اتهاميّة جبل لبنان تحمي التحقيقات في قضية النافعة: فلنتحدث عن تعسّف الدفاع ومخالفاته

،
2022-12-30    |   

اتهاميّة جبل لبنان تحمي التحقيقات في قضية النافعة: فلنتحدث عن تعسّف الدفاع ومخالفاته

أصدرت الهيئة الاتهامية في جبل لبنان بتاريخ 27/12/2022 قرارها بتأكيد صحة الإجراءات التي قامت بها المحامية العامة نازك الخطيب في قضية النافعة. وقد خلص قرار الهيئة إلى فسخ القرار الصادر عن قاضي التحقيق الأول نقولا منصور بإبطال محضر استجواب  المدّعى عليها هدى سلوم على خلفية إجرائه من قبل الخطيب منفردة من دون الاستعانة بكاتب. ويشكّل هذا القرار محطة هامّة في سياق التطورات الحاصلة في قضية النافعة، والتي باتت تكتسي رمزية هامة ولا سيما في ظلّ تعطيل التحقيقات في أغلب قضايا الفساد الكبرى. 

وفي التفاصيل، أصدر قاضي التحقيق الأول منصور في تاريخ 12/12/2022 قراراً قضى بإبطال محضر التحقيق الأولي العائد للمدعى عليها هدى سلّوم باعتباره يخلو من توقيع الكاتب “الوجوبي”. وكانت النيابة العامة تمسّكت أنه لا يوجد أيّ نص يفرض توقيع الكاتب أو الاستعانة به عند إجراء تحقيق في جناية غير مشهودة وأنه على فرض وجود هكذا مخالفة، فلا يجوز إبطال محضر الاستجواب طالما أنها ليست جوهرية وعملا بقاعدة أن لا بطلان من دون نص. إلا أن قاضي التحقيق تجاوز هذه الاعتبارات بعدما اعتبر أن النصوص التي تفرض توقيع الكاتب على محاضر العديد من الهيئات القضائية والقرارات الصادرة عنها (المواد 275، 194، 235، 238، 249، 31 و35 أصول محاكمات جزائية والمادتين 530 و536 أصول محاكمات مدنيّة) إنما تنطبق من باب القياس على محاضر النيابة العامة. 

وإذ استأنفت النيابة العامة القرار أمام الهيئة الاتهامية، انتهت هذه الأخيرة إلى فسخ قرار الإبطال مستندة على حجج ثلاث:

الأولى، أنه لا يجوز تطبيق النصوص المتصلة بمحاضر المحاكم وأحكامها على محاضر النيابة العامة. وقد ذهبتْ الهيئة العامة تبعا لذلك إلى استبعاد تطبيق جميع المواد التي أثارها قاضي التحقيق بعدما بينت أنها تتصل بالمحاكم وأن لا علاقة لها بالنيابة العامة وأن القياس هنا غير جائز وبخاصة أن المشرّع قد وضع في قانون أصول المحاكمات الجزائية “نصوصاً خاصة تتعلّق بكل الإجراءات التي ترعى عمل النيابة العامة وصلاحياتها ومهامها وعلاقتها بالضابطة العدلية، لا سيما لجهة التحقيق الأولي في الجرائم المشهودة وغير المشهودة، وتكون هذه الأحكام هي الواجبة التطبيق”.

وقد ذهبت الهيئة أبعد من ذلك تأكيدا على عدم جواز القياس من منطلق أن عدم استعانة النيابة العامة بكاتب أثناء إجراء تحقيقاتها مع المدعى عليها هدى سلوم “ليس من شأنه أن يشكل مخالفة جوهرية أو متعلّقة بالنظام العام باعتبار أن النيابة العامة الاستئنافية هي فريق في الدعوى الجزائية لا تنطبق عليها الأصول المفروضة على قضاة التحقيق وعلى محاكم الأساس، ويمكنها توسل الطرق المشروعة كافة التي تراها مناسبة لإجراء التحقيقات التي تريدها وجمع الأدلة على الجرائم التي تحقق فيها”.

أما الحجة الثانية، فقد استندت على عدم جواز بطلان إجراءات قضائية بغياب النص، وذلك سندا للمادة 59 من قانون أصول المحاكمات المدنية، حيث لم يتبين للهيئة وجود “أي نص يتعلق بالتحقيق الذي تجريه النيابة العامة … في الجرائم، يفرض البطلان في حال عدم الاستعانة بكاتب…”. 

ورغم أن الحجتين السابقتين كانتا كافيتين لفسخ القرار الابتدائيّ، إلا أنّ الهيئة الاتهامية رأتْ ضرورة في إضافة حجّة ثالثة على سبيل الاستفاضة وحسم الجدل. فبالإضافة إلى حجّتيها السابقتين، أوضحت الهيئة الاتهامية أن طالبة الإبطال لم تثبت أصلا وقوع أيّ ضرر عليها جراء الإجراء المطلوب إبطاله، خلافا لما تفرضه المادة 59 المذكورة أعلاه كشرط لقبول طلب الإبطال. واللافت أن الهيئة أسهبت في تدعيم حجتها، من خلال التمحيص في تفاصيل الدعوى وأوراقها وبخاصة استئناف المدعى عليها هدى سلوم والمذكرة اللاحقة المقدّمة منها. وقد خلصتْ بنتيجة هذا التمحيص إلى تضمين قرارها مقطعا طويلا إثباتا لعدم تكبّد طالبة الإبطال أيّ ضرر بل على العكس من ذلك، أنه تم تمتيعها بمجمل الحقوق المنصوص عليها في المادة 47 من قانون أصول المحاكمات الجزائية. وبالنظر إلى أهمية هذا المقطع، ننشره كاملا توثيقا للرواية الواردة فيه والتي تناقض تماما الرواية التي روّج لها وكيل سلوم (المحامي مروان ضاهر) غداة استجوابها كما نتبين من البيان الصادر آنذاك عن مجلس نقابة المحامين في طرابلس. وقد جاء فيه حرفيا: “لم يتبين ماهية الضرر الذي لحق بها (المدعى عليها) جراء عدم توقيع الكاتب مع المحامي العام الذي حقق معها على محضر استجوابها، وعلى الأخصّ أنه جرى احترام جميع حقوقها المنصوص عليها في قانون اصول محاكمات جزائية ولا سيما المادة 47 وما يليها من القانون المذكور، وقد تليت عليها حقوقها وتمنّعت عن استعمال أيّ منها باستثناء حقها بحضور محاميها وهذا ما حصل. وبعد تدخله (أي المحامي) بالاستجواب عدة مرات، تم تنبيهه بوجوب الالتزام بأحكام المادة 47 وعدم التدخّل بالاستجواب وعدم توجيه المدعى عليها في الإجابة على الأسئلة التي تطرح عليها وقد جرى إخراجه من غرفة التحقيق بعد أن وجه للقاضية المُستجوبة عبارات توحي معاملته لها بالشدّة. وعندما أصرّت المدعى عليها على عودة وكيلها المذكور أجيب طلبها ولكنه رفض العودة وغادر. وكما أجيب طلب المدعى عليها هدى سلوم بإجراء اتصال هاتفي بابنها لتأمين محامٍ آخر لها لحضور الاستجواب وكان جواب ابنها أنه تعذر عليه ذلك في الوقت الحاضر وقد دوّن كل ذلك في محضر استجوابها. كما أنها تمنّعت عدة مرات عن الجواب على الأسئلة التي طرحت عليها ولم يجبْرها أحد على الجواب وتمنّعت كذلك عن توقيع عدة صفحات من محضر استجوابها ولم يجبرْها أحد على التوقيع عليها.  وتكون المدعى عليها هدى سلوم في هذه الحال قد أعطيتْ جميع حقوقها خلال استجوابها ولا يكون لحق بها أي ضرر نتيجة هذا الاستجواب فيكون محضر استجوابها صحيحا”. يفهم تاليا من رواية الهيئة للأحداث أن المخالفة الكبرى في الاستجواب لم تقمْ بها النيابة العامة بخلاف ما جاء في طلب الإبطال، إنما الدفاع نفسه الذي استغلّ حضوره جلسة استجوابها لتوجيه موكلته في إجابتها على الأسئلة الموجهة إليه، بهدف حرف الاستجواب عن مساره وكل ذلك خلافا للقانون. ومن المهمّ هنا الإشارة إلى أنّ الهيئة أسهبتْ في تدعيم هذه الحجة رغم أن النيابة العامة كانت اكتفت بذكرها عرضا في استئنافها من دون أي توسّع.

وعليه، وانطلاقا من هذه الحجج الثلاث، نجحتْ الهيئة الاتهامية في المحافظة على شعلة الملاحقة في هذه القضية، وإن كان يرجّح أن يعمد دفاع سلوم إلى الطعن به أمام محكمة التمييز التي ستشكل الإجراءات أمامها وقرارها محطات جديدة في هذه القضية. 

وقبل المضي في إبداء أبرز الملاحظات التي يستدعيها هذا القرار، يجدر التذكير بأمرين مهمين: (1) أن دفاع سلوم (المحامي مروان ضاهر) كان لجأ منذ اليوم التالي لاستجوابها إلى استعداء النيابة العامة بشخص القاضية الخطيب. حصل ذلك بداية من خلال بيان نجح في استصداره من مجلس نقابة المحامين في طرابلس (والذي هو عضو فيه) اتهمها فيه أنها توجّهت إليه خلال جلسة الاستجواب “بنبرة قاسية وألزمته بمغادرة غرفة التحقيق والوقوف خارجها” فضلا عن اتهامها بفبركة أدلة بحقّ سلوم. كما عاد دفاع سلوم ليقدّم طلب ردّ ضد الخطيب (تم ردّها لاحقا) ودعوى أخرى لمخاصمة الدولة من جراء أعمالها، وقد أدت هذه الدعوى الأخيرة إلى كفّ يد الخطيب  بصورة آلية بانتظار اكتمال نصاب هيئة محكمة التمييز. وكان ائتلاف استقلال القضاء قد ندّد بهذه الأساليب في بيان حمل عنوان: “استعداء القاضي الذي يتجرّأ يهدّد جهود المحاسبة” معتبرا أن أسلوب استعداء القضاء بات يهدد بتقويض العمل القضائي برمته في هذه القضية كما في سواها. و(2) أما الأمر الثاني الذي يجدر التذكير به فهو أن دفاع سلّوم لم يسعََ خلال الفترة المنصرمة فقط إلى إبطال محضر استجوابها بل أبدى اهتماما موازيا في إبطال محاضر استجواب عدد من موظفي النافعة على خلفية تضمنها إفادات في غير صالح موكلته، بهدف إزالة الأدلّة ضدّها بارتكاب أعمال استغلال لسلطتها. إلا أن مسعاه في هذا المجال تم ردّه من قبل قاضي التحقيق كما من قبل الهيئة الاتهامية اللذين أكّدا أن “لا صفة للمُستأنفة لطلب إبطال محاضر استجواب غيرها من المدعى عليهم”.

انطلاقا من حيثيات قرار الهيئة ومن الأحداث التي سبقتْها وأعقبتْها، جاز إبداء الملاحظات الآتية:

1- يشكل القرار إضاءة هامة على انتهاج التعسّف في ممارسة حقّ الدفاع

أول ما نلحظه عند قراءة القرار، أن الهيئة الاتهامية تقصّدت ونجحت في وضع الأصبع على التعسّف الحاصل في استخدام حق الدفاع. ففي حين كان بإمكانها أن تردّ طلب إبطال محضر الاستجواب عملا بقاعدة عدم الإخلال بإجراء جوهري أو أنّ لا بطلان من دون نص كما سبق بيانه، رأت فائدة في الاستفاضة في التحرّي عن مدى وقوع ضرر بحقّ طالبة الإبطال من جرّاء الإخلال المُدلى به، وهو شرط آخر يشكل عدم ثبوته سببا إضافيا لردّ طلب الإبطال. فكأنما الهيئة لم تجدْ كافيا أن تعلّل قرارها بقاعدة تقنية (مبدأ عدم جواز الإبطال من دون نص)، إنما رأت من الضروري التحرّي في الفائدة العملية التي توخّتها طالبة الإبطال من تقديمه. فهل هي رمتْ إلى وضع حدّ لضرر أصابها فعليا من جراء المخالفة أم أنّ طالبة الإبطال لم يلحق بها أيّ ضرر من جراء عدم استعانة النيابة العامة بكاتب (أو ما تعتبره مخالفة) إنما يأتي الإدلاء بها بمثابة ذريعة من أجل إبطال محضر استجوابِها وما قد يحتويه من أدلّة إدانة بحقّها. في الحالة الثانية (وهي الحالة التي أخذت بها الهيئة الاتهامية على ضوء أوراق الدعوى)، ثمّة سبب إضافي لردّ طلب الإبطال طالما أنّه يرشح عن تعسّف طالبة الإبطال في استخدام حقّ الدفاع للحصول على منفعة ذاتية قوامها إزالة الأدلّة ضدّها تمهيدا للإفلات من العقاب.

وأهميّة الحجة التي تقصّدت الهيئة إضافتها هي إعادة توجيه المسألة على ضوء حقيقة مجريات الملاحقة، من مسألة تتمحور حول مؤاخذة القاضية الخطيب وتحميلها مسؤولية ارتكاب مخالفة قانونية، إلى مسألة تتمحور على العكس من ذلك حول التعسّف المرتكب من وكيل سلوم في ممارسة حقّ الدفاع عنها. ويكتسي إعادة توجيه المسألة على هذا النحو أهمية خاصة في ظلّ التعسف المنتظم في ممارسة هذا الحق والذي يكاد يتحول إلى نموذج جديد لأداء المحاماة في العديد من القضايا الاجتماعية الكبرى. وما يزيد من أهميته هو استعادة الهيئة تفاصيل مجريات الاستجواب والتي بيّنت ليس فقط أن النيابة العامة لم ترتكب أي خطأ بحق سلوم بل أن دفاع سلوم هو الذي ارتكب مخالفات خلال الاستجواب، وهي المخالفات التي لم يجد حرجا في استغلال ردود أفعال النيابة العامة عليها في إطار الدعاوى والطلبات التي قدمها لاحقا ضد القاضية أو القرارات الصادرة عنها. بمعنى أن التعسّف في استعداء القضاء وممارسة حق الدفاع لم يبدأ بعد التحقيق، إنما كان جزءا من مسار بدأ بتدخّل المحامي في الاستجواب وتعمد توجيه إجابات موكلته وصولا إلى رفض عودته لحضور الاستجواب واستصداره بيانا عن نقابة المحامين في طرابلس. فكما يفترض بالمحامي الذي يمارس دوره بمهنية أن يراكم الحجج القانونية والواقعية للدفاع عن وجهة نظره موكله، يتجه عدد متزايد من المحامين، وبخاصة من وكلاء أشخاص نافذين، نحو مراكمة الوقائع والظروف التي تسمح لهم باختلاق إشكال مع القضاة الناظرين في قضايا موكليهم تمهيدا لطلب تنحيتهم عنها كلما رأوا ذلك مناسبا.

ويسجل للهيئة الاتهامية تاليا أنها نجحت في تعرية هذا الأسلوب الذي يؤمل أن تتدخّل نقابات المحامين لوضع حدّ له، عملا بوظيفتها الأساسية في صون آداب المهنة.                

2- يعيد قرار الهيئة بعض التوازن إلى العلاقة بين حقّ الدفاع والادعاء

الأمر الثاني الذي نستشفّه من قرار الهيئة أنّه أعاد التوازن إلى العلاقة بين حقّ الدفاع من جهة وسلطة الادعاء من جهة أخرى، بما يمهّد لإعادة التوازن بين حقّ الدفاع ومجمل الحقوق الأخرى التي ترتبط بالادعاء والمحاكمة كحقوق المجتمع والضحايا. فبفعل التعسّف الحاصل في ممارسة حقّ الدفاع، نشهد مستويات تجاوزت ما هو معقول من تعطيل التحقيقات والمحاكمات في قضايا اجتماعية بالغة الأهمية، بفعل إغراق القضاة بدعاوى الرد ومخاصمة الدولة على خلفية أعمالهم وهي دعاوى تؤدي إلى كفّ أيديهم حكما بمعزل عن مدى جديتها. لا بل باتت دعوى مخاصمة الدولة على خلفية أعمال القضاة تؤدي إلى كفّ يد القاضي المعني إلى أجل غير مسمى بفعل فقدان الهيئة العامة لمحكمة التمييز الناظرة في هذه الدعاوى نصابها بقرار سياسي، قوامه رفض توقيع مرسوم التعيينات في رئاسات غرف محكمة التمييز.

وخطورة هذا الأسلوب الذي انتشر مثل النار في الهشيم بدءا من قضية المرفأ، ليس فقط أنه يؤدي إلى وقف التحقيق أو المحاكمة في القضايا الاجتماعية الهامة وصولا إلى إفلات معمم من العقاب، بل أنه يؤدي إلى تقزيم هذه القضايا وحرف الذاكرة بشأنها وصولا إلى حجبها وحجب المسؤوليات الجسام فيها تحت وابل التركيز على مخالفات القاضي وانحرافاته المفترضة. وهذا ما ذكر به ائتلاف استقلال القضاء محذرا منه بشدة في بيان صدر عنه في تاريخ 29/11/2022.

ومن هذه الزاوية، نجحت الهيئة الاتهامية في إعادة التوازن في هذا المضمار، ليس فقط من خلال تعرية تعسّف الدفاع إنما بالأخصّ من خلال دحض كل ما أثير من مخالفات بحقّ النيابة العامة وصولا إلى تحصين تحقيقاتها. وما يزيد من أهمية هذا المنحى هو أن الهيئة الاتهامية اجتهدت لتمكين النيابات العامة من إجراء تحقيقاتها من دون الاستعانة بالضرورة بكاتب إذا رأت ضرورة في اتخاذ تدابير استثنائية في ضمان سرّية التحقيقات ومنع أي تسرب لها، شرط أن تضمن في هذه التحقيقات للمشتبه بهم جميع الحقوق المنصوص عليها في المادة 47 من قانون أصول المحاكمات المدنية.      

3- قرار يعكس انقسام القضاة بشأن جهود المحاسبة  

ما نستشفّه أخيرا من هذه القضية هو التباين الشاسع بين قراريْ الهيئة الاتهامية، وقاضي التحقيق في الدائرة نفسها (جبل لبنان). فالتباين بينهما ليس مجرد اختلاف بشأن مسألة قانونية أو واقعية ثانوية، إنما هو يتصل بإحدى أهمّ المسائل الاجتماعيّة، ومحورها دور القضاء في المرحلة الراهنة في محاسبة المسؤولين العامين، في نظام يكاد يكون نظام إفلات معمم من العقاب. وليس أدلّ على ذلك الحماسة التي وضعها كلا المرجعين لتبرير موقفيْهما المتناقضين. ففي حين بذل قاضي التحقيق قصارى جهده لإيجاد نصوص تمكّنه من إبطال محضر الاستجواب وصولا إلى التوسع في تأويلها وتفسيرها ولو خلافا للمنطق القانوني، ذهبت الهيئة الاتهامية في اتجاه معاكس تماما، مستفيضة في التعليل وصولا إلى تعرية التعسّف في حقّ الدفاع وتحصين موقف النيابة العامة ومعها إجراءات التحقيق في قضية النافعة. وبالواقع، هذا التباين ليس إلا دليلا آخر على حدّة الانقسام الحاصل حاليا داخل الجسم القضائي انطلاقا من مدى استقلاليتهم أو انخراطهم في شبكات المصالح والنفوذ أو تأثرهم بها.

وعليه، هذه الملاحقة التي لم تنتهِ فصولها بعد، كما أي ملاحقة قضائية في قضية تعني أشخاصا نافذين إنما كانت وينتظر أن تكون بمثابة مسرح جديد سيتناوب عليه قضاة عدة، منهم على الأرجح قضاة في محكمة التمييز، لتوضيح مواقفهم لجهة دور القضاء في القضايا الاجتماعية الكبرى وفي مقدمتها قضايا الفساد ولتحديد مواقعهم تبعا لذلك في هذا الشأن. فلنتابع.       

انشر المقال



متوفر من خلال:

محاكمة عادلة ، قضاء ، مؤسسات عامة ، قرارات قضائية ، لبنان ، مقالات ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية