احتكارات المحاصصة الشاملة

،
2021-05-06    |   

احتكارات المحاصصة الشاملة
رسم رائد شرف

رافقت إشكالية الاحتكار لبنان منذ تأسيسِه حيث ارتبطَتْ بمصالح رأس المال الأوروبي، واستمرّت مع تطوّر المجتمع والاقتصاد فيه. وهذا ما أثبتهُ الاقتصادي توفيق كسبار في بحثه المرجعيّ الذي أنجزه بالتعاون مع مؤسسة البحوث والاستشارات في عام 2003، والذي كشفَ فيه أن نصف الأسواق اللبنانية على الأقلّ تتنظّم وفق بُنى احتكارية أو خاضعة لاحتكار القلّة، ومرشّحة بالتالي للخضوع لممارساتٍ تحدُّ من المنافسة. 

وفي حين أنّ بعض أشكال الاحتكار نشأت عن نفوذ مالي وممارسات موروثة منذ ما قبل الحرب أهمّها ممارسات “التمثيل التجاري”، أفرزتْ الحرب وما تخلّلها ولحقها من سبل للسيطرة وتحقيق الغنائم أشكالاً أخرى من الاحتكارات التي تفوقها خطورة. وغالباً ما اتّصلت هذه الاحتكارات المستجدّة بنظام اقتسام السلطة والمحاصصة بين الزعماء بل أيضاً النفوذ الجغرافي لكلّ منهم (كما تشهد على ذلك صفقات جمع النفايات ومعالجتها واحتكارات الأحياء لتوزيع الماء أو الكهرباء أو الإنترنت..). وبخلاف احتكارات ما قبل الحرب التي تعزّزت بقوّة القانون كالتمثيل التجاري مثلاً، فإنّ جزءاً لا يستهان به من احتكارات ما بعد الحرب تعزّزت على العكس من ذلك تماماً بقوّة اللاقانون وشملت قطاعات واسعة تُرِك التحكّم بها للأقوى والأكثر نفوذاً بمعزل عن أيّ ضوابط أو كوابح. ويؤشّر هذا التوجّه إلى ترسبّات الحرب التي تمتاز هي الأخرى بشمولية اللاقانون بما أتاح للأقوياء فيها مراكمة الغنائم من دون حسيب. وقد تمّ ذلك ليس فقط من خلال الامتناع عن تنظيم قطاع حيويّ ومربح، إنما أحياناً من خلال وضع نصوص تنظيمية من دون وضعها موضع التنفيذ وفق ما شهده قطاع المقالع والمرامل خلال العقود الثلاثة الماضية. الاتجاه نفسه نشهده بفعل إهمال المرافق العامّة الحيوية التي تتولّى احتكاراً معيّناً كما في مجالَي الطاقة والكهرباء والماء، وهو الأمر الذي أدّى إلى استيلاد احتكارات بديلة هدفها تأمين الخدمات العامّة المفقودة بدلاً عن الدولة وعلى نقيضها. وقد شكلت السياسة المالية والنقدية وما استتبعها من تمركز للودائع لدى مصرف لبنان وعدد محدود من المصارف مورداً هامّاً أسهم في تضخيم موارد الاحتكارات وحجمها على أنواعها.  

ومن هذه الوجهة، لم تبدُ الاحتكارات المتنامية بعد الحرب مجرّد ممارسات تقودها شركات كبرى للتحكّم بالسوق بما يضرّ بالمنافسين والمستهلكين، بل قبل كل شيء أداة فعّالة تضمن للزعماء ومحيطهم مواصلة تحصيل الغنائم رغم انتهاء الحرب، وبرهاناً إضافياً على ترسّب قيمها. كما تبدو من المنظور نفسه نتيجةً شبه حتمية للانحدار الذي أخذه النظام السياسي في اتّجاه الشمولية. فبعدما انحدر النظام من نظام لتقاسم السلطة إلى نظام لتقاسم موارد الدولة ووظائفها (أو ما بات يصطلح على تسميته بالمحاصصة)، كان من المتوقّع أن يستكمل تحوّله في اتّجاه تقاسُم ثمار الفساد في القطاع الخاص أيضاً كما ثمار الأسواق المحتكَرَة أو القابلة للاحتكار. فكيف يُنتظر أن تتخاصم الزعامات على أصغر مورد أو وظيفة في الدولة بحماسة غالباً ما تسببت في تعطيل الحكومة والمؤسّسات لآماد طويلة، من دون أن تبذل عناية متساوية وربما أكبر لضمان حصولها على الحصّة التي تراها مناسبة في كلّ صفقة تصبح ممكنة بفعل اللاقانون أو ممارسات الفساد أو انكفاء الدولة عن أداء وظائفها؟ وعليه، تناولنا في هذا العدد قطاعات عدّة برز فيها ترابط جليّ بين الاحتكار وهذه العوامل المختلفة. من هذه القضايا، قضايا كارتيلات النفط وشركات الإسمنت والمقالع التي أفردنا لها مقالات طويلة. كما خصّصنا ملفّاً كاملاً لقضية سوناطراك بالنظر للمعطيات الغنيّة التي وفّرتها، وبخاصّة لجهة كيفية تمديد احتكارها رغم الغشّ الواضح فيها ليصبح شبه امتياز دام 15 سنة. وقد كشفت مداولات مجلس الوزراء التي أسهب القرار الظنّي الصادر في هذه القضية (تموز 2020) في سردها، أنّ القرارات المتّصلة بالصفقات الكبرى للشراء العامّ لا تتمّ داخل مجلس الوزراء إنّما في اجتماعات جانبية بين الكتل السياسية بما يدخلها ضمن منطق المساومات والحصص. أمر آخر كشفته هذه القضية، هو تعميم الفساد في الإدارات العامّة بعدما تحوّلت الشركة المحتكرة إلى أداة لإفسادها. وليس أكثر دلالة على ذلك وضع عشرات أسماء الموظفين العامين على payroll هذه الشركة. وعليه، لم يكن من المفاجئ أن تتلاقى مصالح عالم الأعمال مع أعيان السلطة السياسية وأن ينجحوا معاً في إعاقة قانون حماية المنافسة رغم الضغوط الدولية لإقراره. 

والملفت أنّ تماهي السلطات العامّة والقوى السياسية التي تهيمن عليها مع الممارسات الاحتكارية لم يقتصر على فترات اليُسر، بل شهدناه أيضاً في فترة الانهيار. وهذا ما أقرّت به حكومة دياب لتصريف الأعمال حين اعتبرتْ أنّ إدارة سياسة الدّعم (من قبل مصرف لبنان بالتنسيق مع وزارة الاقتصاد) إنّما استنزفت الاحتياطات القليلة المتبقية بالعملات الأجنبية بدون تحقيقها أهدافها بالوصول إلى الفئات الأقلّ قدرة، بل عادت بالفائدة خصوصاً على “مجتمع الأعمال” (خطة الحكومة لترشيد الدعم في أواخر كانون الأول 2020). ويشكّل هذا الإقرار الحكومي برهاناً إضافياً على الترابط القائم بين البنية الاحتكارية وبنية النظام السياسي وهو ترابط أدّى إلى التضحيّة بجزء كبير من الذخيرة المتبقية دعماً لهاتين البنيتين.    

وتالياً، لا نبالغ إذا قلنا إنّ البنية الاحتكارية تبدو في الوضع اللبناني مرادفاً لبنية نظام الزعماء، بحيث يصبح فهمها ومقاومتها والعمل على تفكيكها جزءاً لا يتجزّأ من فهم النظام السياسي ككلّ ومقاومته والعمل على تفكيكه واستحقاقاً هامّاً في مسار بناء الدولة الديمقراطية تمهيداً للمحاسبة وتوزيع الخسائر الفادحة بصورة عادلة والأهم وقف الهدر واستنزاف الموارد العامّة. وما يزيد هذا الاستحقاق إلحاحاً هو ضرورتان تفرضهما دقّة المرحلة:  أولاً، ضرورة الانتقال من نظام الاقتصاد الريعي إلى نظام الاقتصاد المنتج الذي لا مجال لتطوّره في ظلّ الاحتكارات القائمة ووضعية اللاقانون، وثانياً، ضرورة تدخّل الدولة لتأمين حاجات المواطنين الذين فقد قسم كبير منهم مدخّراتهم ووظائفهم ومداخيلهم وقدراتهم الشرائية بأقلّ أكلاف ممكنة. استحقاقات كهذه تتطلّب اليوم أكثر من أيّ يوم مضى تجفيف منابع الاحتكار، سواء اتّخذت هذه المنابع شكل قانون أو … لاقانون.  

 

نشر هذا المقال في العدد 68 من مجلة المفكرة القانونية – لبنان. احتكارات المحاصصة الشاملة

انشر المقال

متوفر من خلال:

أحزاب سياسية ، اقتصاد وصناعة وزراعة ، البرلمان ، تشريعات وقوانين ، حقوق المستهلك ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، سياسات عامة ، قطاع خاص ، لبنان ، مؤسسات عامة ، مجلة ، مجلة لبنان ، مصارف



لتعليقاتكم