احتجاجات طرابلس: بلاغ من النيابة العامّة عن مفقود لدى مخابرات الجيش 


2021-02-17    |   

احتجاجات طرابلس: بلاغ من النيابة العامّة عن مفقود لدى مخابرات الجيش 
صورة من الاعتصام أمام المحكمة العسكرية

“لمن يعرف عنه شيئاً، الاتصال بفصيلة القبّة”، بهذه العبارة اختتمت قوى الأمن الداخلي تعميماً أصدرته في نهاية الشهر الماضي لصورة مفقود قاصر خرج من منزل ذويه قبل التعميم بيومين ولم يعد من دون أن يعلموا شيئاً عنه. حتى الآن لا شيء خارج عن المألوف في التعميم الذي يشبه غيره من التعاميم حول مفقودين تصدر عن قوى الأمن الداخلي بإشارة من النيابات العامّة. لكن المفاجأة كانت عندما ظهر المفقود في المحكمة العسكرية بعد أيام على اختفائه وفقاً لأحد المحامين، ليتبيّن أنه كان محتجزاً لدى مخابرات الجيش في القبّة، أي على بعد أمتار من فصيلة القبّة التي تبحث عنه، على خلفية مشاركته في الاحتجاجات في طرابلس في نهاية كانون الثاني 2021 قبل أن ينقل إلى وزارة الدفاع في بعبدا. وهو واحد من 24 موقوفاً أحيلوا إلى قاضي التحقيق العسكري للتحقيق معهم في تلك الأحداث.  

وفي حين لا تزال قيادة الجيش تنكر إقدامها على إخفاء أيّ من هؤلاء الموقوفين أو انتهاك حقوقهم بالدفاع، جاء هذا التعميم الصادر بإشارة قضائية، كدليل واضح على أنّ ذوي القاصر لم يتمّ إبلاغهم باحتجازه. وهذا ما يتّفق مع ما أكّده أهالي الموقوفين والمحامين المدافعين عنهم منذ بدء حملة التوقيفات في الشهر الماضي بحصول إخفاءات قسرية لموقوفين على خلفية الاحتجاجات.

أين أصبح ملفّ موقوفي تظاهرات طرابلس؟

يستمرّ أهالي الموقوفين في قضية تظاهرات طرابلس بالتوجّه بشكل شبه يوميّ إلى أمام المحكمة العسكريّة للمطالبة بالإفراج عن أبنائهم. وبعد دعوات انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي للاعتصام يوم 15 شباط 2021، أغلقت القوى الأمنية الطريق المؤدّية إلى المحكمة العسكريّة من جهتي البربير والمتحف ووضعت أسلاكاً حديدية عند مدخل المحكمة وسط انتشار حشد كبير من القوى الأمنيّة. ولناحية البربير وقف عشرات الشبّان والشابات بشكل متفرّق، إضافة إلى عدد من أهالي الموقوفين. وبالتوازي، توجّه جزء من المحتجّين إلى محيط مرفأ بيروت حيث جرى إغلاق الطريق المؤدّية إلى الأوتوستراد بالإطارات المشتعلة. واختاروا المرفأ لأنّه أصبح يرمز إلى تأخّر عمل القضاء. 

وجاءت الدعوة إلى الاعتصام في 15 الجاري ليتزامن مع استجواب قاضي التحقيق العسكري مارسيل باسيل اثنين من المدّعى عليهم الموقوفين في ملف تظاهرات طرابلس منذ أكثر من أسبوعين. وقد تم استجواب جميع الموقوفين بين 10 و15 شباط بحضور محامين مكلّفين من نقابتي المحامين في طرابلس وبيروت، باستثناء شخص واحد لم يتم استجوابه بعد بسبب وضعه الصحي. على أثر ذلك، أصدر القاضي قراراً بترك 6 محتجزين، فيما أصدر مذكّرات توقيف وجاهية بحق 17 آخرين من بينهم قاصرين اثنين. ومعظهم الموقوفين هم شباب من سكّان الشمال، بالإضافة إلى 6 أشخاص من سكّان البقاع كانوا قد شاركوا تظاهرات طرابلس، قبل أن يتمّ الإفراج عن اثنين منهم. ونشير إلى أنّ النيابة العامّة كانت قد ادعّت أيضاً بحق 11 شخصاً إضافياً إنما غير موقوفين، لم يتم استجوابهم بعد. 

وكانت النيابة العامّة العسكرية قد وجّهت إلى المدّعى عليهم تهم “تشكيل عصابة مسلّحة، ومحاولة قتل مدنيين وعسكريين، ومعاملة قوى الأمن بالشدّة، والمشاركة في تظاهرات الشغب، والتخريب، وإضرام النار بالأبنية المأهولة، وتحقير رئيس الجمهورية”. وبعض من هذه التّهم تتخطى صلاحيات القضاء العسكري، كالشغب والتخريب وتحقير رئيس الجمهورية. ووجّهت النيابة التهم بالجملة، أي من دون تحديد مسؤولية كل شخص في هذا الملف، وفقاً للمحامي أيمن رعد المكلّف من نقابة المحامين في بيروت وعضو “لجنة المحامين المتطوّعين للدفاع عن المتظاهرين”، والمحامي نايف عليوة، المنسّق بين نقابة المحامين في طرابلس والمحكمة العسكرية. 

ويشرح المحامي عليوة، أنّ “العقوبة في هذه الجرائم تصل إلى عقوبات جنائية، ما قد يبرّر الاستمرار بتوقيفهم طيلة هذه المدّة”. ويلفت رعد من جهته إلى عدم تطابق مواد الادّعاء على وقائع القضية، مثل “تشكيل عصابة مسلّحة”. 


وضعت القوى الأمنية أسلكة حديدة في محيط المحكمة العسكرية في بيروت

“يومان من دون معلومة عن ابني، خفت أن يكون قد أصابه مكروه”

على الرصيف المقابل للمحكمة العسكرية، تجلس والدة الموقوف ر. ش. منتظرة صدور خبر عن ابنها ولكن بلا جدوى. فقد قرّرت أن تأتي بشكل شبه يومي إلى أمام المحكمة العسكريّة لتُطالب بالإفراج عن ولدها الذي لا يتعدّى عمره 22 عاماً. وتقول لـ “المفكرة” “ابني منذ عامين بلا عمل، كلّ ما أراد فعله هو أن يذهب من البقاع إلى طرابلس للمشاركة في التظاهرة، ليتضامن مع أهلها وللمطالبة بحقوقه مثل كل الثوار”. قبل نحو أسبوع تمّ استدعاء الشاب إلى مديرية المخابرات في وزارة الدفاع مع ثلاثة من رفاقه بعدما جرى توقيف شخصين في البقاع، فقام الأربعة بتسليم أنفسهم بحضور وكلائهم. تقول الوالدة، “ابني لم يقترف أي خطأ، فهو لم يكن متواجداً حين تم حرق بلدية طرابلس”. 

مرّ نحو اثني عشر يوماً من دون أن ترى الوالدة ابنها، وتقول: “سآتي إلى هنا كلّ يوم لو استطعت، إلى حين الإفراج عنه”. ومساء الاثنين 15 شباط تمكّنت من الحصول على إذن من النيابة العامّة بزيارته في سجن الريحانيّة: “وجدته منهكاً ويُعاني من أوجاع في معدته بسبب البرد وسوء التغذية. شعرت بأنّ معنوياته منخفضة وهو حزين بسبب استمرار توقيفه”.

والدة موقوف آخر، أيضاً تنتظر على الرصيف أمام المحكمة العسكريّة أيّ خبر عن ابنها وعمره 19 عاماً. تقول لـ”المفكرة”: “تكلّم معي ابني مرّة واحدة منذ توقيفه، وذلك بعد يومين من اختفائه”. وتتحدّث عن اليومين الأوّلين حينما علمت باختفائه: “انتظرته في المساء ليعود إلى المنزل من العمل لكنّه لم يعد، من شدّة القلق خشيت أن يكون حصل معه مكروه”. تتابع: “ذهبت أبحث عنه في المراكز الأمنية لكن لم يجبني أحد بمعلومة واحدة عن مكانه”. وتضيف: “بعد يومين من توقيفه، كتبت ابنتي منشوراً على فيسبوك تطلب فيه الكشف عن مكانه بلهجة حادّة. بعدها اتصل بي وطمأنني عن مكان تواجده”. 

الشاب ع. ب. موقوف أيضاً منذ 13 يوماً، وقد تم نقله مؤخّراً من الريحانية إلى نظارة المحكمة العسكرية في بيروت. يتحدث شقيقه لـ “المفكرة” بعد أن زاره يوم الاثنين مشيراً إلى أنّ “وضعه أفضل في نظارة المحكمة العسكرية، فقد شرح لي أنّه لم يكن مرتاحاً في سجن الريحانية”. ويُضيف، “أخي عمره 27 عاماً، صرف من عمله في أواخر العام 2019، ومنذ ذلك الحين انتقل إلى ساحات التظاهر ليكون جزءاً من الحراكات الشعبيّة التي تحصل في لبنان”. ولم تكن المرّة الأولى التي يتم توقيفه، إذ جرى توقيفه قبلها على خلفيّة إحدى التظاهرات وتم إخلاء سبيله بعد 11 يوماً”. 

تحدّيات مقبلة أمام المحامين وموكّليهم: إبطال التحقيقات الأوّلية لمخالفة المادة 47

يواجه المدعى عليهم في هذا الملف تحدّيين أساسيين: الأول إخلاءات السبيل التي يجري تقديم طلبات بشأنها هذا الأسبوع من قبل المحامين لـ 17 موقوفاً، على أمل أن يقبل قاضي التحقيق العسكري الإفراج عن الموقوفين وألّا تستأنف قراره النيابة العامّة. والتحدّي الثاني هو التمكّن من إبطال التحقيقات الأوّلية التي حصلت لدى الضابطة العدلية حيث لم تُحترم المادة 47 من قانون أصول المحاكمات الجزائية. والمادة 47 التي عدّلها مؤخراً مجلس النوّاب تعطي ضمانات للموقوفين فور احتجازهم، لناحية حقهم في الاتّصال بعائلاتهم وتوكيل محام ليحضر معهم التحقيق، إضافة إلى الحصول على كشف طبي. 

لكن معظم الموقوفين في هذه القضية حرموا من الاستفادة من المادة 47. ولم يتمكّن سوى أربعة من موقوفي البقاع من الاستعانة بمحامين خلال التحقيق معهم، وذلك بعد أن سلّموا أنفسهم تبعاً لاستدعائهم إلى وزارة الدفاع يوم 3 شباط، علماً أنّ التحقيق معهم جرى في الشرطة العسكرية (وليس في الوزارة) بحضور محاميهم. ونشير إلى أنّ مصادر من قيادة الجيش ادّعت في حديث مع “إل بي سي” أنّ المادة 47 طبّقت على جميع الموقوفين، وأنّ محامي موقوفي البقاع الأربعة حضروا التحقيق فيما الآخرون لم يردوا محامٍ. وهذا ما نفاه الموقوفون أمام قاضي التحقيق بحسب المحامين الّذين نقلوا لـ “المفكرة” أنّ معظم الموقوفين أفادوا بأنّه لمّ يُسألوا عن رغتبهم بتوكيل محام.  

وبالتالي وخلال إجراء الاستجوابات أمام القاضي باسيل، تقدّم بعض المحامين بطلبات شفهية لإبطال التحقيقات الأوّلية بسبب عدم تطبيقها المادة 47، إلّا أنّ القاضي رأى أنْ تُقدّم على شكل مذكّرات دفوع شكلية، فاضطّر المحامون للمضي بالتحقيق لعدم رغبتهم في تأخير استجواب الموقوفين بعد ما يقارب الأسبوعين على احتجازهم من دون أن يمثلوا أمام أي قاض. 

عن هذا الأمر، يشرح المحامي أيمن رعد المكلّف بالدفاع عن موقوفي البقاع: “ثبّتنا على محضر الاستجواب أنّ التحقيقات الأولية مع الشابيّن من البقاع اللذين تم التحقيق معهما بدون حضور محامين هي باطلة بسبب عدم مراعاتها المادة 47، وأدلى الشابان أمام القاضي أنّهما لم يحصلا على حقوقهما خلال التوقيف ولم يُسمح لهما الاتصال بمحامين للتوكّل عنهما، كما أنّ القاضي وجّه إليهما أسئلة مشابهة لتلك التي سُئلا عنها في التحقيقات الأوّلية وظهر تباين في الإجابات”. ويُضيف رعد أنّ “أحد الشابين أدلى أمام القاضي أنّه تعرّض للضرب بعد إلقاء القبض عليه”. 

إشكاليّات في تجاوز المهل القانونية

يلحظ المحامون المكلّفون بالدفاع عن المتظاهرين إشكاليات عدّة في هذا الملف، أبرزها التأخير الذي حصل في إبلاغ النيابة العامّة من قبل الأجهزة الأمنية بحصول التوقيفات، ثم تأخّر النيابة العامّة في إحالة الملف إلى قاضي التحقيق. 

ويلفت عليوة لـ “المفكرة” إلى أنّه جرى تجاوز الأصول القانونية بتأخّر عرض الموقوفين على قاضي التحقيق والمدّة القانونية هي 48 ساعة يتمّ تمديدها مرّة واحدة إلى حين إحالتهم إلى قاضي التحقيق. وفي حال مرور المهلة القانونية (4 أيام) يجب أن يصدر قرار بترك المحتجزين، إلّا أنّ ذلك لم يحصل، هذا مع العلم أنّ الموقوفين لم يحالوا إلى قاضي التحقيق خلال هذه المدّة، لكن بعد مرور ثمانية أيام على الأقل. ويرجّح عليوة أسباب تأخر الأجهزة الأمنية في عرض الموقوفين على قاضي التحقيق بتعرّض بعض منهم للعنف، ولكي لا تظهر علامات الضرب على أجسادهم.

ويشرح رعد لـ “المفكرة” “رصدنا تجاوزات من قبل القوى الأمنية لجهة التأخّر في إبلاغ النيابات العامّة عن الموقوفين من خلال المحاضر. مثلاً، أوقف أحد الشبّان يوم الأحد في 31 كانون الثاني لكنّ لم يُفتح له المحضر سوى يوم الثلاثاء 2 شباط، وبعد إبلاغ النيابة العامّة في 4 شباط، لم يُحَل الملف إلى قاضي التحقيق العسكري تلقائياً بل حصل ذلك في 10 شباط أي بعد تجاوز المهلة القانونية للتوقيف الاحتياطي وهي 4 أيام كحد أقصى”.  

ومن جهة أخرى يلفت عليوة إلى أنّ من أسباب تأخّر الانتهاء من الاستجوابات التي بدأت في 10 شباط   هو أنّ “عدد الموقوفين (24 شخصاً) أجبر القاضي على تقسيم الجلسات على عدّة أيّام”. ومن ناحية أخرى، حصل تأخير حين أخذ القاضي باسيل قرارات بترك بعض الموقوفين فاستأنفت النيابة العامّة القرار ما أدّى إلى تأخير التحقيق إلى حين بتّ محكمة التمييز بالاستئناف.

انشر المقال

متوفر من خلال:

أجهزة أمنية ، احتجاز وتعذيب ، اختفاء قسري ، البرلمان ، المرصد القضائي ، انتفاضة 17 تشرين ، حراكات اجتماعية ، حريات ، قرارات قضائية ، لبنان ، محاكم جزائية ، محاكم عسكرية ، محاكمة عادلة ، محاكمة عادلة وتعذيب ، مقالات ، نقابات



لتعليقاتكم