احتجاجات العطش في تونس: حقّ دستوري مهدور ومرآة لأزمة منظومة توزيع المياه


2021-03-05    |   

احتجاجات العطش في تونس: حقّ دستوري مهدور ومرآة لأزمة منظومة توزيع المياه
رسم عثمان سلمي

مع تسجيل الإصابة الأولى بفيروس كورونا في تونس نهاية شهر فيفري 2020، أصدرت وزارة الصحة بلاغاً يتضمّن الإجراءات الوقائية التي ينبغي على المواطنين الالتزام بها في حياتهم اليومية، وعلى رأسها ضرورة غسل اليدين باستمرار. وأجبرت الدولة الناس على المكوث في بيوتهم خلال فترة الحجر الصحّي الشامل بين شهري مارس وماي فشهدت تلك الفترة: 171 تبليغاً عن اضطرابات في توزيع المياه الصالحة للشرب في 22 ولاية، 40% منها حالات انقطاع في التزويد لم تعلنها الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه مسبقاً.

لا تقتصر المشاكل المرتبطة بتوزيع المياه الصالحة للشرب على المشاكل التقنية الظرفية المرتبطة بعملية التزويد، بل أصبحت معاناة حقيقية من العطش الذي يدوم أسابيع في بعض مناطق البلاد كلّ سنة. ودفع العطش عدداً من التونسيين إلى الاحتجاج في الشارع مطالبين بحقّهم الدستوري في مياه الشرب، في ظلّ تجاهل حكومي متنامٍ لهذه المعضلة التي تتفاقم يوماً بعد يوم.


في بعض قرى ومدن تونس.. الفصل 44 من الدستور إشاعة[1]
ملامح سنة صعبة من العطش

سجّل المرصد التونسي للمياه[2]، خلال 2020، 946 تبليغاً عن مشاكل مرتبطة بتوزيع المياه الصالحة للشرب في جميع الولايات. وقد تنوّعت أشكال حرمان المواطنين من المياه، حيث شملت الحالات المسجَّلة 53 تبليغاً عن مياه ملوَّثة، و739 حالة انقطاع كلّي للمياه الصالحة للشرب تراوحت مدّته بين ساعات وأيّام، على غرار مدينة الرديّف في الحوض المنجمي التي حُرم سكّانها من المياه طيلة خمسة أيّام متتالية نهاية ديسمبر 2020. كما تلقّى المرصد 154 تبليغاً عن تسرّب مياه دام أكثر من ثلاثة أيّام بدون أن تتدخّل الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه.

لا تُعتبر هذه الاضطرابات في توزيع المياه الصالحة للشرب استثنائية، بل استمراراً لمعضلة تتفاقم سنوياً. إذ زادت[3] التبليغات بنسبة 53% تقريباً عن سنة 2019 التي سجّلت 437 حالة. واشتدّت معاناة العطش بصورة خاصّة خلال أشهر الصيف التي شهدت 459 تبليغاً حول انقطاع المياه أو تسرّبات أضعفت الضخّ، في حين لم تتجاوز 122 حالة خلال سنتي 2016 و2017. بالعودة إلى خارطة العطش في تونس، حصدت ولايتا قفصة والقيروان للسنة الخامسة على التوالي أعلى نسب انقطاع مياه، حيث سُجِّلت 142 حالة في ولاية قفصة و118 حادثة انقطاع في القيروان. تليهما، تباعاً، على هذه الخارطة ولايات صفاقس وبن عروس وبنزرت. كان لافتاً في الإحصائيات المسجَّلة أنّ أكثر من 25% من حوادث انقطاع المياه الصالحة للشرب، حصلت في الولايات الأغنى بالمياه السطحية، على غرار باجة وجندوبة وبنزرت والكاف. فقد سجّلت هذه الولايات 237 حادثة مماثلة في حين أنّها توفّر 74% من الإيرادات السنوية من المياه السطحية[4] المقدَّرة بـ2.7 مليار متر مكعّب كمعدّل عامّ.

  • الترفيع في سعر المياه الصالحة للشرب في زمن الجائحة

أصدر وزير الفلاحة في 6 أفريل 2020 قراراً[5] بترفيع سعر استهلاك المياه الصالحة للشرب، في وقت كان أهالي الرديّف ومارث وسليانة وماجل بلعباس في ولاية القصرين، وغيرها من مدن ومعتمديات البلاد، يعانون من اضطراب في توزيع المياه الصالحة للشرب خلال فترة الحجر الصحي الشامل.

لم يكن ترفيع أسعار المياه الصالحة للشرب الأوّل من نوعه، فالشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه تعتمد، منذ 2011، سياسة الترفيع التدريجي لسعر المتر المكعّب من الماء بنسبة ناهزت 7% سنوياً. ثمّ تتالت الزيادات في 2012 و2013 و2015، و2016. كما سترتفع التسعيرة تدريجياً، وفق قرار وزير الفلاحة الصادر في الرائد الرسمي عدد 29 بتاريخ 7 أفريل 2020، إلى 0.200 دينار للمتر المكعّب بالنسبة لاستهلاك لا يتجاوز سقف 20 متر مكعّب لكلّ 3 أشهر (مقابل 0.145 دينار سابقاً) وتصل إلى 1.490 دينار للمتر المكعّب إذا فاق الاستهلاك 500 متر مكعّب لكلّ ثلاثة أشهر (مقابل 1.025 دينار سابقاً).

على صعيد آخر، لم تؤتِ سياسة ترفيع الأسعار التي تنتهجها الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه، منذ أكثر من ثماني سنوات، ثمارها في تحسين جودة الخدمات وضمان ديمومة الإمدادات. الأمر الذي تؤكّده الصدامات واحتجاجات الأهالي المتواصلة في معظم جهات البلاد طيلة سنة 2020.

انتفاضات العطش في تونس: واجهة للظلم التنموي وسطوة رأس المال

  • احتجاجات العطش في تونس وجه آخر للضيم التنموي

مثّلت قضية المياه الصالحة للشرب أحد أهمّ أسباب الحراك الاحتجاجي في تونس طيلة سنة 2020. فقد شهدت البلاد 399 احتجاجاً[6] للمطالبة بالحقّ في الماء في معظم الولايات، أي ثلاثة أضعاف احتجاجات سنة 2019 تقريباً. يكشف هذا الأمر عمق الأزمة المرتبطة بمعضلة العطش، بالأخصّ في زمن الجائحة، ويؤكّد في الوقت نفسه أنّ قضية المساواة في التزوّد بالمياه ليست سوى انعكاس للحيف التنموي. فقد شهدت الولايات التي تتذيّل مؤشّرات التنمية الجهوية[7] – القيروان وقفصة والقصرين وسيدي بوزيد – 301 حالة انقطاع المياه الصالحة للشرب خلال سنة واحدة. وتصدّرت ولاية القيروان قائمة المناطق التي شهدت تحرّكات متعلّقة بهذا الملّف بـ75 تحرّكاً احتجاجياً سنة 2020. وقد تنوّعت الأشكال الاحتجاجية في هذه الجهة، بين الاعتصام أو التظاهر، بينما كان شكل الاحتجاج الأبرز قطع الطرقات، حيث أُغلقت الطرقات بين معتمديات القيروان أو بين الولاية وغيرها من الولايات المحيطة بها في 20 مناسبة.

منع الأهالي أيضاً أبناءهم وبناتهم من استئناف دراستهم، في سبتمبر الماضي، خصوصاً في منطقتي الوسلاتية والعلا، حيث أبعدوهم عن مقاعد الدراسة احتجاجاً على استمرار انقطاع المياه وخوفاً من انتشار الفيروس لانعدام أبسط وسائل النظافة في زمن تطبيق البروتوكول الصحي. تجدر الإشارة هنا إلى أنّ 179 مدرسة ابتدائية[8] في ولاية القيروان – من أصل 313 – ليست مربوطة بشبكة توزيع المياه الصالحة للشرب.

لا يختلف مشهد العطش في هذه الولاية، ببؤسه، عن الواقع التنموي للمنطقة. فتحتلّ القيروان المرتبة الأولى في نسبة الفقر[9] على الصعيد الوطني بـ34.9%، وتتجاوز البطالة[10] 29.3% وتبلغ 40.9% في معتمدية العلا[11]، على سبيل المثال. أمّا نسبة الانقطاع عن الدراسة[12] فناهزت 34% (17% في المرحلة الابتدائية). وعلى الرغم من الوضع المأساوي للولاية وارتفاع عدد التحرّكات الاحتجاجية، بالأخص المرتبطة بمعضلة العطش، بقي الوضع على ما هو عليه في ظِلّ عقم هبّات الغضب قصيرة النفس التي قابلتها السلطة بالتعتيم والتجاهل.

انتقل أسلوب إغلاق الطرقات إلى تخوم العاصمة تونس، تحديداً في معتمدية المرناقيّة في ولاية منوبة. فقد شهدت المنطقة موجة احتجاجات طيلة شهر جويلية 2020، وذلك بسبب الانقطاع المتكرّر للمياه الصالحة للشرب تزامناً مع عيد الأضحى، في ذروة شهر الصيف. يُضاف إلى ذلك، ارتفاع نسبة ملوحة الماء بعد أن دعّمت الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه سدّ بني مطير، الذي يمدّ المنطقة بمياه مركب غدير القلّة، لزيادة كمّيات المياه التي تُضخّ في الخزّانات وتدارك النقص الحاصل في مياه الشرب. بلغ الغضب أقصاه في 2 أوت 2020، حين قطع المحتجّون الطريق السيارة التي تربط الشمال الغربي للبلاد بالعاصمة، الأمر الذي سبّب حالة إرباك كبيرة للعائدين من مدن الشمال الغربي بعد عطلة العيد؛ انفرجت الأزمة بعد أيّام مع استقرار عملية التزويد بالمياه.

  • العطش القسري؛ قفصة والهوادية مثالان لظلم الدولة وسطوة رأس المال

تنوّعت أسباب الاضطرابات في توزيع المياه الصالحة للشرب بين قِدّم شبكة قنوات التوزيع ومشاكل الجمعيات الفلّاحية وانخفاض منسوب السدود، إلّا أنّ العطش اقترن بالظلم في منطقة الهوايدية التابعة لولاية جندوبة وفي مدن الحوض المنجمي في قفصة. ففي قفصة التي تسجّل سنوياً أعلى معدّلات انقطاع مياه، خصوصاً في فصل الصيف، والتي شهدت 71 تحرّكاً احتجاجياً للمطالبة بالمياه الصالحة للشرب خلال 2020، يرتبط العطش بثروة/لعنة الفسفاط.

تدفع هذه المنطقة، التي تُعَدّ المنتِج الأكبر لمادّة الفسفاط في تونس، منذ عقود ثمن استخراج هذه “الثروة” في صورة عطش مزمن، حيث تستنزف[13] مواقع الإنتاج ومغاسل الفسفاط الموارد المائية الشحيحة أصلاً في ولاية شبه صحراوية. وقد تجاهلت الدولة التبِعات الكارثية لهذا الاستغلال المفرط للمياه ما سبّب انقطاع المياه عن مدينة أمّ العرائس طيلة خمسة أيّام في سبتمبر[14]، ومدينة المظيلة طيلة شهر جوان[15] بينما حُرم أهالي منطقة أولاد أحمد بن سعد من المياه[16] طيلة سبعة أشهر منذ فيفري 2020.

في المقابل، تبدو السلطات مطبِّعة مع مواسم العطش الطويلة في المنطقة، وتكتفي، لمواجهة هبّات الغضب والاحتجاج، بالوعود أو الحلول الترقيعية مثل زيادة أعداد الصهاريج المتنقّلة في ظلّ أزمة لا يبدو حلّها قريباً.

تتكرّر المأساة شمالاً في منطقة الهوايدية بينما تختلف المسبِّبات، إذ تستمرّ معاناة سكّان هذه القرية الجبلية نتيجة تلوّث مصدر شربهم الوحيد منذ سنة بسبب أعمال الحفر في مقلع حجارة انتصب في الجهة[17]. وفي 23 ديسمبر 2019، برزت قضية الهوايدية عندما بدأ الأهالي سلسلة تظاهرات واعتصامات قرب موقع الإنتاج مطالبين بإغلاق المقلع نهائياً بعد أن لوّثت عمليات الحفر منبع المياه الذي يغذّي عين ذكارة، مصدر مياه الشرب الوحيد في القرية. لم يؤثّر تلوّث العين تدريجياً بالغبار وتراكم المواد الصلبة الناتج عن نشاط الاستخراج على جودة المياه فحسب، بل حدّ من تدفّقها عبر خفض عدد مجاري المياه التي تزوّد القرية من 5 إلى 2 لا غير.

قدّم المحتجّون شكوى في 20 جانفي 2020 ضدّ الشركة المستغلّة للمقلع، بعدما تجاهلت السلطات الاعتصام الذي تخطّى ثلاثة أسابيع، يدعمهم عدد من منظّمات المجتمع المدني والمحامين، خصوصاً بعد صدور تقريرين لخبراء من الوكالة الوطنية لحماية المحيط يثبتان آثار نشاط المقلع المذكور السلبية على البيئة والمياه. يُضاف إلى ذلك، انتهاء رخصة استغلال الجبل من طرف الشركة منذ أفريل 2019. لم تغيّر هذه القضية واقع المنطقة حيث استمرّ الاعتصام لأكثر من سنة من دون أيّ تقدّم يُذكَر. وقد سعى أهالي الهوايدية إلى تكثيف حراكهم الاحتجاجي عبر نقل احتجاجهم إلى أمام مقرّ رئاسة الحكومة في العاصمة في 04 فيفري 2020، والتظاهر أمام مقرّ ولاية جندوبة في 11 مارس. وفي 15 جويلية 2020، تظاهروا أمام مقرّ المحكمة الابتدائية في الولاية مطالبين بإطلاق سراح أربعة معتصمين، من بينهم امرأة في سنّ الـ75 سنة، إثر شكويَيْن تقدّم بهما صاحب المقطع ووالي جندوبة.

بعد 13 شهراً من الاعتصامات والوقفات الاحتجاجية، وجد سكّان القرية التي سُلبت حقّها في المياه الصالحة للشرب، أنفسهم تحت سطوة رأس المال الخاصّ وتعامي السلطات الجهوية والمركزية التي نقلت قسماً منهم من موقع المطالبين إلى موقع المطلوبين. إلاّ أنّ استمرار الاعتصام وصلابة المعتصمين، يساندهم عدد من مكوّنات المجتمع المدني، مثل الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان والمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، قد تُسقط مراهنة الدولة على يأس المحتجّين لدفن الملفّ تحت كوم غبار النسيان أسوة بعشرات الملفّات المغَيَّبة بدون أن تُغلق.

منظومة توزيع المياه الصالحة للشرب تغرق في المشاكل

تتجاوز معضلة العطش بُعدَها الإنساني لتصبح مرآة لواقع منظومة توزيع المياه الصالحة للشرب في تونس. وتعكس الإحصائيات حول اضطراب التزويد خللاً حقيقياً على مستويات متعدّدة. في الإطار القانوني، لم يعرف القانون المنظِّم لاستغلال وحماية الموارد المائية[18] تغييراً يُذكَر منذ إصداره سنة 1975، ولم يخضع إلّا لتعديلات طفيفة في 1987 و1988 و2001، قبل انطلاق أولى الخطوات لإعداد مشروع مجلّة مياه جديدة سنة 2009. ومع اندلاع الثورة في 17 ديسمبر 2010، توقّف العمل على هذا المشروع قبل أن يُطرح مجدّداً في جويلية 2014. إلاّ أنّ طيفاً واسعاً من ممثّلي المجتمع المدني ذوي الاختصاص[19]، أعلن رفضه التامّ[20] للنسخة الجديدة خلال عرضها على استشارة موسّعة في ماي 2015. واعتبروها دون مستوى تطلّعات المختصّين في هذا المجال، إضافة إلى عدم توافقها مع متطلّبات التصرّف المستدام في الثروة المائية. اضطرّت الحكومة حينها، أمام الضغط، إلى سحب المشروع لتقدّمه مجدّداً بعد تعديله في جويلية 2017، وفتح نقاشات حوله مع النقابة العامّة للمياه التابعة للاتّحاد العام التونسي للشغل، والاتّحاد التونسي للفلاحة وباقي منظّمات المجتمع المدني. لكن، أصرّ الطرف النقابي[21] على رفضها لتضمُّنها بنوداً اعتبرها ضارّة بالملك العمومي وتفتح المجال أمام خصخصة الثروة المائية وهياكل توزيعها كما يوحي الفصل[22] 61 من مشروع المجلّة المقترح.

أدّى استمرار الخلافات إلى إجراء تعديلات وصولاً إلى النسخة الختامية التي صادقت عليها الحكومة في 27 جويلية 2019 بعد أن نالت موافقة الاتّحاد العام التونسي للشغل والاتّحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري، لكنّها لاقت رفض المجتمع المدني. إذ أنّ مشروع الإطار القانوني الجديد لاستغلال المياه الذي قدّمته الحكومة، “جاء تطبيقاً لتوصيات دراسة موّلها البنك الدولي سنة 2009 بعنوان ’الماء في تونس أفق 2030‘ بغرض دفع السلطة لفتح الملك العمومي للمياه نحو الخصخصة باعتباره الخدمة العمومية الوحيدة التي بقيت تابعة كلّياً للدولة. وقد تمّ انتقاد الطابع التقني للنصّ القانوني وغياب مفاهيم عدّة طرحتها الثورة كأوّليات على غرار منوال التنمية والبُعد الاجتماعي والسيادة الغذائية. كما تعمّدت سلطة الإشراف المحافظة على نوع من الغموض في بعض فصولها لفتحها لاحقاً على التأويل في ما يتعلّق بنقطة الشراكة بين القطاعين الخاصّ والعامّ. كما اعتبر مؤلّفو النصّ النقدي أنّ الحكومة ووزارة الفلاحة بالخصوص أطنبت في توسيع صلاحيات وزارة الإشراف وإحداث المؤسّسات واللجان والهيئات والمجالس المعنية بتنظيم استغلال وتوزيع المياه في إطار تعويم المهامّ وتعسير المحاسبة لاحقاً، كما ظلّ المشروع الجديد وفق ما جاء في ختام القراءة التحليلية فاقداً للجرأة والتجديد في ما يتعلّق بالمقاربات الحديثة للماء والتصوّرات الاستراتيجية في علاقة بالتحوّلات المناخية ووسائل التأقلم وتعزيز الموارد”[23].

لا تنحصر مشاكل منظومة توزيع المياه بالبُعد التشريعي، فشبكة توزيع المياه تعاني من التقادم والاهتراء، حيث تتجاوز نسبة القنوات[24] التي يفوق عمرها 25 سنة 42%. يتسبّب هذا الأمر في تسرّب[25] من 25% إلى 30% من المياه الموزَّعة، في الوقت نفسه، لا تتمكّن الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه من استبدال سوى 10% من القنوات المهترئة سنوياً[26].

أمّا خارج المدن، وأمام محدودية ربط الوسط الريفي بشبكات المياه الصالحة للشرب[27] التي لا تتجاوز 47%، استعانت الدولة منذ سبعينيات القرن الماضي بما يُعرف بالمجامع المائية[28] لتزويد التجمّعات السكّانية في المناطق الريفية بالمياه الصالحة للشرب. لكن تحوّلت هذه المجامع، البالغ عددها 1437[29]، إلى أحد عوامل عطش السكان، نتيجة توقّف الكثير منها عن العمل نظراً إلى تراكم ديونها المتخلّدة لدى الشركة الوطنية للكهرباء والغاز التي بلغت 42 مليون دينار[30] سنة 2018.

شكّلت الحركات الاحتجاجية المطالِبة بالحقّ في المياه الصالحة للشرب أحد مكوّنات الحراك الاجتماعي الرئيسية في تونس خلال السنوات الأخيرة. يعرّي هذا الأمر أزمة منظومة توزيع المياه في تونس التي تتفاقم بمرور السنين في ظلّ عجز الدولة عن تقديم الحلول واستمرار تراجع منسوب السدود[31] الذي انخفض 98 مليون متر مكعّب بحلول نهاية ديسمبر 2020. تُنذر هذه أرقام بسنة جديدة صعبة على عشرات القرى والمدن في أنحاء البلاد.

 

 

نشر هذا المقال بالعدد 21 من مجلة المفكرة القانونية | تونس | لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه:
جائحة 2020: ملامح ثورة مغدورة

 

  1. الفصل 44 من الدستور التونسي: “الحق في الماء مضمون. المحافظة على الماء وترشيد استغلاله واجب على الدولة والمجتمع”.
  2. حصيلة رصد التبليغات حول انتهاكات الحق في المياه – خارطة العطش لسنة 2020 – المرصد التونسي للمياه.
  3. إحصائيات المرصد التونسي للمياه لسنة 2019.
  4. وزارة الفلاحة التونسية.
  5. قرار من وزير الفلاحة والصيد البحري والموارد المائية مؤرَّخ في 6 أفريل 2020 يتعلّق بتحديد سعر الماء الصالح للشراب؛ الرائد الرسمي للجمهورية التونسية عدد 29 بتاريخ 7 أفريل 2020.
  6. المرصد التونسي للمياه.
  7. تقرير لجنة التنمية الجهوية في الجلسة العامّة بخصوص متابعة الأوضاع والمشاريع التنموية بالجهات لسنة 2020.
  8. مشاكل المياه في المدارس الابتدائية بالقيروان – الواقع والآفاق – دراسة صادرة عن المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية – 2019.
  9. تقرير مؤشرات التنمية الجهوية لسنة 2019 – وزارة التنمية والاستثمار والتعاون الدولي.
  10. المصدر نفسه.
  11. خارطة الفقر في تونس – المعهد الوطني للإحصاء – سبتمبر 2020.
  12. المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية – فرع القيروان.
  13. خالد طبابي؛ “قراءة تحليلية للحركات الاحتجاجية بالقرى المنجمية في سنة 2020″؛ المفكّرة القانونية – تونس، العدد 21.
  14. المرصد التونسي للمياه.
  15. المصدر نفسه.
  16. المصدر نفسه.
  17. الهوايديّة: عين الماء أم مقطع الحجارة؟ صراع فَلاّحي قرية جبلية ضدّ رأس المال الاستخراجي“؛ انحياز؛ 20 ديسمبر 2020.
  18. القانون عدد 16 لسنة 1975 المؤرَّخ في 31 مارس 1975 والمتعلّق بإصدار مجلّة المياه.
  19. الجمعية التونسية للتغيّرات المناخية والتنمية المستدامة 2C2D، جمعية المياه والتنمية، REACT، شبكة جمعيات الطبيعة والتنمية، المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، جمعية التربية البيئية بالحمّامات، Dynamique autour de l’eau، نوادي اليونسكو – الألكسو، الشبكة الجمعياتية بالحمّامات، نادي ليو جالطة، جمعية أحبّاء البلفدير وجمعية نوماد08.
  20. رسالة إلى وزير الفلاحة موقَّعة من المنظّمات المذكورة.
  21. الكاتب العام للنقابة العامة للمياه حسين الشارني؛ تصريح لموقع نواة؛ 17 جويلية 2018؛ محمّد سميح الباجي عكاز.
  22. تشجّع الدولة الشراكة بين القطاعين العامّ والخاصّ للتصرّف في الموارد المائية وإدارة المنشآت المائية في نطاق امتيازات أو كلّ أشكال الشراكة الخاضعة للنصوص التشريعية الجاري بها العمل.
  23. الندوة الوطنية لمشروع “التقييم المواطني للماء وإطاره التشريعي في تونس”؛ 6 و7 نوفمبر 2019؛ تقرير بعنوان قراءة تحليلية ونقدية حول مشروع مجلة المياه.
  24. تقرير: مشروع إصلاح قطاع المياه في تونس – البنك الدولي – أوت 2018.
  25. المرصد التونسي للمياه.
  26. وزير الفلاحة سمير بالطيّب؛ 26 مارس 2019؛ مجلس نواب الشعب.
  27. الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه.
  28. هذه المجامع المائية غير حكومية يديرها فريق مؤلَّف من خمسة إلى سبعة أعضاء متطوعين من سكّان تلك المنطقة الريفية.
  29. وزارة الفلاحة.
  30. وزير الفلاحة سعد الصديق؛ تصريح لوكالة تونس أفريقيا للأنباء؛ 03 مارس 2016.
  31. الإدارة العامة للسدود والأشغال المائية الكبرى.

 

انشر المقال

متوفر من خلال:

اقتصاد وصناعة وزراعة ، الحق في الصحة ، الحق في الصحة والتعليم ، بيئة وتنظيم مدني وسكن ، بيئة ومدينة ، تونس ، جائحة كورونا ، سياسات عامة ، فئات مهمشة ، لا مساواة وتمييز وتهميش ، مجلة ، مجلة تونس



لتعليقاتكم