احتفالية ستينيّة مجلة القضاء والتشريع: اعتراف بأهمية الدّور وتغييب للسّؤال عن الحاضر


2021-04-15    |   

احتفالية ستينيّة مجلة القضاء والتشريع: اعتراف بأهمية الدّور وتغييب للسّؤال عن الحاضر
من الاحتفالية (المجلة القانونية)

بتاريخ 08-04-2021، نظّم مركز الدراسات القانونية والقضائية تظاهرة بمدينة الثقافة بتونس احتفالا ببلوغ مجلة القضاء والتشريع التي تصدر عنه عقدها الستين. نبهت المبادرة للدور الهام الذي لعبته المجلة في تحفيز القضاة على البحث والكتابة في المادة القانونية ولأهمية مساهمتها في ضمان اطلاعهم على المستجدات القانونية علاوة على تعميق اطّلاعهم على الإشكاليات القانونية بما يفيد عملهم القضائي. أهمية التظاهرة التي أريد لها أن تكون مناسبة لتكريم عدد ممن ساهموا في صناعة خطّها التحريري لا يمنع من ملاحظة أن العدد الأول من مجلة القضاء والتشريع صدر في بداية سنة 1959 وأن آخر عدد صدر منها يعود تاريخه لسنة 2018[1]. يُستفاد من ذلك أن الاحتفال بها تمّ في غير توقيته وفي زمن باتت فيه المجلة المحتفى بها تعاني من شحّ العطاء. وكان ينتظر لهذا الاعتبار أن يكون ما تم من احتفال مناسبة لسؤال حقيقي عن سبب تعثر المجلة وعن حاجتها لتجديد ذاتها لتتمكن من مواصلة أداء دورها الوظيفي.

سؤال غيبته الأجواء الاحتفالية: كيف تجدد المجلة ذاتها؟

بعيدا عن بُعدها التقنيّ ودورها في التعريف بالتشريع والقانون والذي كان كما سلف بيانه إيجابيا في تطوير فقه القضاء وفي ضمان اطّلاع القضاة على مختلف الآراء فيما يعترضهم عند نظرهم للمنازعات من إشكاليات قانونية، كانت مجلة القضاء والتشريع فيما مضى من تاريخها من منصّة تعبير جانب من القضاة عن ولائهم للسلطة السياسية[2]. كما كانت في الغالب من النصوص التي تنشر بها تميل إلى شرح القانون والإشادة ببعد نظر المشرع التونسي وحسن صياغته لقوانينه. كما كانت ذات الهيئة في غير تلك الأعداد تشترط للقبول بنشر ما يكتبه القضاة من مقالات ألا يتضمن نصّها نقدا للخيار التشريعي وتقييما له بحجّة أنّ القضاة جزءٌ من السّلطة ومطلوب منهم تنفيذ القوانين والحرص على حسن تطبيقها بما لا يجوز لهم معه إبداء مواقف نقدية منها.

فضلا عن ذلك، كانت هيئة تحرير المجلة تحرص في كل سنة من تلك الحقبة الطويلة على تخصيص عددها العاشر لنشر خطابات افتتاح السنة القضائية التي يلقيها المسؤولون القضائيون مع كل ما فيها من تعبير عن انسجامهم مع السلطة وهي نصوص سبق واعتبرتها “المفكرة القانونية” مستندات قيمة لكل من يريد الغوص في أدبيات العلاقة التي كانت تربط كبار القضاة بتونس بالنظام السياسي[3].

ولهذه الاعتبارات، كانت المجلة في جانب كبير منها من الأدوات التي خدمت فكرة القضاء المنسجم والتي كرست بالتالي تبعيته للسلطة التنفيذية بشكل معلن ومسيء لقيمه وقيمته.

بعد الثورة وفي ظلّ دستور الجمهورية الثانية، كان ينتظر من مركز الدراسات القضائية الذي يشرف على نشر المجلة تقييم ما مضى من دور وظيفي لها وأن يختار لها خطا تحريريا يساهم في تنزيل قيمة القاضي حامي الحقوق والحريات على أرض الواقع سواء فيما يحدد من مواضيع للأعداد أو عبر نشر فقه القضاء الذي يصدر عن المحاكم ويكرس تلك القيم. لكن وخلافا للمنتظر، لم يحصل التقييم المطلوب وفي مقابله غاب الانتظام في النشر، فحجب السؤال عن أسبابه وعن مبرراته غيره من الأسئلة.

يستخلص مما سلف أن مجلة القضاء والتشريع والتي تعد من تراث القضاء التونسي ومن العوامل التي ساهمت في تطوير التحصيل النظري للقضاة تعيش اليوم أزمة حقيقية لا يمكن أن يخفيها الاحتفال بستينيتها وأن تجاوز تلك الأزمة يستدعي طرحا للسؤال حول أي مجلة يحتاج القضاء التونسي لتكون سندا له في بناء استقلاليته وتطوير أدائه.

 

 

  1. للاطلاع على الفهرس الالكتروني للمجلة اضغط هنا
  2. يراجع ” القضاء العربي في زمن الاستبداد ،قضاة تونس ومصر بين قواعد المهنة وضرورات السياسية ، سامر غمرون ونزار صاغية – صفحة 82 وما بعدها للاطلاع اضغط هنا
  3. صفحة 83 المرجع السابق .

 

انشر المقال

متوفر من خلال:

المهن القانونية ، تونس ، قضاء ، مؤسسات إعلامية



لتعليقاتكم