيضاً على “وجوب تولّي النيابات العامّة وقضاة التحقيق، الناظرين في الإخبارات والشكاوى المتعلّقة بالتعذيب، جميع إجراءات الاستماع والتحقيق بالذات، دون استنابة الضابطة العدليّة أو أيّ جهاز أمنيّ آخر للقيام بأيّ إجراء باستثناء المهمّات الفنيّة”. وعدا عن ذلك، من غير المنطقي أن تقوم الجهة الأمنية المشتبه بارتكابها التعذيب بالتحقيقات القضائية في ذلك. ومع ذلك، زار ضبّاط من المخابرات الموقوفين في المستشفى ليطمئنوا على حالتهم ويبلغوهم بفتح تحقيق في التعذيب. وبعد ذلك، قامت مديرية المخابرات باستدعاء الموقوفين اللذين تعرّضا للتعذيب. وبناء لطلب المحامين باحترام أصول التحقيق في قضايا التعذيب، أحال جرمانوس القضية إلى قاضي التحقيق العسكري لإجراء التحقيقات اللازمة.

 

سابقة قانونيّة في وزارة الدفاع

في 30 نيسان، أعلنت “لجنة الدفاع” عن “سابقة قانونيّة” وهي قيام محامين من اللجنة بزيارة 15 موقوفاً (معظمهم من الموقوفين على خلفية الاحتجاجات في طرابلس) لدى مديرية المخابرات في وزارة الدفاع، مؤكدة أنها المرة الأولى التي تقوم فيها مديريّة المخابرات بتطبيق المادّة 47 من قانون أصول المحاكمات الجزائيّة لناحية السماح للموقوفين بمقابلة محامٍ فور الاحتجاز وقبل التحقيق معهم. حصل هذا الأمر بعدما قدمّت اللجنة إخباراً بالإخفاء القسري ومخالفة المادّة 47 لدى النائب العام التمييزي القاضي غسّان عويدات، بعد اتّصالات من أهالي الموقوفين في فرع المخابرات في القبّة يخبرون فيها عن تعرّض أبنائهم للضرب خلال التحقيقات. وتأمّن دخول المحامين إلى سجن المديرية بناء لطلب من نقيب المحامين في بيروت ملحم خلف، تبعه قرار من مفوّض الحكومة السابق جرمانوس.

وفيما بات تطبيق المادّة 47 لدى أجهزة قوى الأمن الداخليّ بحكم المكتسب بعد معارك عدّة خاضها المحامون في تظاهرات عام 2015 وخلال الانتفاضة الحالية، فإنّ تطبيقها لدى مديرية المخابرات تحديداً يشكّل معركة قانونية بحدّ ذاتها، كون هذه المديريّة قامت بموجة اعتقالات وتعذيب من دون الكشف عن أماكن احتجاز الموقوفين أو السماح لهم بالاتّصال بأهاليهم أو مقابلة محامين طوال أيام عدة. إلّا أنّ المحامين أشاروا إلى أن المديرية منعتهم من مقابلة ثلاثة موقوفين على الأقل من طرابلس والمتن وأنكرت احتجازهم لديها ليتبيّن لاحقاً أنهم كانوا محتجزين مع آخرين وقيد التحقيق لديها.

بعد زيارة الموقوفين في وزارة الدفاع، أشارت “اللجنة” في بيانها إلى أنّ آثار العنف كانت ظاهرة بوضوح عليهم، إضافة إلى وضعهم النفسيّ الصعب وأنّ من بينهم 3 قاصرين. ووفقاً لرئيسة “المفكرة” المحامية غيدة فرنجية التي تمكّنت والمحامي وائل همّام من مقابلة الموقوفين، شكّلت المقابلات كسْراً واضحاً للعزلة التي يختبرها الموقوف لدى المخابرات والتي تشكّل نوعاً من الإكراه المعنوي، بحيث تأكّد الموقوفون أنّهم ليسوا متروكين ومخفيين، على عكس ما كان يُصوّر لهم من قبل بعض العناصر الذين رفضوا السماح لهم بإجراء أيّ اتّصال عند القبض عليهم. كما تمكّن هؤلاء من الحصول على استشارة قانونية حول حقوقهم ومسار التحقيقات وغيرها من الأسئلة التي طرحوها وتأكدوا أنّ التحقيقات تجري تحت إشراف القضاء العسكري. كما سجّلت سابقة أخرى في مديريّة المخابرات تمثّلت في حضور مندوبة من اتحاد حماية الأحداث للمرة الأوّلى خلال التحقيقات مع القاصرين الثلاثة الذين كانوا ضمن الموقوفين في الوزارة.

لم تكتفِ اللجنة بكسر العزلة عبر زيارة الموقوفين فقط، بل ضغطت ليتمكّن هؤلاء من الاتّصال بأهلهم، وهذه خطوة ثانية مهمّة في تطبيق المادّة 47، بعد أيّام من ضياع الأهل وعدم معرفتهم بمكان احتجاز أبنائهم وما إذا تمّ نقلهم إلى أماكن أخرى حيث كانت تردهم معلومات عن استمرار احتجازهم لدى فرع المخابرات في القبة -طرابلس. ورغم مطالبات اللجنة، لم تسمح النيابة العامة العسكرية بمعاينة الموقوفين طبياً إلّا بعد خمسة أيّام حين تم نقلهم إلى نظارة المحكمة العسكريّة، وهو ما اعتبرته “لجنة الدفاع” مخالفاً لـ”موجب التثبت والتحقيق في جرائم التعذيب ويؤدي لإخفاء آثار العنف الظاهرة على أجسادهم”.

 

طرابلس: العنف كعقاب فوري للموقوفين

تتعامل السلطات الأمنيّة مع ملفّ طرابلس بخصوصيّة شديدة كون الإصابات في صفوف الجيش كانت كثيرة خلال الاحتجاجات والتي يحصيها بيان الجيش بـ50 إصابة بينها لـ6 ضبّاط من دون أن يحدّد أنواع الإصابات أو خطورتها. وبالتالي فإنّ العنف المفرط المستخدم من قبل الجيش خلال التوقيفات يهدف، بحسب بيان “لجنة الدفاع” الصادر في 3 أيّار 2020، “إلى انتزاع المعلومات ومعاقبة الموقوفين، ممّا قد يشكّل جرائم التعذيب”. وقد أشارت المحامية فرنجيّة، إلى أنّ العنف الممارس خلال إلقاء القبض على الموقوفين وخلال نقلهم والتحقيق معهم داخل مراكز الاحتجاز، قد يشكّل جرائم تعذيب وهو بمثابة العقوبة أو المحاكمة الفوريّة، فيتعرّض الموقوف “لعقوبة جسديّة لمجرّد الاشتباه بأنّه كان مرتبطاً بالاشتباكات”.

استمعنا إلى أحد هؤلاء الموقوفين، وهو وائل حمزة، 29 عاماً، الذي كان أوقف في 28 نيسان، في طرابلس أثناء توجّهه إلى جنازة الشابّ فوّاز السمّان الذي قتل في اليوم السابق خلال مواجهات مع الجيش في المدينة. يروي حمزة لـ”المفكّرة” أنّه تمّ سوقه إلى مركز المخابرات في القبّة – مع دراجته الناريّة – على خلفيّة تصويره لفيديو احتراق سيّارة “ريو” للجيش يقول في خلفّيته: “ولّعها”. يتحدّث وائل عن تعذيب بالضرب تعرّض له في القبّة حيث قضى ثلاثة أيّام، قبل أن ينقل إلى وزارة الدفاع حيث استقبل بالضرب أيضاً. يقول وائل إنّه اقتيد إلى الوزارة معصوب العينين ولدى استقباله، وضعت على بطنه آلة قيل له إنّها آلة صعق بالكهرباء ووعده أحد العناصر في الوزارة بأن يجرّبها عليه مساء. وحين رفعت العصبة عن عينيه لأخذ البصمة، تعرّف عليه أحد العناصر وقال إنّه هو الذي صوّر حرق آلية الجيش، فتعرّض للضرب حينها من عناصر آخرين.

كان ذلك قبل زيارة المحامين للموقوفين في الوزارة، والتي وصفها حمزة بالزيارة التي ردّت الروح له وللموقوفين. وخلال الأيّام الخمسة التي أوقف فيها حمزة في وزارة الدفاع، جرى التحقيق معه مرتين: الأولى بشكل فرديّ والثانية مع باقي الموقوفين حيث تركوهم واقفين لخمس ساعات معصوبي الأعين. “مين الشيخ يللي باعتك؟” هو أوّل سؤال وُجّه لحمزة خلال التحقيق. وفي غرفة السجن، يقول حمزة إنّ الموقوفين كانوا يتعرّضون للإهانة بشكل متواصل. وبعد نقل الموقوفين إلى المحكمة العسكريّة، وخلال حلق شعرهم يوم الثلاثاء، سأل حمزة عن سبب ذلك، فأجابه أحد عناصر الجيش أنّه عند خروج الموقوفين من السجن، سيراهم أصدقاؤهم من دون شعر، وسيتوقّفون عن النزول إلى التظاهرات. وبعد الانتهاء من حلق شعره، سأل العسكريّ حمزة إذا كان ما زال ينوي النزول إلى الشارع، فردّ الأخير بـ”نعم”، فما كان من العسكريّ إلّا أنّ حلق له شاربيه.

لفت وائل إلى أنّه لم يسمح له أبداً أن يقرأ أقواله قبل أن يوقّع عليها ليفاجأ خلال التحقيق في المحكمة العسكريّة أنّه متّهم برمي الحجارة على الجيش، إضافة إلى تهمة التحريض على قتل عناصر من الجيش. وهو لم يقم بشيء من هذا ولم يعترف به. في حين يصف حمزة أنّه كان في البداية يدافع عن ضابط من الجيش يعرفه، وبعدها أصيب أخوه، ومن ثمّ فوّاز السمّان، ولم يكنْ تصوير الفيديو سوى ردّة فعل، وبالتالي لا علاقة له بالحرق.

 

الادّعاء على الموقوفين في طرابلس بملفّات عدّة

بعد الإفراج عن عشرات الموقوفين في طرابلس، أبقت النيابة العامة العسكرية على 17 منهم قيد الاحتجاز، مدّعية بحقهم أمام قضاة التحقيق العسكري. وقد أشارت “لجنة الدفاع” إلى تجاوز آماد التوقيف القانونية بحقهم حيث استمرّ احتجازهم لغايات التحقيق لأكثر من 4 أيام. كما لم يمثلوا أمام قاضي التحقيق العسكري فور الادعاء بحقهم بل بعد أكثر من أسبوعين على توقيفهم. وأشارت فرنجية إلى أنه يبدو أن القضاء العسكري لم يحتسب مدة التوقيف لدى فرع المخابرات في طرابلس حيث أمضوا فترة تراوحت بين يوم وثلاثة أيام. ومن الجدير ذكره أنّ المحامين لم يتمكّنوا من الاطّلاع على الملفات بسبب إغلاق المحكمة العسكريّة نظراً لإصابة بعض العسكريّين بفيروس “كورونا”.

انقسمت قضيّة موقوفي الشمال إلى ملفّين: الأوّل ضمّ الموقوفين في وزارة الدفاع بحيث ادّعى عليهم مفوّض الحكومة لدى المحكمة العسكرية في 7 أيّار بمحاولة قتل عناصر من الجيش وإضرام النار والمسّ بسمعة المؤسّسة العسكريّة. أمّا الثاني فهو لمجموعة شبّان أوقفوا من قبل استقصاء قوى الأمن الداخلي وادّعت معاونة مفوّض الحكومة لدى المحكمة العسكريّة القاضية منى حنقير على 6 منهم بتهم تكسير آليات عسكرية ومعاملة عناصر أمنية بالشدّة والمسّ بسمعة المؤسسة العسكرية على خلفية “إحراق آلية عسكريّة من نوع رابيد تابعة للأدّلة الجنائيّة وأخرى عائدة لآمر فصيلة مخفر التل” وذلك خلال التظاهرات في أواخر نيسان 2020.

وبسبب إغلاق المحكمة العسكرية نتيجة إكتشاف إصابات بفيروس كورونا ضمن العاملين فيها، أجريت جلسات تحقيق إلكترونيّة للموقوفين في الملفين. وقد دافع عنهم فريق من المحامين تمّ تكليفه لهذه الغاية من قبل نقابة المحامين في طرابلس.

في الملفّ الأوّل المتعلق بـ11 موقوفاً نقلوا من وزارة الدفاع إلى المحكمة العسكرية، أجرى قاضي التحقيق العسكري مارسيل باسيل جلسات استجواب إلكترونية يوم الإثنين 15 أيار وحضرها 11 محامياً من فريق الدفاع، وهم: محمد صبلوح، عبد الرحمن ضاهر، أحمد البياع، نمر الحسن، نايف عليوة، زياد عجاج، غسان مرعي، أحمد ياسين، غيدة فرنجية، خليل عيش وفداء عبد الفتاح. وفقاً لفرنجية، طالب المحامون بإطلاق سراح الموقوفين بسبب تخطّي المهل القانونية، كما طالبوا بتوثيق ما تعرّض له الموقوفون من عنف على محاضر الاستجواب الرسميّة، ليكون دليلاً يستخدم لاحقاً. وقد دوّن القاضي باسيل إفادات الموقوفين حول أماكن تعرّضهم للضرب والطرق المستخدمة في الضرب التزاماً بموجب القضاء من التحقق والتثبّت بإدلاءات التعذيب. وعلى إثر الاستجوابات، قرّر القاضي باسيل إطلاق سراح جميع الموقوفين مُعتبراً أن حقّهم في الصحّة والحياة يطغى على ضرورات التوقيف، خاصّة بعد إصابة عدد من العسكريّين بكورونا وحجر عسكريّين آخرين وقضاة ومحامين. وبالفعل، تمّ إطلاق سراح جميع الموقوفين من نظارة المحكمة العسكرية بعد ساعتين من صدور القرار.

وفوجئ المحامون، بحسب المحامي أحمد البيّاع، بادّعاء النيابة العامة الاستئنافية في الشمال أيضاً بحق هؤلاء الشبّان أمام قاضية التحقيق الأوّل في الشمال سمرندا نصّار التي أصدرت 11 مذكّرة توقيف غيابيّة بحقّهم، واعتبرتهم فارّين من العدالة رغم أنه تمّ الإفراج عنهم أصولاً من سجن المحكمة العسكرية. يقول البيّاع إنّ هذه المذكّرات تطرح علامات استفهام عديدة، وتعدّ المذكّرات مخالفة للأصول القانونيّة وتمّ التقدم بطلب استردادها، والمحامون بانتظار الجواب على الطلب. ولفت البيّاع إلى أنّ الفرار من العدالة يحصل حين يكون الشخص موقوفاً ويهرب من السجن أو حين يتوارى عن الانظار، أمّا الموقوفون الأحد عشر فخرجوا من السجن بقوّة القانون وبقرار من قاض. واعتبر البيّاع أنّ ما قامت به القاضية نصّار هو “إجراءٌ تعسفيّ لناحية حرمان أشخاص من حقوقهم المدنيّة وهو خرق لكلّ الضمانات ولحقّ المدّعى عليهم بالاستمهال لتوكيل محامٍ”. ويشمل الملفّ الذي ادّعيَ فيه بتهم الشغب والتخريب في طرابلس يوم تشييع فوّاز السمّان 43 شخصاً من بينهم أولئك الـ11 الصادرة بحقّهم مذكّرات توقيف غيابيّة.

أما بالنسبة إلى الملف الثاني المتعلّق بستّة موقوفين كانوا قيد الإحتجاز لدى قوى الأمن الداخلي في مخافر الشمال، فقد عقد قاضي التحقيق العسكري علي موسوي جلسة استجواب إلكتروني يوم الجمعة 15 أيار بحضور المحامي أحمد البيّاع، وقرر على إثرها إطلاق سراحهم جميعاً. إلّا أنّ إغلاق المحكمة العسكرية وصدور القرار يوم الجمعة في نهاية الدوام أخّر تنفيذ القرار لغاية ليل الإثنين في 18 أيار لحين موافقة النيابة العامة العسكرية. ومع إطلاق سراحهم، لم يعد هناك أي موقوف على خلفية الاحتجاجات وفقاً للجنة المحامين للدفاع عن المتظاهرين.

 

نشر هذا المقال في العدد 66 من مجلة المفكرة القانونية – لبنان. للاطلاع على مقالات العدد اضغطوا على الرابط: الثورة في مواجهة السّلطة وعنفها

انشر المقال

متوفر خلال:

أجهزة أمنية ، المرصد القضائي ، انتفاضة 17 تشرين ، حراكات اجتماعية ، حركات اجتماعية ، حريات ، حريات عامة والوصول الى المعلومات ، حرية التعبير ، قضاء ، لبنان ، مجلة لبنان ، محاكم عسكرية ، محاكمة عادلة وتعذيب



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *